عمان ـ «القدس العربي»: تقلصت مساحة الخلافات السياسية نسبيا بين عمان وأنقرة تحديدا عندما يتعلق الأمر بالملف السوري ضمن سلسلة استدراكات بين الجانبين لعبت دورا في تقدم ملموس على المستوى الثنائي، لم يتطور بعد ولأسباب مفهومة إلى قفزة ذات بعد استراتيجي.
يبدو ان اعتماد السياسة التركية في الأشهر القليلة الماضية على مفاهيم الاشتباك مع الإرهاب خصوصا في سوريا والعراق ساعد في تقريب وجهات النظر مع الأردن الذي تحكم علاقاته مع دول الجوار بالعادة حسابات مغرقة في التعقيد ولها علاقة بالدول الخمس المؤثرة على سياسات عمان وهي بعد الولايات المتحدة، السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل.
يلاحظ دبلوماسيون أتراك وأردنيون ان مظاهر الارتياب السياسي بين الجانبين تقلصت مؤخرا بعد الاشتباك العسكري التركي مع تنظيم «الدولة» الذي كانت عمان وأطراف أخرى تتهم تركيا بالتواطؤ معه لا بل مساعدته في بعض الأحيان.
وفي السياق خفت اللغة المتشنجة واستقبلت عمان وفدا من البرلمان التركي لشرح حيثيات الانقلاب العسكري وأقفلت مدرسة كبيرة تتبع وتمول من قبل جماعة المعارض الشهير فتح الله غولن لكن ذلك لم ينتقل لأكبر من مستوى تفاهمات ضمنية باتجاه ترتيبات ذات بعد أمني على الأرض.
يرى الخبراء ان حدود جنوب تركيا وشمال الأردن متطابقة من حيث الخوف من التفاصيل الإرهابية وهو عنصر مشترك ساهم في التقريب ولو البطيئ بين وجهات النظر عند الجانبين. فأنقرة مهتمة بصورة تفصيلية بما يحصل شمال سوريا والأردن يتخذ خطوات عسكرية متعددة من بينها تعيين رئيس جديد للأركان خبير بالوضع الميداني على الحدود وجنوب سوريا.
ثمة فارق في الأفق بين الجانبين يمكن تفهمه، فتركيا لا تكتفي كالأردن بتحصين حدودها لمنع عبور المسلحين المتهمين بالإرهاب وهي دخلت نطاق العمليات العسكرية مباشرة شمال سوريا لأنها تعاني من مشكلة لا يعاني منها الأردن وتعتبر أولوية لصانع القرار التركي وهي الحيلولة دون إقامة كيان تركي عدائي وهو هدف تجمع عليه أغلبية الحكم وأقلية المعارضة في المؤسسات التركية.
الأردن اقترب بدوره وان كان بصورة خفيفة جدا من المنطق الذي يرفض تماما شرعية النظام السوري وهي نقطة كانت قد أثارت الكثير من الخلاف بين عمان وأنقرة خلف الكواليس في الماضي.
تركيا اعتمدت وما زالت على سيناريو اسقاط واستئصال النظام السوري.
وعمان بدروها لم تعد ترسم خياراتها بناء على وجود نظام سوري حقيقي وما تتحدث عنه وفقا للغة التي يستخدمها الناطق الرسمي باسم حكومتها الدكتور محمد المومني خلال مناقشات مع «القدس العربي» هو الحفاظ على الدولة السورية قدر الإمكان وتجنب سيناريو اجتثاث البعث كما حصل في العراق.
في مقر الخارجية الأردنية يتحدث الدبلوماسيون عن ضعف التفكير بوجود نظام سوري حقيقي يمكن التحدث معه، وأحد السفراء قال لـ «القدس العربي» ان الوكيل الروسي هو الجهة التي تعتمد الآن لأي حديث له علاقة بسوريا والدليل على ذلك ان رئيس الأركان الأردني الأسبق الجنرال مشعل الزبن زار موسكو وليس دمشق للتحدث عن رفض بلاده لعمليات عسكرية كبيرة جنوب سوريا وعن ترسيم الحدود المغلقة. في كل الأحوال نقص ثقة الأردن بالنظام السوري كان من عناصر الجذب بالنسبة للأتراك وان كانت عمان لا تسعى لتقليد أنقرة في استخدام لغة تتحدث عن استئصال النظام السوري.
على الأقل انتقل موضوع الخلاف على النظام السوري إلى المرتبة الثانية في جدول اهتمام الأردن وهو أمر تفاعلت معه الدبلوماسية التركية بشكل حيوي ونشط خصوصا وانها أعادت إنتاج موقفها مما كان يشتكي الأردن منه بخصوص تنظيم الدولة الإسلامية مؤخرا.
الذاكرة بين البلدين ما زالت تحتفظ بنقطة الخلاف الأساسية والمركزية وهي ان الأردن يعمل في سوريا وفقا للمقياس الأمريكي والروسي عندما يتعلق الأمر بعدم التمييز بين جميع الفصائل الإسلامية المسلحة داخل سوريا، وعمان تعتبرها بدون استثناء بما في ذلك جبهة النصرة خطرا وإرهابا تفاعلا مع الأمريكيين ومجاملة للروس فيما يبدو.
أنقرة لها رأي آخر تماما، فهي تتصور ان الإصرار على معاملة جميع الفصائل الجهادية داخل سوريا بطريقة تصنيف تنظيم «الدولة» أمر غير منصف وغير منتج، لان استهداف الجميع تحت عنوان خدمة النظام السوري وتمكن موسكو من الاسترخاء شمال سوريا وحسم المعركة سيقود الفصائل المعتدلة إلى التطرف ما دامت القوى الدولية والإقليمية لا تفرق بيها وبين تنظيم «الدولة».
في قياسات الدولة العميقة في الأردن يمكن تفهم الجملة التركية الاعتراضية على أساس حساسية أنقرة من إنتاج انطباع دولي شامل يردده الأمريكيون دوما وتحديدا وفكرته باختصار تشير إلى ان الأكراد فقط دون غيرهم أظهروا قدرة كبيرة على الاشتباك الفعلي والميداني مع تنظيم «الدولة».
وجهة النظر التركية تتحدث عن ضرورة منح فصائل المعارضة المعتدلة والإسلامية فرصة المشاركة في المعركة ضد التنظيم ودعمها وتزويدها بالسلاح حتى لا يستأثر الأكراد بتلك الفضيلة لأغراض سياسية خبيثة مضمونها المنطقي كما تفهم أنقرة تلميع المسلحين الأكراد وتبرير الاستمرار في دعمهم بالسلاح الاستراتيجي تمهيدا لمنحهم الكيان المستقل وبصورة تهدد الدولة التركية.
تأخذ أنقرة على عمان انها لا تتفهم هذه الجزئية، فيما ترى العاصمة الأردنية انها مضطرة حتى اللحظة لملاعبة الجميع حرصا على مصالحها عندما يتعلق الأمر بالمسألة التركية.
بسام البدارين