تساؤلات حول الشخصية العراقية

حجم الخط
2

■ يروي الاديب والموسوعي العراقي مير بصري أن عميد الأدب العربي طه حسين سأل الشيخ محمد رضا الشبيبي، وهما يتحاوران في إحدى جلسات المجمع العلمي المصري: لماذا كان العراقيون دائما ثائرين لا يستقرون على حال ولا يرتضون حاكما؟ فقد قرأت في تاريخ العراق منذ الفتح الإسلامي حتى الآن، وقلما وجدت حقبة خالية من الفتن والقلاقل؟ أجابه الشبيبي بسؤال أغاظ طه حسين، قال: أتسمح بأن أسألك أنا أيضا؟ لماذا كان المصريون دائما خانعين خاضعين؟ لقد قرأت تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وقبله أيضا فوجدت المصريين دائما يسترضون حُكّامهم مهما جاروا وطغوا، ويخفضون الهام لكل متحكم فيهم حتى لشجرة الدر؟
ويقول صاحب كتاب «الكامل في التاريخ» ابن الأثير انه «لما مرض معاوية مرضه الذي مات فيه، دعا ابنه يزيد فقال: انظر أهل العراق، فان سألوك أن تَعزِل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عَزلَ عامل أيسر من أن تُشهَر عليك مئة إلف سيف».
هاتان الروايتان تشيران الى ان العراقيين يميلون الى العصيان على الحكام، وان الشخصية العراقية صعبة الطباع، وبالتالي فهي شخصية تتصف بالشقاق والتمرد والعنف.
ويفسر عالم الاجتماع العراقي الأشهر أستاذنا علي الوردي رحمه الله – الذي كان لنا الشرف ان نتتلمذ على علمه في مرحلة دراسة الماجستير ـ هذا الميل في الشخصية العراقية بشيوع «النزعة الجدلية»، التي يتصف بها أهل العراق، التي تجعل شعبا من الشعوب فطناً متيقظاً متفتح الذهن من ناحية، وكثير الشغب والانتقاد تجاه حكّامه من ناحية أخرى.
وفي هذا الرأي يكاد يتفق الاستاذ الوردي مع نابغة عصره المفكر المعتزلي الجاحظ، الذي يفسر العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء بقوله، انهم «أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء، ثم يقول وما زال العراق موصوفا بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة».
وبغض النظر عن التفسيرات التي تضمنتها كتب التاريخ والفكر بهذا الخصوص.. فهل خواص الشخصية العراقية المعروفة هذه لا زالت حاضرة في الشخصية العراقية المعاصرة؟ ما يدعوني لهذا التساؤل سلوك الناخب العراقي في اعطاء صوته لمن ارتهنه وأذله!
فمن الواضح ان التصويت من جانب الناخب العراقي كان لذات القوائم الكبيرة الممثلة في مجلس النواب بذات رموزها وشخوصها التي كانت قائمة طيلة هذه السنوات، كما ان السلوك الانتخابي طيلة الاعوام الماضية تكشف عن حقيقة جلية واحدة، وهي ان الانتماء الوطني لم يعد قائما عند معظم العراقيين، وان التعصب الطائفي والقومي تزداد حدته بمرور السنوات، وصار أكثر تمترسا في الواقع العراقي، ويعلق رئيس الجمعية النفسية العراقية الاكاديمي الدكتور قاسم حسين صالح على هذا الموضوع بالقول: «ان التعصب موجود في مجتمعنا قبل التغيير، لكن اعراضه ما كانت حادة الى عام 2005، حيث انفجر بعنوان جديد هو صراع الهويات..» ويتابع: «تُقدِم لنا مؤشرات الانتخابات التشريعية لعام 2014 ان الذي حسم الموقف فيها هو الهويات الفرعية، على حساب الهوية الوطنية. وبلغة الارقام فان ما يقرب من 11 مليون عراقي منحوا اصواتهم لهوياتهم الفرعية، وان ما يقرب من مليون منحوها لهويتهم الوطنية، اي ان 85-90٪ من العراقيين يغلّبون انتماءاتهم الطائفية، القومية، الدينية، العشائرية على الشعور بالانتماء للوطن. ويستنتج من كل ذلك ان الطائفية والعشائرية واللاأبالية..هي التي فازت في الانتخابات الاخيرة كما في الانتخابات السابقة التي جرت خلال العقد الماضي».
وفي اعتقادنا ان جزءا من هذا السلوك مرده سلوك الطبقة السياسية، اذ ان الساسة في العراق من كل الأطياف والألوان (الشيعة والعرب السنة والأكراد السنة) لم يتمكنوا من التسامي فوق مصالحهم الجهوية الضيقة، ولم يرتقوا إلى مستوى التحدي التاريخي الذي يواجهه البلد. ورغم التدهور الحاصل في كل مناحي الحياة وتدني نوعية الحياة التي يعيشها العراقيون وانعدام الخدمات والامن وتفشي الفساد الذي يصيب بعدواه كل وقائع المجتمع العراقي، ومع ادراك معظم العراقيين بمن فيهم رجل الشارع البسيط، بمسؤولية الطبقة السياسية إجمالا ورئيس الوزراء نوري المالكي خصوصا عن هذا التدهور المعمق ، ومع ذلك كان التصويت لذات القوائم، وكان نصيب المالكي وقائمته الحصول على النسبة الاعلى من الاصوات.
والاغرب من ذلك، مع ان سلطة المالكي استحضرت خلال السنوات الاربع الماضية خصوصا اساليب نظام صدام الفاشي، من خلال الاستحواذ العائلي على مقاليد السلطة والاجهزة الامنية والعسكرية، وحصولها على امتيازات مالية حصرية للاقارب والمعارف، من خلال الصفقات التجارية والمقاولات. وجاءت الانتخابات العراقية لتفرز صعود اربعة من اقارب واصهار السيد المالكي، وحصول قائمته على نحو ثلث مقاعد مجلس النواب وأكثر من ذلك، ورغم السياسة الموالية لايران وسياسة التأليب الطائفي والتسقيط والنزق الذي ميزت سياسة المالكي في شقها العسكري والامني والسياسي، الا انه على ما يبدو هناك من جمهور السنة العرب من يؤيد المالكي ويؤيد ولايته الثالثة، هذا على الاقل ما يشير اليه النائب اياد السامرائي الذي يشغل منصب الامين العام لـ»الحزب الإسلامي العراقي» بقوله ان «نسبة كبيرة من جمهور الحزب تؤيد الولاية الثالثة للمالكي»، مضيفاً «يجب ان نتوقف عن اعلان اي موقف بانتظار ما ستؤول اليه الأمور». فالشكوى من الحكومة القائمة ومن الافتقارلابسط مقومات الخدمات في كل الميادين والابتهال الى الله هما السائدان لدى معظم العراقيين، والتمني بان تظهر حكومة تنهض بالواقع الخدمي وتوفر للشعب الحد الادني من حاجاته وكرامته تسمعه من العراقيين في كل المدن، ومع ذلك حينما جاء يوم الاقتراع، عزف عن التصويت نحو ثمانية ملايين ناخب عراقي، وعزوفهم كان سببا – وان غير مباشر – في عدم حدوث التغيير. بينما 90٪ من الناخبين الذين ادلوا باصواتهم منحوها لذات القوى السياسية التي امتهنت كرامتهم وتاجرت بمعاناتهم، فبماذا نفسر هذا السلوك الانتخابي؟
هل مرد ذلك ما تحدث عنه الاستاذ الوردي من خواص الشخصية العراقية التي تعتمل بداخلها ثلاث خواص متفاعلة هي: ازدواج الشخصية والتناشز الإجتماعي وصراع البداوة والحضارة ، ام مرده صفة النفاق التي تحدث عنها الخليفة الرابع علي بن ابي طالب في معرض ذمه أهل البصرة بعد موقعة الجمل في خطبة له قال فيها: «أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق»، أم انها الوصولية التي اضحت ملتصقة بالشخصية العراقية خلال العقود الاخيرة كما يقول الدكتور قاسم صالح. وفي الواقع ان هناك حاجة عميقة يجب ان تتصدى لدراستها النخب العلمية الفكرية والثقافية المختصة في العراق، لتحليل هذا السلوك المتناقض الذي يمارسه الفرد، ليس فقط في منهــــج تعاطيه مع الممارسة السياسية، بل وفي الكثير من مفردات الممارسة الحياتــــية، لماذا يقول شيئا ويفعل عكس ذلك في اللحظة الأخيرة رغم معرفته للصواب؟
المفكر فارس كمال نظمي يفسر هذا السلوك برده الى حالة الارتهان النفسي التي بات يعيشها الفرد العراقي، إذ يقول «إنه بعد سنوات طويلة من الاستبداد والقهر والتخويف والترويع، ما عاد الفرد العراقي يريد أن يتحمل مسؤولية اتخاذ قرار مستقل، أو أن يمسك بزمام مبادرته الذاتية، بل يريد من يحل محله ويتخذ القرار عنه. هذا الفرد قدم نفسه رهينةً طوعية لقوى متأسلمة فوّضها الإنابة عنه في كل شيء. فنشأ ما يمكن تسميته باللاأبالية السياسية أو السلبية السياسية أو العدمية السياسية أو عدم الفاعلية السياسية.
وبغض النظر عن كل التفسيرات، ورغم الدراسات القيمة التي قدمها الاساتذة قاسم صالح وابراهيم الحيدري ونظمي في هذا الصدد التي تشكل البداية، تظل بحاجة الى تعميق وتمحيص للخروج بمعالجات لكيفية الخلاص من هذا الاضطراب النفسي والاجتماعي الذي يعاني منه الانسان العراقي المعاصر.

٭ كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية