بعد يوم حاسم في الانتخابات التركية البرلمانية 7/6/2015، أعلن رئيس هيئة الانتخابات العليا سادي غووَن بأن 4 أحزاب سياسية تمكنت من اجتياز العتبة الانتخابية المتمثلة بـ 10 في المئة من أصوات الشعب، وبحسب هذه النتائج فإن الأحزاب التي فازت في هذه الانتخابات النيابية هي «حزب العدالة والتنمية» و»حزب الشعب الجمهوري» و»حزب الحركة القومية» و»حزب الشعوب الديمقراطية»، وقد اعتاد الشعب التركي على فوز الأحزاب الثلاثة الأولى كما في الانتخابات النيابية الثلاثة السابقة، والجديد في هذه الانتخابات هو فوز حزب ديمقراطية الشعوب ذو الأغلبية الكردية أو الهوية الكردية الغالبة، بما يمثله رئيس حزب ديمقراطية الشعوب صلاح الدين ديمرتاش من كونه كرديا ويفاوض الحكومة التركية على مستقبل الأكراد في المصالحة الوطنية الداخلية، وبما يمثله من علاقة وثيقة مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان سجين جزيرة إمرلي منذ عام 1999.
إن حزب ديمقراطية الشعوب وضع خطة انتخابية نجحت في تخطي الحاجز الانتخابي وهو 10 في المئة، وحقق نجاحاً يقدر بنسبة 13 في المئة، بينما حصل حزب العدالة والتنمية على 40.86 في المئة من الأصوات، وحزب الشعب الجمهوري على 25،1 في المئة، وحزب الحركة القومية على 16،4 في المئة، بحسب النتائج المعلنة أيضاً، ووفقا لهذه النتائج يحصل حزب العدالة والتنمية على 258 مقعدا في البرلمان، وحزب الشعب الجمهوري على 132 مقعدا، وحزب الحركة القومية على 91 مقعدا، وحزب الشعوب الديمقراطي على 79 مقعدا، وهذه الأعداد النيابية لا تخول أحداً من الأحزاب الفائزة لتشكيل الحكومة بمفرده لكسب ثقة البرلمان وتشكيل الحكومة رسمياً أولاً، وكذلك حتى تتمكن الحكومة المقبلة من تنفيذ سياساتها دون مشاكل أو إعاقات من الأحزاب الأخرى قد تؤدي إلى استقالة الحكومة، وبالأخص ان الحكومة المقبلة المفترضة لحزب العدالة والتنمية كانت تعد لإقرار مشاريع قوانين تواصل المشاريع السابقة، ومنها مشاريع تعديل الدستور أو كتابة دستور جديد للجمهورية التركية الجديدة، وبالأخص في نظام الجمهورية السياسي وتحويله من نظام برلماني إلى نظام رئاسي ، كما كانت تعلن حكومة العدالة والتنمية برئاسة أحمد داود أغلو السابقة.
لا شك أن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة قد خلطت الأوراق على حزب العدالة والتنمية، فهو أمام تحدي ألّا يترك منجزاته السابقة خلال الثلاثة عشر عاما السابقة وما حققه من نجاح اجتماعي واقتصادي وسياسي إلى حكومة أخرى تشكلها أحزاب المعارضة الثلاثة، قد لا تقوى بل من المؤكد انها لا تقوى دون مشاركة حزب العدالة والتنمية على إدارة شؤون البلاد بنجاح يوازي أداء حكومة حزب العدالة والتنمية، فكيف إذا كان يشاهد الضعف والانهيار لمشاريعه وهو خارج الحكومة؟
لذلك كان موقف رئيس حكومة تصريف الأعمال أحمد داود أوغلو واضحا وصريحا أن حزب العدالة والتنمية لن يترك أحزاب المعارضة تشكل الحكومة وحدها، لقناعته بعدم قدرتها على إدارة دفة الحكومة بنجاح أولاً، ولكنه في الوقت نفسه يحترم الإرادة الشعبية وما اعطته من نتائج لهذه الانتخابات، وبالتالي فليس أمام حزب العدالة والتنمية إلا تشكيل حكومة ائتلافية دون خطوط حمراء ولا شروط على أحزاب المعارضة الأخرى. ولذلك فإن السؤال المثار الآن في تركيا هو من سيختار حزب العدالة والتنمية من الأحزاب الثلاثة للائتلاف معه لتشكيل الحكومة، بعد ان يعهد رئيس الجمهورية أردوغان لأحمد داود أوغلو لتشكيل الحكومة في الراجح، حيث لا يوجد لدى حزب العدالة والتنمية شخصية أخرى أفضل من داود أوغلو لشغل هذا المنصب.
الرئيس رجب طيب أردوغان يطالب الأحزاب السياسية الفائزة بتشكيل حكومة بأقصى سرعة وعدم ترك البلاد دون رأس، وهو يدرك انه لا يمكن أن يتم تشكيل حكومة دون حزب العدالة والتنمية، الذي أعطاه الشعب المرتبة الأولى في هذه الانتخابات، أي ان حزب العدالة والتنمية لا يستطيع ان يترك من صوتوا له فيبقى في المعارضة وقد صوت له الشعب ان يكون في المرتبة الأولى بفارق كبير عن الأحزاب الأخرى، لذلك يمكن القول أن حزب العدالة والتنمية هو أمام تحدي إجراء عملية قيصرية تُخرج إلى الشعب التركي حكومة ائتلافية قوية تستطيع مواصلة المسيرة الناجحة لحزب العدالة والتنمية، وتستجيب للتحديات المستقبلية، وتواصل تنفيذ الوعود التي قطعها حزب العدالة والتنمية على نفسه، بفارق وحيد عن الماضي وهو ضرورة فتح كل القنوات السياسية مع الأحزاب سواء للمشاركة معه في السلطة والحكومة الائتلافية أو للمشاركة معه في المعارضة الديمقراطية. فالمعادلة السياسية الديمقراطية لا بد ان ترفع حزبا إلى السلطة وحزبا آخر في المعارضة، وهذه ليست سياسة انتقاصية من أحد الأحزاب السياسية، وإنما هي معادلة السياسة الديمقراطية أولاً، ومعادلة أصوات الناخبين ثانياً، التي أعطت لحزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى في هذه الانتخابات، وكانت قد اعطته المرتبة نفسها بدرجة أعلى في الانتخابات الماضية، لذلك فإن عقلية حزب العدالة والتنمية الجديدة ينبغي أن تنظر في تشكيل التحالف الحكومي الديمقراطي إلى معادلة أصوات الناخبين، وقد جعلت أصوات الناخبين حزب الشعب الجمهوري في المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية، وبالتالي فإن الخطوة الأولى لحزب العدالة والتنمية ينبغي ان تتوجه إلى حزب الشعب الجمهوري للمشاركة في حكومة ائتلافية قبل غيره، وهذه الخطوة لها مبرراتها التي تبدأ بمعادلة أصوات الناخبين، فإذا نجحت هذه الخطوة وهو المأمول فقد خرجت تركيا من أزمتها الحالية بنجاح، ونجحت معها الديمقراطية التركية، وإلا فإن البحث عن تحالف آخر مع حزب آخر سيكون الخطوة الثانية وهكذا. فالاحتمال الأقوى أمام حزب العدالة والتنمية هو التحالف مع حزب الشعب الجمهوري للأسباب التالية:
1 ــ ان حزب الشعب الجمهوري هو في المرتبة الثانية في اختيار الشعب التركي، فهو الأول في تشكيل الحكومة الائتلافية مع حزب العدالة والتنمية، وبذلك يمكن تشكيل أقوى حكومة ممكنة ومنتجة من هذه الانتخابات. فحزب الشعب الجمهوري يملك حوالي 132 نائبا، وبالتالي فإن أصواتهم إلى جانب أصوات حزب العدالة والتنمية 258 سوف تصبح حكومة بأغلبية 390 نائبا، وهذه الكتلة النيابية تستطيع عمل كل شيء لو اتفق الحزبان على البرامج والسياسات المقبلة، وإلا فعمل ما يمكن الاتفاق عليه.
2 ـ حزب الشعب الجمهوري هو حزب مؤسس للجمهورية التركية الحديثة، فهو عريق في العمل السياسي، وقد تعلم الكثير من تشكيل الحكومات الائتلافية في العقود الماضية، بعد إقرار التعددية الحزبية عام 1949، وإقرار التعددية الحزبية كان بمشاركة نواب حزب الشعب الجمهوري اولاً، وكان لهذا الحزب مشاركة جيدة مع حزب السلامة الوطني برئاسة نجم الدين أربكان، حيث شكل الحزبان حكومة ائتلافية أدخلت الحركة الإسلامية في الحياة السياسية لأول مرة عام 1973، رأسها بولانت اجاويد ونائب الرئيس نجم الدين أربكان، أي أن العمل المشترك بين أطراف المعادلة السياسية في تركيا لهما أسبقية تاريخية وسياسية عريقة، لا شك أنها سوف تسهل عمل الحكومة المقبلة.
3 ــ أن التغييرات التي حصلت على حزب الشعب الجمهوري في السنوات الماضية جديرة بالاهتمام، وبالأخص انه لم يعد يحمل روحا عدائية للهوية الحضارية الإسلامية كما كان في السابق، وأصبح في منتسبي الحزب من يرتدي الحجاب من النساء، وعندما أشاع صلاح الدين ديمرتاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطية مواقف معادية لرئاسة الشؤون الدينية كان رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار اوغلو من المتصدين له والمدافعين عن هذه المؤسسة الدينية العريقة في تركيا.
ولا بد ان يؤخذ في الاعتبار أن تركيا في السنة المقبلة على أقل تقدير تحتاج إلى حالة من الاستقرار السياسي والراحة الاجتماعية، فلا يمكن الدعوة إلى انتخابات مبكرة خلال أشهر قليلة بعد ان خاضت البلاد ثلاثة انتخابات متوالية في السنة وثلاثة أشهر الماضية، وقد يكون من العبء الكبير على الشعب التركي أن يدعى إلى انتخابات رابعة خلال أشهر قليلة، لذلك فأن على الحكومة الائتلافية المقبلة مسؤولية الاستقرار وطمأنة الشعب على استقرار حياته اليومية واستقرار مستوى معيشته، فلا يمكن قبول ان تكون الانتخابات الديمقراطية عقوبة للشعب في لقمة معيشته إذا فشلت الحكومة الائتلافية المقبلة في تلبية مطالب الشعب وطموحاته.
محمد زاهد غول