حوار: محمد القذافي مسعود
تمتلك الأديبة العراقية عالية طالب تجربة ثرية تمتد على مدى ربع قرن، تنقلت خلالها بين قصص الأطفال والقصص القصيرة والرواية والبحوث الأدبية، فضلا عن خبرتها الطويلة في العمل الصحافي.
وفي هذا الحوار مع «القدس العربي» ترى طالب أن الرواية العربية في الألفية الثالثة هجرت قصص الحب والغرام وهجر الحبيب، ولم تعد مسطحة أو مقولبة، بل أصبحت وثيقة إدانة «نشهرها في وجه المجتمع المتخلف ونعرّيه من ورقة التوت الدبقة».
■ ما هي أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية اليوم؟
□ تحديات الرواية العربية تكمن في كيفية تخلصها من عقدة الشارع العربي أو على الأصح موروثات الشارع العربي عبر تاريخه وحاضره، هذه الموروثات أدخلت القص والرواية العربية في محلية مفرطة لعقود طويلة، وحين انزاح بعض التكلس من جوانب هذا الشارع وعبر زواياه التي أضيئت بجهود حقيقية هنا وهناك، وصلت الرواية العربية إلى خارج بعض الأسوار، وليس كلها، ولا زال دربها طويلا ومرهقا كما أراه.
■ إلى أي مدى تضر الأدلجة بالنص؟
□ الأدلجة تقتل النص والآيديولوجيات تتبناه من جديد، بمعنى أن يسقط النص في فخ الأدلجة فإنه لن يكون نصا بريئا من الإحالات المفضوحة، وحين يتبنى آيديولوجيا معينة لا يهتف بها علنا ويحدد نظريتها وفقراتها ونظامها، بل يمزجها داخل العمل ببراعة المؤلف المقتدر، فإنه سيحقق نجاحه الفكري وهدفه الساعي للإيصال بعكس المؤدلج فكرا وفنا وإبداعا اسميه مسطحا.
■ ما الفرق بين الرواية التاريخية ورواية العمل التاريخي؟
□ للرواية التاريخية شروط كثيرة، من بينها أن لا يعيد المؤلف صياغة التاريخ، كما يريد هو، بل أن ينقل الأحداث بطريقة واردة، وكما حصلت مستندا إلى مصادر موثقة وإرشيف صحيح وروايات منقولة عن شهود عيان وفي إطار الإضافة للمؤرخ وليس التناقض معه إلا لصالح تصحيح البيانات، إن حصلت بناء على زيف المؤرخ، فكلنا نتذكر جرجي زيدان وفتاة غسان وكنعان، وهو ما سميناه رواية تاريخية لكنها في واقع الحال لم تكن كذلك.
■ ما الفرق بين الرواية العربية قبل عام 2000 وبعده؟
□ بعد عام 2000 خرجنا من الحب والغرام والتأوه وهجر الحبيب إلى القتل والتشرذم والخوف والصراخ في وجه الظلم وفضح المستور داخل أروقة من استباح غرامنا باستلاباتنا السابقة، فلم تعد الرواية مسطحة ولا مقولبة ولا هامشية ولا خجولة، كأنها العذراء ليلة زفافها، أصبحت الرواية وثيقة إدانة نشهرها في وجه المجتمع المتخلف ونعريه من ورقة التوت الدبقة، ما عاد صوت الأنثى مغناجا داخل غرف النوم المشتراة بدم الضحية، بل باتت امرأة ناضجة ترفع أسلحتها الحقيقية وليس الأنثوية في وجه من يعيد زمن الإماء إلى الواجهة.
وبات الوطن أكبر من أن يكون أرضا نعرفها وسياجا يموت تحته الرجال، أصبح صوتا وضوءا ونورا وقولا وهمسا صاخبا في الكون لينتزع الأغلال من سجون بلا أبواب معروفة، وبات الأنا والآخر في مواجهة فعلية وعلى من يحقق الانتصار اللجوء إلى الإنسانية لتهدد شعوره بقناعة الخسارة، وأخيرا بتنا لا نخاف من أن نحمل إدانتنا لهم – كلهم – كيفما كانت قوتهم، فلم يعد الخوف إلا وهما لا يمكن له أن يقتل العمل الروائي حتى إن قتل المؤلف.
■ إلى أين تسير الرواية بعد الثورات العربية المتواصلة حاليا؟
□ هناك تحول ملموس في ثيمة الرواية العربية بدأت منذ التسعينات، خاصة في العراق الذي عاش ظرفا استثنائيا صعبا، وجاءت الألفية لتحمل معها اتساع التداخلات السياسية والفكرية والحريات ومحاولة شق كفن الاستلاب للشخصية العربية التي عانت طويلا من الأنظمة الشمولية والحزب الحاكم والحزب الواحد واختفاء التعددية والحوار الحضاري، وبدأت شخصيات الأبطال تحمل هموما مختلفة وحوارات وثيمات متباينة إنسانية وتأويلية وحسية وفكرية، أي خرج المارد بعد أن كان قد استروح اغفاءته بقمقم السلطان وما زال يتلفت بحثا عن استقراءات حقيقية لما يجري في المشهد العربي، ليستطيع أن يقول كلمة الرواية كما ينبغي لها أن تطرح وتؤثر وتتفاعل، لكننا بالتأكيد بحاجة إلى زمن معقول لنقرأ بنضج ما تكتبه الرواية الناضجة بقراءتها الفاعلة جيدا.
■ ماذا ينقصك كروائية؟
□ ما ينقص المرأة العربية في كامل المنطقة (التجربة الحياتية)، هناك مناطق وقاع مدينة يتعذر على المرأة العربية الدخول إليه، هناك أسرار وهناك المسكوت عنه وهناك التقاط الحدث من الأزقة والحانات والمقاهي والسمسرة والتجارة والمشاحنات والقبضايات والبلطجية والمجتمعات المخملية الناعمة من الخارج والمليئة بالقيح والأشواك من الداخل وهناك وهناك…
هذا الهناك الذي تسمع عنه المرأة من الآخرين ويوصد أمامها المجتمع، أبوابا تلو الأخرى لو فكرت فقط بالإطلالة عليها، هو ما ينقصني وأحاول أن اقترب قدر ما أستطيع من المحذورات علني أمسك قطافا مثمرا لرواياتي التي تنقر برأسي وتطالبني بإطلاق سراحها من عقلي إلى الورق.
■ ما هي أهم رواية قرأتها مؤخرا؟
□ «ظلمة يائيل» للروائي اليمني المبدع محمد الغربي عمران، هي رواية مدهشة بتفاصيلها كأنها ملحمة تعيد كتابة التاريخ اليمني بكل تفاصيله وشخوصه وأحداثه وتعيد نسخ قصة الخليقة بطريقة تشعرك بما سيفعله التاريخ العربي من استنساخات متجددة في حياتنا لأسباب طائفية وعرقية وقبلية وسياسية وفكرية، هي تاريخ بصيغ الحاضر وحاضر بصيغ التأريخ.
■ ما هي سمات الأعمال الروائية العربية بعد نجيب محفوظ؟
□ ولماذا نحدده بمحفوظ؟ وهل هو ما قبل عام الفيل وما بعده؟ محفوظ قدم تجربته التي نقدرها ونعرف قيمتها جميعا، كتابا وقراء، ولكن عطاءه كان متزامنا مع كتاب كبار آخرين في كامل المشهد الثقافي العربي وهو عطاء متميز وواع وإن كان لم ينل جائزة نوبل فلا يعني أنه أقل ثراء ممن نالها.
■ كل مبدع يتلمس الحداثة من زاويته وتكوينه، فما هي رؤيتك للحداثة في الرواية؟
□ أسلوب عالية طالب يحب ويدمن ويختص بطرق خاصة به، أنه يستطيع أن يمزج بين الواقعية والواقعية السحرية والغرائبية والمتخيلة في وقت واحد، كتبت قصصا واقعية بحتة وكتبت فنطازية سريالية بمزج واقعي أفاد النص ولم يؤذه وكتبت سحرية سرمدية لا تقترب من الواقعية بقدر ما تعطي ثمارها التي أردت توصيلها بطريقتي الخاصة، قد لا تعجب الآخرين وقد يتلهون بها وقد لا يفهمونها وربما يصفونها بالغامضة المزعجة، أو المملة، واختلاف أمزجة المتلقي تجعلني أعرف كيف أداوي جراح النص ببراعة من يحمل الصخرة الثقيلة على ظهره ولا يقذفها على الآخر كي لا يرهقه كثيرا، لكنه يحتال عليه بأن يجعله مشاركا في تحمل الثقل الظاهر فوق ظهر الكاتب ولا يغادره إلا حين ينتهي النص وتنهي الصورة التي ربما سيبقي القارئ يداعبها بخياله لأيام أو لساعات وحتى لو لدقائق، لا يهم الوقت بقدر ما تهم لحظة الإيصال.
■ ما الذي يحقق الخلود للشخصية الروائية؟
□ عن أي خلود نتحدث والذاكرة مثقوبة بسبب التداعيات التي هزمت في داخل المتلقي فكرة الخلود؟ اليوم ليس هناك من بطل خالد فكيف يكون هناك أبطال خالدون إذن؟ اليوم لا يمكن أن تولد «مدام بوفاري» ولا «آنا كارنينا» ولا «الشيخ والبحر» ولا «أحدب نوتردام»، نحن نعيش في الظلال، والظل سرعان ما يتحرك، وكلما حملناه فقدنا خطواتنا، الخلود الذي حازته الروايات التي ذكرناها كان زمنها مختلفا ونحن علينا أن نصنع زمنا مختلفا لنحقق الخلود كما خلود عشبة جلجامش.
كاتب ليبي