■ يحظى تزفيتان تودروف (1939 ــ 2017) الفيلسوف الفرنسي من أصول بلغارية بسمعة طيبة في الأوساط العلمية، لما في آرائه من بصمة إنسانية، رغم كونه غربيا نهل من مدرسة الغرب فكرا واتجاها، إلا أن ذلك لم يمنعه من انتقاد الحضارة الغربية المبنية في الأصل على «روح الأنوار»، ناظراً إلى «فتح أمريكا» باعتباره إبادة للآخر. أمّا الديمقراطية فقد اكتسبت مع مرور الأيام ــ حد وصفه ــ صفة التوتاليتارية، كما وصف النظام الجديد الذي سعى الغرب إلى تشييده بعد نهاية الحرب الباردة، «باللا نظام العالمي الجديد»، بمعنى أن هذا النظام لم يحقق ما كان يصبو إليه العالم من سلام وأمن واستقرار، بل كان سبباً في الفوضى والدمار. نقده لهذه الدعائم التي يقوم عليها الغرب جاء إيماناً منه بالإنسانية وبـ«الحياة المشتركة» من خلال عالم إنساني يسوده الأمن والاستقرار، والتسامح والتعايش، وقد اكتشف أن الرسالة الحضارية التي يدّعي الغرب أداءها من خلال الشعارات المرفوعة، المساواة والحرية والديمقراطية ما هي في الحقيقة إلا نشر للأوهام وتسويق للأكاذيب، فعقيدة الغرب، في الأساس، هي عقيدة سيطرة وهيمنة على الآخر، متوسلا في تحقيق ذلك كل الطرق غير المشروعة، من بث للخوف وإشعال للحروب وخلق للأزمات، لذلك كانت له وجهة نظر متميزة حول صراع الحضارات، إذ ألّف كتاباً في غاية الأهمية عالج فيه هذه الأطروحة بعنوان: «الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات» إضافة إلى العديد من المقالات والحوارات حاول من خلالها هدم أطروحة صموئيل هنتنغتون العنصرية.
صراع سياسات لا حضارات
انطلق تودروف في نقده لمفهوم صدام الحضارات من مُسَلّمة قد تكون صادقة إلى حد كبير، مفادها أنه «لا صدام بين الحضارات»، نافياً من خلالها أن يكون هناك صدام بين الحضارات أو الثقافات، وإنما مصالح الدول المتعارضة هي التي تسبّب مثل هذه الصراعات، حيث أقرّ ذلك بصريح العبارة عندما قال «إن الصدام لا يحدث بين الحضارات، بل بين الدول ومجموعات من الدول». فالصراعات المحتدمة اليوم بين الدول أو بين دول وتنظيمات هي في الغالب صراعات سياسية، مهما حاول العقل السياسي أن يوهمنا بأنها صراعات ذات طبيعة دينية، وذلك حتّى يعطي حروبه من أجل النفط والثروة المائية والتجارة مبررات قوية، مهما حاولت تلك التنظيمات أن تثبت في ادعائها بأنها تمثل «إرادة الله» في الأرض، ساعية، بكل الطرق، أن تقيم مملكته المقدسة. فالسياسة هي المسبّب الرئيسي للصدام بين الدول نتيجة اختلاف سياساتها وتعارض مصالحها، وليس الدين كما أوحى بذلك صموئيل هنتنغتون في كتابه «صدام الحضارات: إعادة بناء النظام العالمي» عندما قسم العالم إلى كيانات حضارية مختلفة حسب الدين والثقافة، إذ توصل إلى «أن الدين هو السّمة الهُوية الأساسية للحضارات»، لأنه يشكل «الاختلاف الأكثر عمقاً الذي يوجد بين الشعوب» وجعل الغرب في مواجهة حضارية مع الإسلام، وبذلك أسسّ عالم الحروب الدينية «يوجد دم على حدود الإسلام».
عالم الحروب الدينية
والتأسيس لعالم الحروب الدينية هو أمرٌ، كما يقول تودروف «في غاية الجدة في التاريخ العالمي للحروب، ففي السابق كانت للحروب دوماً وبشكل أساسي مسبّبات سياسية أو اقتصادية أو إقليمية أو ديمغرافية»، إضافة إلى أن الحروب الدينية «عندما تحصل فهي تندلع عادة داخل البلد الواحد، وليس بين بلدان مختلفة». حتّى في هذه الحروب الأهلية، كما يثبت التاريخ وتدل أحداثه، يكون للسياسة دورٌ كبيرٌ في إذكاء حريقها وامتداد لهيبها. لقد استغلّ العقل الاستراتيجي الغربي هذه الأطروحة من أجل التعبئة العامة ضـد الإســـلام «الفاشي» والمسلمين «البربريين»!! تنفيذاً لمشروعه التسلطي والتسيّدي، فأصبح العالم الإسلامي، والعربي بالخصوص، ساحة للحروب والمواجهة، من أفغانستان إلى العراق إلى السودان إلى ليبيا واليمن، وأيُّ قضية عادلة في المنطقة إذا رفعت صوتها مطالبة بحل عادل، فهي مؤجلة إلى وقت مجهول، كل ذلك كان نتيجة هذه الأطروحة «الحضارات تتصادم»، إذ قام الغرب بتأسيس هذا العالم عن طريق حملات الكراهية والخوف من الآخر «نحن في خطر مميت، ولا بد من الدفاع عن أنفسنا». هذا الخوف من الآخر المسلم يقوم الغرب بتغذيته، مستنداً في ذلك إلى قوته السياسية والإعلامية، هدفه الوحيد هو الإسباغ على مشروعه نوعاً من المصداقية أمام شعوبه، بعدما نفد مخزونه من الكذب والتزييف، لذلك فهو يفتعل المشكلات ويختلق الأزمات ملصقاً إياها بالإسلام مع أنه في الأساس، لا توجد مشاكل معه، كما يؤكد ذلك تودورف في قوله: «ليس ثمة وجود لمشاكل مع الإسلام. هناك مشاكل مع عدد من البلدان، ولكن ليس مع كل الدول الإسلامية»، ويدلل على ذلك بإيران والسعودية، إذ تعتبر الأولى العدو اللدود للولايات المتحدة الأمريكية، أمّا الثانية فهي تعدُّ الصديق الحميم في المنطقة.
مدعو الحضارة
فالخوف من البربرية هو شعور سينتقل مع مرور الأيام، إلى الطرف الذي يدّعي محاربته لهذه البربرية، هذا ما يقف عنده تودروف بالتحليل عند مناقشته منهجية التعذيب، الذي اعتمدته وكالات الاستخبارات الأمريكية، كالتعذيب في سجني غوانتانامو وأبي غريب، على سبيل المثال، فالجندي الأمريكي مدّعي الحضارة قد
هبط بتصرفاته تلك إلى أدنى مراتب الحيوانية والبهيمية، يلخص تودروف هذه الفكرة في عبارة جامعة عندما يقول: «إن الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة، لأننا بدافع الخوف نرتكب الأعمال الأكثر فظاعة». قامت (الحرب على الإرهاب) نتيجة لهجمات 11/ 9، ولكن حصيلتها كانت كبيرة مقارنه بحصيلة الهجمات، فالفوضى انتشرت والدمار عمّ والحروب اتسعت، وبدعوى نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان اقترف الغرب، وما زال أبشع الجرائم، وللمفارقة العجيبة، إذ حاول العراقي أو الأفغاني أو الفلسطيني الدفاع عن نفسه ووطنه، استدعى الغرب الإسلام أو صدام الحضارات حتّى يعطي نفسه مبررات للحرب التي يقودها، وللدمار الذي يحدثه، وللثروات التي ينهبها.
عالم البرابرة
ومن ثمّ، فإن العالم الذي سعى إلى تأسيسه صموئيل هنتنغتون عندما أخرج أطروحته «صدام الحضارات» إلى الوجود هو عالم البرابرة، حيث اللغة الوحيدة السائدة في مثل هذا العالم هي التهديد والقتل والتعذيب والخوف والكراهية، وعندما تسود مثل هذه اللغة، فإن البشرية سائرة حتماً إلى الفناء الحتمي، بتعبير آخر، يمكن القول إنه ليس هناك صراع للحضارات، لأن الحضارات بطبيعتها لا تتصادم، كما أثبت ذلك تودروف، وإن كان هناك من صراع، فهو في الحقيقة، صراع بين البربريات، تعمل بعض الدول أو تنظيمات من دول في تغذيته لأجل تحقيق أهدافها الظاهرة والخفية.
يخلص تزفيتان تودروف في مناقشته لهذه الأطروحة إلى نتيجة صريحة لا تقبل أي تأويل مفادها أن «الحضارات لا تتصادم حين تلتقي، وأن الصِّدامات تتعلق بالكيانات السياسية وليس الثقافية»، لأن من طبيعة الحضارات التعايش والتلاقح والتفاعل مع بعضها بعضا، أمّا العلاقات بين الدول فمبنية في عقيدة الغرب «الصدام والنزاع والحرب». وقد جاء بوش الابن وقالها بصريح العبارة «من لم يكن معي فهو مع الإرهاب».
٭ كاتب من الجزائر
سعدون يخلف