تركيا ومواصلة الاستدارة جنوبا نحو الموصل

تحدثنا في مقال سابق عن التغيير في الموقف التركي، بعد الانقلاب، بعد عملية «درع الفرات»، وتحدثنا عن الظروف التي أنتجت هذه الاستدارة. ومن الواضح أن هذا الموقف لن يقف عند حدود سوريا، فقد فاجأ الرئيس أردوغان الجميع عندما تحدث يوم 13 ايلول/ سبتمبر 2016، عما أسماه الحاجة إلى عملية عسكرية في الموصل على غرار عملية «درع الفرات». ثم تواصلت التلميحات التركية لتصل إلى تصريحه في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول عملية استعادة الموصل حيث قال «يجب ان تجري مع مراعاة حساسية التنوع السكاني»، محذرا من ازمة إنسانية إذا ما تم تجاهل هذا الأمر. وان تركيا «لن تترك العراق وحيدا في ظل الظروف الحالية»! وأصبح هذا الموقف واضحا مع تصويت مجلس النواب التركي يوم 1 تشرين الأول/ اكتوبر لصالح مذكرة تقدم بها أردوغان تتيح للجيش التركي العمل في الأراضي السورية والعراقية في إطار مكافحة الإرهاب.
في المقابل، فان الاطراف العراقية وبسبب الغياب التام لموقف موحد يمكن أن نطلق عليه موقف الدولة العراقية منذ العام 2003! فقد استندت استجابة هذه الاطراف إلى هوياتها الفرعية، وطبيعة علاقتها مع تركيا، فالأطراف الشيعية ترفض بالإجماع ما تسميه «الاحتلال التركي»! وقد قال رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم 18 ايلول/ سبتمبر بأن وجود القوات التركية يعرقل جهور القضاء على تنظيم الدولة، وأن الإصرار على إبقاء تلك القوات «غير مبرر»! وقد هددت أطراف اخرى تحديدا المرتبطة بمليشيات الحشد الشعبي، صراحة هذه القوات! وانتهى هذا الموقف إلى إصدار قرار غير ملزم من مجلس النواب العراقي يوم 3 تشرين الأول/ اكتوبر برفض توغل القوات التركية في الاراضي العراقية.
اما سنيا، فباستثناء بعض الأصوات المعدودة على الأصابع من حلفاء السيد المالكي القدامى! فقد كان الصمت سيد الموقف، فلم يصدر عن تحالف القوى العراقية أي موقف صريح. في حين تجنب رئيس مجلس النواب سليم الجبوري تماما الإشارة إلى القوات التركية في اللقاء الذي جمعه مع السفير البريطاني، بعد يوم واحد من قرار مجلس النواب. اكتفى بالحديث عن اهمية حشد الجهود الدولية لاستعادة الموصل، في اشارة إلى القبول بالدور التركي!
وقد انقسم الموقف الكردي ايضا في هذا الموضوع، بين اربيل والسليمانية. ويظهر قبول اربيل بتواجد هذه القوات من خلال السماح لها بالتمركز في معسكر «زيلكان» شمال الموصل، وهو معسكر خاضع لقوات البيشمركة، لتدريب مليشيا «الحشد الوطني» التابعة لمحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، بموافقة امريكية ضمنية!
اما موقف السليمانية فهو على الضد من ذلك، وقد ظهر ذلك من خلال موقف الرئيس العراقي فؤاد معصوم، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني/ السليمانية، الذي عد في وقت سابق أن وجود القوات التركية في الاراضي العراقية يشكل انتهاكا للأعراف والقانون الدولي! بل ان ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني في أنقرة اتهم في تصريحات صحافية الحزب الديمقراطي الكردستاني «بالتواطؤ مع الحكومة التركية لدخول قواتها أراضي الإقليم»! متهما الحكومة التركية بانها «تحاول إحكام قبضتها في إقليم كردستان»!
تاريخيا، وبعد قرار عصبة الأمم المتحدة في 16 كانون الأول/ يناير 1925 بإبقاء ولاية الموصل جزءا من العراق، ظلت ولاية الموصل، التي كانت تضم كركوك، حاضرة في المخيال السياسي التركي، بانها «ولاية مستلبة» نتيجة مؤامرة دولية! وكان اسم الموصل يتردد صريحا عند أية ازمة تعصف بالعراق، على سبيل المثال حين حاول الاتراك استغلال لحظة دخول القوات العراقية إلى الكويت لاستعادة الحديث عن عائدية الموصل وكركوك لتركيا! حيث وصل الأمر إلى النقاش بين الرئيس توركت أوزال ورئيس الأركان نجيب تورمتاي، عندما عرض الرئيس أوزال دخول القوات التركية للوصول إلى الموصل ثم كركوك حال بدء قوات التحالف الدولي عملياتها العسكرية، اعتقادا منها ان هذه العمليات سوف تنتهي بالإطاحة بصدام حسين. وهو الامر الذي اعترض عليه تورمتاي بشدة! وأعاد الرئيس اللاحق سليمان ديميريل هذه الدعوى، حيث تجاوز ذلك إلى الحديث عن اعادة ترسيم الحدود بين تركيا والعراق! بل ان حزب العدالة والتنمية نفسه كرر هذه النغمة عندما تحدث عبد الله غول، وزير الخارجية التركية آنذاك، عن حقوق «نفطية» لتركيا في الموصل وكركوك، مستندا في ذلك إلى قرار عصبة الأمم نفسه الذي اشترط عقد معاهدة بين بريطانيا وتركيا يعطى فيها لشركة النفط التركية التي تعمل في ولاية الموصل نسبة معينة من النفط! وهي المعاهدة التي تم توقيعها بين الطرفين في 5 تموز 1926 والتي تعهدت فيها الحكومة العراقية بموجب المادة 14 بأن تدفع للحكومة التركية 10٪ من عائدات نفط الموصل لمدة 25 عاما.
لقد أشار البعض إلى أن تركيا تستند، في تدخلها في العراق، إلى المعاهدة التي وقعتها تركيا من جهة، وبريطانيا والعراق من جهة ثانية، عام 1926، ولكن مراجعة المعاهدة تكشف أنها لا تتضمن أية حجة يمكن استخدامها في هذا الإطار. ومن ثم فان الغطاء الذي يمكن لتركيا استخدامه لتسويغ تدخلها في سوريا والعراق، إنما يستند بالدرجة الأساس على قرار مجلس الامن رقم 2249 في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الذي قرر أن تنظيم الدولة يشكل خطرا عالميا يهدد السلام، والذي دعا الدول التي لديها القدرة على القيام بذلك إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة، وفقا للقانون الدولي، لمنع وقمع الاعمال الارهابية على الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة في سوريا والعراق للقضاء على الملاذ الآمن الذي أقامه على أجزاء هامة من الدولتين.
بموجب هذا القرار اعطت الكثير من الدول لنفسها الحق بالتدخل العسكري في العراق وسوريا، بمعزل عن موافقة الدولتين، وبمعزل عن التعقيدات المتعلقة بالإخلال بمبدأ الحصانة السيادية التي أقرها ميثاق الامم المتحدة، ومبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها. فالتدخل الدولي الحاصل في سوريا اليوم، باستثناء التدخل الروسي، يتم من دون موافقة الحكومة السورية، ومع هذا يحظى بقبول دولي صريح. هكذا لم نجد أي اعتراض جدي على الدخول التركي إلى جرابلس، فضلا عن الحديث عن مشاركة تركية في استعادة الرقة نفسها بعمق 130 كيلو مترا في عمق الاراضي السورية! باستثناء حديث النظام السوري عن «الخرق السافر للسيادة» الذي يمكنه التغاضي عنه في حالة «التنسيق مع الحكومة السورية والجيش العربي السوري»! والاعتراض الايراني الخجول بأن مواجهة الإرهاب يجب ان تتم بموافقة النظام في دمشق!
من هنا يبدو واضحا ان اعتراضات بعض الأطراف العراقية على قرار التدخل التركي، ورفع شعار السيادة، سيبقى في حدود البروباغاندا للاستهلاك المحلي! ففي الوقت الذي تصاعدت فيه هذه الاعتراضات، وصولا إلى التهديد! كان رئيس إقليم كردستان في ضيافة رئيس الوزراء العراقي في بغداد، ولم تتم الاشارة في هذا اللقاء إلى مناقشة موضوع «الوجود التركي» القائم بموافقة حكومة الاقليم عمليا! ولم ترد الاشارة ايضا إلى اعتراضات جدية بهذا الشأن مع الجانب الأمريكي، وباستثناء بيانات انشائية صدرت عن العبادي، وعن وزارة الخارجية العراقية، والحديث عن السيادة المنتهكة! لم يلجأ العراق عمليا إلى تقديم شكوى إلى مجلس الامن في هذا الشأن أيضا. ويبدو واضحا أيضا أن هذا الاعتراض لا يتعلق بخرافة السيادة، بدليل تغول الدور الايراني في العراق بغطاء صريح من هذا الطرف نفسه، وإنما يتعلق بإمكانية أن يعيق الحضور التركي ترتيبات الامر الواقع التي يراد فرضها بالقوة في الموصل، كما حصل ويحصل في جميع المناطق التي تمت استعادتها من تنظيم الدولة، فضلا عن إمكانية تعطيل الخرائط المعدة لهذه المرحلة، تحديدا في تلعفر!

٭ كاتب عراقي

تركيا ومواصلة الاستدارة جنوبا نحو الموصل

يحيى الكبيسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية