تونس ـ «القدس العربي»: تحذر الكثير من التقارير الصحية والعلمية من خطر ازدياد حالات المصابين بمرض السكري في العالم وفي البلاد العربية بصفة خاصة. ويقدر الاتحاد الدولي لداء السكري « IDF» ان ما يقارب 415 مليون شخص حول العالم يعانون من الإصابة بالسكري، محذرا من أن هذا الرقم يمكن ان يصل إلى حدود 592 مليونا خلال الأعوام المقبلة. ويوصف هذا المرض بالداء الصامت، بسبب صعوبة تشخيصه في سن مبكرة، ويمكن ان يلحق أضرارا كبيرة في البدن وخاصة على مستوى الأوعية الدموية والعينين والأطراف.
ويكتسح هذا المرض العالم العربي لأسباب عدة يأتي في صدارتها انتشار السمنة بسبب اعتماد أنظمة غذائية غير صحية، وبسبب تبدل إيقاع الحياة وديناميكيتها، الأمر الذي يحتم أحيانا اللجوء إلى تناول الوجبات السريعة بكل ما تمثله من خطر على الصحة، اضافة إلى تدهور المستوى الاقتصادي ونقص التوعية، وهذا لا ينفي ان الوراثة تلعب دورا رئيسيا في ظهور المرض سواء في مراحل عمرية متقدمة أو متأخرة ولدى النساء والرجال على السواء.
أرقام مفزعة
وفي تونس يعتبر السكري ثالث سبب للوفاة، واحتل هذا البلد مرتبة متقدمة ضمن قائمة البلدان الأكثر تضررا من المرض بنسبة 1.7 مليون مصاب حسب آخر تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من مرض السكري. وجاء في تقرير المنظمة ان 50 في المئة من المرضى لا يتلقون أي علاج رغم كونه من الأمراض المزمنة. وفي مصر تفيد الاحصائيات ان نسبة انتشاره لدى البالغين وصلت إلى 14 في المئة، وفي السعودية هناك 3.4 مليون حالة إصابة بالسكري وتصل نسبة انتشاره بين البالغين إلى 17 في المئة.
وداء السكري حسب توصيف منظمة الصحة العالمية هو مرض مزمن يحدث عندما يعجز البنكرياس عن إنتاج مادة الأنسولين بكمية كافية، أو عندما يعجز الجسم عن استخدام تلك المادة بشكل فعال، مّا يؤدي إلى زيادة تركيز السكر في الدم. وهناك نمطان من السكري، الأول كان يُعرف سابقاً باسم السكري المعتمد على الأنسولين أو الذي يظهر في مرحلة الطفولة، والثاني يظهر في مرحلة الكهولة، وأساساً جرّاء فرط الوزن وقلّة النشاط البدني. وهناك نوع ثالث يظهر خلال فترة الحمل، والمصابات بالسكري الحملي أكثر تعرضاً لاحتمالات حدوث مضاعفات الحمل والولادة. وحسب إحصائيات الاتحاد الدولي للسكري، تحتل مصر المرتبة الأولى عربيا من حيث الإصابة بالمرض، إذ سجلت أكثر من 7.8 مليون إصابة عام 2015 ووصلت نسبة انتشاره لدى البالغين، من سن العشرين فما فوق، إلى 14.6 في المئة وسجلت ما يقارب 78184 حالة وفاة بسبب السكري.
الوقاية والعلاج
في أول تقرير عالمي لها بخصوص المرض، شددت منظمة الصحة العالمية على أهمية الوقاية عبر اتباع التدابير اللازمة للحد من العوامل التي توفر بيئة خصبة لظهور مرض السكري مثل الخمول البدني والنظام الغذائي غير الصحي وتقديم العلاج والرعاية اللازمة للمصابين.
ويؤكد التقرير العالمي بشأن الداء على تزايد عدد المتعايشين مع السكري بعد ارتفاع معدل انتشاره في جميع أنحاء العالم. ففي عام 2014 بلغ عدد المصابين بالمرض 422 مليونا من البالغين (أي 8.5 في المئة من السكان) مقارنة بنحو 108 ملايين (4.7 في المئة) في عام 1980. ويوضح التقرير أيضا انه يمكن ان تؤدي مضاعفات داء السكري إلى النوبات القلبية والسكتة الدماغية والعمى والفشل الكلوي وبتر الأطراف السفلى. فعلى سبيل المثال، يتزايد معدل بتر الأطراف السفلى بمعدلات تراوح بين 10 و20 ضعفاً بالنسبة للمصابين بداء السكري. وتشمل طرق العلاج الجديدة اعتماد مجموعة صغيرة من الأدوية وتوعية المرضى والفحص الدوري بهدف الكشف المبكر عن المضاعفات وعلاجها.
التوعية
ويحذر تقرير منظمة الصحة العالمية من أثر الأمراض المزمنة مؤكدا انه يتعاظم باطراد. وتشدد المنظمة في تقريرها على وجوب التصدي لهذا النوع من الأمراض على الفور. ويقتضي ذلك انتهاج أسلوب جديد من قبل السلطات المحلية التي باستطاعتها تعزيز الجهود المبذولة في مجال الوقاية ومكافحة الأمراض المزمنة ومن قبل المجتمع الدولي الذي يعنيه أمر الصحة العمومية. وكخطوة أولى من الضروري تزويد المهنيين الصحيين في خط المواجهة وعامة الناس بأحدث وأدق المعارف والمعلومات. وتؤكد المنظمة ان 80 في المئة من الوفيات الناجمة عن الأمراض المزمنة تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتحدث هذه الوفيات بأعداد متساوية بين الرجال والنساء. وان ذلك يحدث أضرارا بالغة بالمجتمعات التي تصيبها هذه الأمراض. وأكدت ان هذه الأمراض تنتشر في البلدان التي لا تحظى فيها قطاعات الصحة بالعناية اللازمة بسبب تفشي الفقر أو الحروب ونقص التنمية الاقتصادية.
التدخل الجراحي
ويؤكد الدكتور التونسي بشار بن صالح اخصائي جراحة العظام والمفاصل لـ «القدس العربي» ان مرض السكري يؤثر بشكل مباشر على الشرايين والأطراف وتكمن خطورته في انه يمكن ان يسبب مرض «الغرغرينا» في أنحاء وأطراف الجسد وهو عبارة عن تعفن يؤدي إلى بتر الأعضاء. ويوضح بالقول: «في حالات عديدة يضطر أطباء واختصاصيو جراحة العظام إلى بتر هذه الأعضاء لان المنطقة المتعفنة يمكن ان تمتد إلى باقي الأطراف وتصبح مصدر جراثيم وتتسرب إلى الجسم الكامل بشكل يضر بحياة المريض. كجراحي عظام ومفاصل عندما يأتينا مريض السكري نضطر للأسف في حالات عديدة إلى بتر قصبة القدم بعد إجراء صورة خاصة للكشف عن حال الشرايين. ودائما نوصي مريض السكري بضرورة الانتباه إلى سلامة مفاصله وأطرافه وإلى وجوب الحفاظ على تلك المنطقة جافة لكي لا تتكاثر الفطريات، والجراثيم». ويؤكد ان مرض السكري هو من الأمراض المزمنة، لكن إذا تم التعامل معه بالطرق الصحيحة والسليمة مع اتباع علاج جيد فانه يمكن التعايش معه بسلام دون ان يضطر الأطباء إلى اللجوء للجراحة.