تركيا وحكومة الانتخابات

حجم الخط
0

لا تنتهي المفارقات العجيبة في المشهد السياسي التركي. فللمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية يتقرر «إعادة الانتخابات العامة» لأن نتائجها لم ترضِ الحزب الحاكم ورئيس الجمهورية. هي إعادة وليست انتخابات مبكرة لسببين على الأقل: أولهما المدة القصيرة الفاصلة بين دورتين انتخابيتين، وثانيهما أن الانتخابات الأولى لم تنبثق عنها حكومة جديدة، بل استمرت حكومة ما قبلها بتصريف الأعمال. ومن المجحف إضافتها إلى وظيفة «تصريف الأعمال» بالنظر إلى القرارات المصيرية التي اتخذتها في هذه المرحلة، كشنها حرباً مفتوحة على حزب العمال الكردستاني كلفت الجيش والشرطة فقط أكثر من أربعين قتيلاً يستحقون وحدهم صفة «الشهداء» في عرف الدولة.. أو اتفاقها مع الأمريكيين على التنسيق العسكري في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش.. أو اعتقالها لرؤساء بلديات منتخبين بذريعة دعمهم المزعوم لحزب العمال الكردستاني الموصوف بالإرهاب. وهذا ما يقودنا إلى مفارقة أخرى في المشهد التركي المضطرب.
منذ نحو ثلاث سنوات والحكومة التركية تتفاوض علناً مع هذا الحزب «الإرهابي» ورأسه عبد الله أوجالان الموجود في أحد سجونها. وإذ ربط رئيس الجمهورية أردوغان بين خسارة الحزب الحاكم للغالبية المطلقة في انتخابات السابع من حزيران/يونيو وبين دخول حزب الشعوب الديمقراطي البرلمان بثمانين نائباً، فقد بات هذا الحزب في مرمى الرئيس وإعلامه الموالي بهدف إخراجه من البرلمان في انتخابات الإعادة «لتعود الأمور إلى نصابها» كما كانت عشية الانتخابات المشؤومة. وبلغ هذا الاستهداف أقصى تجلياته بإعلان أردوغان أنه «الامتداد السياسي لحزب العمال الكردستاني» الذي يحاربه الجيش التركي، هذه الأيام، بكل أنواع الأسلحة. المفارقة الجديدة هي أن هذا «الامتداد السياسي» لـ»الإرهاب» سيكون شريكاً في حكومة الانتخابات التي من المفترض أن يشكلها رئيس الوزراء المستقيل أحمد داوود أوغلو خلال الأيام القليلة المقبلة. هذا ما قاله رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي بطريقته الفصيحة: «بعد أيام سيكون حزب العمال الكردستاني شريكاً في الحكومة مع حزب العدالة والتنمية»!
فالحزب القومي، ومثله حزب الشعب الجمهوري، أعلنا بوضوح رفضهما المشاركة في حكومة مهمتها إعادة الانتخابات. وبذلك سيكون حزب الشعوب الديمقراطي هو الشريك الوحيد للعدالة والتنمية في الحكومة المقبلة، إضافة إلى نواب مستقلين. ذلك أن الدستور، في حالة إعادة الانتخابات، يقضي بوجوب تمثيل جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان في حكومة مهمتها التحضير للانتخابات القادمة، وبحصص من المقاعد الوزارية تتناسب مع نسب تمثيلها في البرلمان. من المفترض، وفقاً لهذه النسب القائمة في البرلمان اليوم، أن يتمثل حزب العدالة والتنمية بأحد عشر وزيراً (إضافة إلى رئيس الوزراء) وحزب الشعب الجمهوري بخمسة وزراء، وكل من حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديموقراطي بثلاثة وزراء.
وبخلاف الحزبين القومي المتشدد والعلماني الكمالي، أعلن رئيس حزب الشعوب الديمقراطي بصراحة أن حزبه سيشارك في الحكومة حتى لو أعطي حقائب وزارية هامشية. وإذا كان الحزب القومي المتشدد «مبدئياً» في رفضه المشاركة في حكومة يتمثل فيها الحزب الكردي، فحزب الشعب الجمهوري قد يغير موقفه في اللحظة الأخيرة، نظراً لتعطشه إلى السلطة بعد غياب طويل عنها. وعلى أي حال أعلن رئيس الوزراء المكلف داوود أوغلو أنه سيوجه دعوات فردية إلى نواب أحزاب المعارضة «في ظرف مختوم» على أمل أن يدفع إغراء الوزارة بعض نواب تلك الأحزاب إلى مخالفة موقف حزبهم والتصرف بصورة فردية، على رغم إعلان بهتشلي أن أي نائب من نواب حزبه يخالف قرار الحزب بمقاطعة الحكومة الانتخابية سوف يطرد من الحزب.
الخلاصة أنه من المحتمل أن تتشكل الحكومة الانتخابية بصورة حصرية من حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي. مع العلم أن الأخير وحده تم استبعاده من المشاورات الائتلافية لداوود أوغلو، مقابل دعوته لكل من الشعب الجمهوري والحركة القومية ليكونا شريكاً في الحكومة الائتلافية التي فشل، في النهاية، في تشكيلها مع أي منهما.
ولكن هل يعني كونها «حكومة إعادة الانتخابات» أنها بلا أهمية أو قصيرة العمر أو غير مخولة باتخاذ قرارات سياسية حاسمة؟ يتوقف الجواب على النتائج المحتملة لانتخابات الإعادة التي تحدد موعدها في الأول من شهر تشرين الثاني القادم، أي بعد نحو شهرين من الآن.
وفقاً لمدير شركة متروبول المتخصصة في استطلاعات الرأي العام، من المحتمل أن تكون نتائج الانتخابات القادمة متقاربة مع نتائج انتخابات السابع من حزيران. بحيث تبقى مقاعد البرلمان القادم موزعة على الأحزاب الأربعة الممثلة فيه اليوم، وربما بنسب قريبة من النسب الحالية. ويشارك كثير من المحللين الأتراك في هذا الرأي. وحده الرئيس أردوغان لا يقبل بغير نتيجة تخول الحزب الحاكم تشكيل حكومة جديدة بمفرده. من هنا تنبع أهمية الحكومة الانتخابية التي يسمح الدستور باستمرارها في السلطة بعد الانتخابات، إلى حين تشكيل حكومة جديدة منبثقة من الانتخابات، من المرجح أن تكون ائتلافية أيضاً، وفقاً للتوقعات المذكورة أعلاه، فيتعسر تشكيلها كما حدث في الأسابيع الماضية. وحتى إذا تشكلت سوف تحتاج إلى إقرارها من قبل رئيس الجمهورية كما تقتضي صلاحياته الدستورية. وإلى حين صدور هذا الإقرار ستواصل «حكومة الانتخابات» حكمها للبلاد تحت الظل الثقيل للرئيس أردوغان. ومن ناحية ثانية، لا يمكن للحكومة الانتخابية المزمع تشكيلها قريباً إلا أن تتخذ قرارات سياسية حاسمة، بالنظر إلى اضطراب الأوضاع العامة داخل البلاد وفي جوارها السوري والعراقي، وفي ظل المخاطر المحيطة بالوضع الاقتصادي غير المستقر. لا شيء يمنع حتى من اتخاذ قرار بإرجاء الموعد المعلن للانتخابات إذا توافرت مبررات كافية (أمنية مثلاً) يمكن القول إنها متوفرة منذ الآن.
سنشهد في الأسابيع القادمة، إذن، هذا المشهد الغريب: حزب العمال الكردستاني يقاتل الجيش التركي، في حين يشارك «جناحه السياسي» في الحكومة! أليس هذا الوضع هو الوصفة المثلى لسلام طال انتظاره؟ فلا السلاح وحده قادر على إرغام الدولة التركية على إيجاد حل للمشكلة الكردية المزمنة، ولا التخلي عنه لصالح العمل السياسي السلمي.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية