«ترويقة في بيروت» وثائقي يقرأ في أعماق الروابط مع المدينة: فرح الهاشم الكويتية تعشقها وفنانون ومواطنون يلتقون بأنها «الحلم المعلق»

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: خُتم وثائقي «ترويقة في بيروت» على «زغل» ومن غير عادة المدينة بكرم الضيافة، فكل الطعام الذي عايناه اقتصر على «ساندويشي» دجاج تناولتهما المخرجة ومساعدتها، وفي السيارة. ما بدا وعلى مدى أكثر من ساعة من الزمن أن بيروت تشكل في حياة سكانها شريحة غير قليلة من ساكنيها غراماً أبدياً، إنما الزواج مستحيل. فقد خلُصت المخرجة فرح زين الهاشم إلى تعبير بليغ عن تلك العلاقة مع المدينة بالقول «بيروت حلُمي المعلق».
بيروت تتردى كمدينة رغم مشاريع ثقافية وسياحية تقاوم ذاك الموت الذي يترصدها في كافة الزوايا. منذ بدأت الحرب الأهلية سنة 1975 وما تلاها من حروب بمسميات مختلفة وبيروت تهرول نحو الخلف. هجرها كثيرون، لكنّ الحنين يشدهم أينما كانوا دون معرفة دوافع هذا الحب المرضي. من هجرها بقرار شخصي يعيش انفصاماً، فلا هو حيث يعيش، ولا هو في بيروت، ومع ذلك المدينة تسكنه. قررت فرح بعد دراسة وعمل في نيويورك أن يكون لها فيلم تضع فيه عُصارة غرامها ببيروت. غرام كشفته الغربة إلى مدينة ناطحات السحاب، وراحت تعززه يوماً بعد يوم. كُتب السيناريو مرات ومرات في الغربة الأمريكية ولم يكتمل سوى في بيروت. «ترويقة في بيروت» عُرض في مهرجان الاسكندرية السينمائي، حيث شكلت اعترافات أبطاله صدمة للمتلقين، وتمّ تصنيفه كفيلم صادم. ربما لم يتوقع مشاهد في الاسكندرية أن يتحدث فنان أو مواطن لبناني عن بشاعة مدينة الباطون، وعن عشقه لها في الآن عينه. هذا ما تمكنت فرح من تصويره عبر الشخصيات التي اختارت أن تشاركها الفيلم، سواء صدفة أو بقرار. رسمت سيناريو، واستثمرت العفوية التي جاءت إلى شريطها بمحض الصدفة، فكانت ولا أجمل.
يوم الثلاثاء الماضي وبدعوة من نادي لكل الناس عُرض «ترويقة في بيروت» في سينما صوفيل. امتلأت الصالة وبقي كثيرون خارجها. فرحت فرح بالطبع، وهذا لا يكون عادة لفيلم وثائقي ببطاقات مدفوعة، ولمخرجة تقدم باكورتها الفنية. تمنت من الحضور مسامحتها على اهتزازات الكاميرا أو عدم وضوح الصوت «أنا مخرجة فقيرة». ومع دوران الشريط على الشاشة الكبيرة كان الإهداء لروح مارون بغدادي وحضور متكرر للمصعد الكهربائي المتسبب بقتله. وما لم نعرفه من الشريط أن فرح زين الهاشم كويتية الهوية ومن أم لبنانية، درست الاخراج في الجامعة اللبنانية الأمريكية، وحصلت على الماجستير في نيويورك. في اللقاء مع فرح وجهاً لوجه نسألها: أين الترويقة؟ خرج الجميع من الفيلم جائعاً؟ صحيح. عملياً هذا ما حدث، إنما الطعام كان وجبة محسوسة. خطر لي هذا العنوان لأن بيروت ومنذ الصباح مدينة تزدحم فيها الأحداث ومن كل نوع. أحداث كنت اتناولها قبل أول «كدشة» من منقوشة الزعتر وعبر التلفزيون. التطورات المتواصلة في بيروت تغذينا أكثر من الطعام. «مود» الصباح في بيروت خاص ومختلف. من مغامرات سائق التاكسي، إلى الخباز، والكهرباء وغيرها. بيروت هي لحظات الصباح التي كنت اشتاقها في نيويورك. هناك وفي مقهى الصباح كنت أهجي اسمي للنادل بناء لطلبه، ثم يلفظه غلط. طعم القهوة هناك غير لذيذ لأني وحيدة والوجوه غريبة. ترويقة نيويورك رمادية اللون. في حين يسألني النادل في مقهى يونس «وينك يا فرح ما عم تبيني»؟ هذه الجملة تكفني كترويقة.
يذكر أن ترويقة تعني طعام الصباح في لبنان، وفيها اختارت فرح الهاشم ممثليها من المقربين كصديقتها ناتاشا شوفاني، والفنانون عبد الرحيم العوجي، زينة مكّي، بديع ابو شقرا وآخرين. مشاعر فرح في منفاها الطوعي إلى نيويورك للتحصيل الماجستير في الاخراج السينمائي، كانت محسوسة تماماً في الدموع التي حبسها الممثل بديع أبو شقرا في عينيه، وهو يحركش أعماقه بحثاً عن أوصاف لعلاقته ببيروت. فبديع اتخذ قراره بأن تكون عائلته في كندا، ويزور لبنان لتصوير عمل درامي فقط. نعم تقول فرح. بديع حبس دموعه على حافة جفنيه. يزور بديع بيروت كي يتنفس. لهذا سألته كم نَفَس كان لك بعد نفس بيروت؟ ونحن في بيروت نحسب أنفاسنا ونتلذذ بها. من يغادر هذه المدينة ويعود إليها لأيام يحشدها بالبرامج المتلاحقة ليل نهار قبل أن يصلها. كانت الأيام الخمسة التي أمضيها في بيروت في اجازة من نيويورك كما الأيقونة.
تعاملت فرح مع ممثليها وكأنهم في حال اعتراف، تماهوا مع أدوارهم وراحت قريحتهم تفيض. ورغم انتقاداتهم البنيوية لما يفتعله السياسيون ورأس المال ببيروت يمكن القول أن العواطف التي انصبت على بيروت تجعلنا نعترف بأن «الحب أعمى» حتى مع المدن. يسأل أبو شقرا «شو بدي حِب ببيروت»؟ لكنه يغترب عن ذاته في كندا رغم وجود عائلته ويقول: أبكي يومياً هناك ولا أعرف أنا من. هل أنا أب أم ممثل؟ كندا الوطن التقليد وهنا الأصل. ويصفها المخرج محمود حجيج (استاذ فرح) مدينة الباطون، شعبها نصفه أجانب (يمتلكون جنسيات أخرى). ويصف العوجي علاقته ببيروت كما عاشقين، لا يستطيعان العيش تحت سقف واحد. زينة مكي كانت ذات جاذبية في وصفها لبيروت: تخرج من المطار بعد غياب، تشم رائحة المازوت المحترق والرطوبة، وتقول أريد المزيد. تعبر زينة بفرح وحيوية مطلقة وتختصر «لدينا ادمان اسمه بيروت».
الاعترافات التي استخرجتها فرح من ممثليها لم تبحث لها عن كادر سينمائي متغير. جلس كل منهم في المكان عينه، حتى بدا وكأنهم متسمرين فيه. تقول: هذا الثبات ينبئ بأن وضعنا على حاله ولم يتغير على كافة الصعد. هو وضع أزلي واللقطة تشبهه.
في إختيارها للممثلين ثمة أسباب. خلال الدراسة الجامعية قال محمود حجيج لتلميذته: نعكس حياتنا في أعمالنا. حياتنا هي مستقبلنا وماضينا. وكي نعرف حياتنا يجب أن نكتشف ماضينا. وهكذا علينا العودة إلى نقطة الإنطلاق. تقول: من هنا علمت أن محمود حجيج سيفهم الفيلم، كذلك النص والسيناريو والأسئلة. استحق حجيج أن يكون في مشهد متواصل لمدة أربع دقائق ونصف وهو يتحدث عن انعدام الأماكن العامة في مدينة بيروت. وأنها ليست للناس. ممنوع التصوير فيها. وكل سياسي يصادر طريق. مع بديع وعبد الرحيم صداقة وأخوة. وغيرهم من الذين ظهروا في الفيلم علاقتي بهم شخصية. ولهذا كسرت كلياً حاجز المخرج والممثل. وبديع وجد في الفيلم نوعاً من العلاج النفسي، لأن الجميع يلتقي حول إشكالية العلاقة مع بيروت.
لم تكن كافة عناصر الفيلم مقررة سلفاً لدى فرح. هناك مشاهد فرضت نفسها. تقول: عندما زرت عبد الرحيم العوجي في منزله لتصوير الحوار تم بحضور والديه. الوالدان عبّرا بحرقة قلب مرّة عن ضياع بيروت القديمة. الكاميرا تدور وهما يبوحان بما في داخلهما. كان لهما تأثير على الفيلم، وهما من الشخصيات التي أتاني بها القدر. ولهذا أقول أن بيروت شاركتني في كتابة السيناريو وبالتصوير كذلك. نور شحادة ومي سميث تعرفت إليهما في مسرحية ليلنا أبيض، وجدتهما مشغولتان بما يعبر عنه فيلمي، فولجتا إلى صورته. من خلال العيون اقرأ علاقة الناس مع المدينة. حالة ساطعة جداً أن تعيش ليال بدارو ستة أشهر في منزلها البيروتي وحقيبتها موضبة وفي بالها أن السفر سيحين سريعاً بعد عودة لها من دبي. أن يعيش شخص في منزله وخزانته الحقيبة، فهذا بحد ذاته يصلح لفيلم روائي طويل.
تعود فرح الهاشم إلى الذاتي جداً بعد الكثير من المشاهد التي تجمعها داخل السيارة مع صديقتها ناتاشا مع حوار وجداني عن صلة كل منهما بالمدينة، فتظهر في نهاية الفيلم والدتها عواطف زين مستغربة هذا الحب المفرط لبيروت، في حين أنه حب «غير شرعي». ففرح كويتية الأب ولبنانية الأم. تقول: أمي هي سبب علاقتي ببيروت التي أدخل مطارها بالبطاقة الزهرية وأغادرها بالبطاقة البيضاء.
لماذا مشاهد السيارة؟ هي مشاهد تجسد علاقة صداقة قوية نشأت في بيروت بين فتاتين خلال الدراسة الجامعية. «صداقتنا مجنونة. وكما الاربعاء في منتصف الاسبوع تقول لي ناتاشا I miss you فجأة، وغيرها من القصص الحميمة البسيطة كإلتهام سندويتش دجاج..». تدمع فرح من صدق روابطها وعمقها مع بيروت، ويتأرجح صوتها مرتجفاً، هو عشق غريب ومقدر في آن. وتقول باكية: في شوارع نيويورك كنت اشتاق للحمراء و»الكسدرة» فيها برفقة ناتاشا، وكذلك كنت اشتقاق لسندويش الدجاج». ففي مشاهدهما داخل السيارة ولجت فرح بفيلمها إلى الحيز الروائي.
زيارة البصّارة لقراءة المستقبل مشهد مستهجن. ببساطة تراه فرح من زاوية البحث عن فتى الاحلام. هذا الفتى في بال الصديقتين فرح وناتاشا يشبه مارون بغدادي. تقول: مارون بغدادي حاول تحقيق حلمه مع المدينة. هو من رأى بيروت بكامل تناقضاتها. برأي هو رجل أحلام بيروت. أفلامه كانت علاجاً للنوستالجيا التي عشتها في نيويورك. هو عرّفني إلى بيروت السبعينيات، التي لا أعرفها، لكني اشتاقها.
في مهرجان الاسكندرية السينمائي شاركت فرح كمخرجة كويتية تعلن الحب على بيروت. كان مهماً عندها النظر إليها «كمخرجة عربية، وكتبوا المخرجة الكويتية اللبنانية. أحدهم سألني كويتية وقمت بهذا العمل عن بيروت لو كنت لبنانية ماذا كنت فعلت»؟
«ترويقة في بيروت» فيلم يجول على المهرجانات ويلقى الترحيب حيث الجاليات العربية واللبنانية وفي كافة أنحاء العالم.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية