إسطنبول ـ «القدس العربي»: تنتشر مقولة شهير جداً في أوساط السياسيين الأتراك مع دخول البلاد في أي أزمة أو اقتراب أي استحقاق انتخابي، مضمونها أن «الساعة الواحدة تعني عمرا طويلا جداً في السياسة التركية»، معتبرين أن التاريخ أثبت أن السياسة التركية تشهد تقلبات دائمة وفي اللحظات الأخيرة تجعل من الصعب على السياسيين والمحللين توقع ما الذي سوف يحصل.
وبعد أن كان التحضير للانتخابات يبدأ قبيل أشهر من استحقاقها على خلاف الدول الأخرى، التي تشهد حملات انتخابية لأيام أو لأسابيع فقط، بدأت هذه المرة الحملات الانتخابية والتحضيرات للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر إجراؤها نهاية عام 2019 بشكل مبكر جداً وقبل أكثر من عامين على استحقاقها، في مشهد يعطي صورة واضحة عن أهمية و»مصيرية» هذه الانتخابات لجميع الأطراف السياسية في البلاد.
هذه التحضيرات المبكرة شهدت نقطة تحول بارزة جداً، أمس، لا سيما مع حسم التحالف بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية المعارض لإدارة المرحلة المقبلة والانتخابات وحتى ما بعدها، بالإضافة إلى شن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعنف هجوم علني ومباشر على حليفه السابق عبد الله غٌل، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام العديد من التساؤلات في البلاد.
أبرز هذه التساؤلات تمثلت في مدى قدرة تحالف العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية المعارض على حسم الانتخابات الرئاسية لصالح أردوغان، ومدى امكانية أن يترشح عبد الله غُل فعلياً أمام أردوغان، وأسباب تصعيد الرئيس ضده في هذا الوقت.
زعيم حزب الحركة القومية الذي أعلن، الاثنين، أن حزبه لن يقدم مرشحاً للانتخابات المقبلة واعداً بدعم أردوغان، عاد، الثلاثاء، للتأكيد على أن حزبه حسم قراره بدعم أردوغان في مساعيه لإقرار النظام الرئاسي بشكل كامل من خلال دعم التعديلات الدستورية في البرلمان بالأشهر المقبلة لإرساء أسس النظام الرئاسي ومن ثم التحالف في الانتخابات، ولاحقاً التعاون لسنوات في تثبيت النظام الجديد.
وفي مقابل هذا الدعم المفتوح، قدم أردوغان في كلمته أمام الكتلة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء، الشكر لبهتشيلي الذي وصف مواقفه بـ»الوطنية والقومية»، وبعد ساعة من إعلان نيته إجراء لقاء موسع معه بالقصر الرئاسي بأنقرة، أُعلن رسمياً عن عقد اللقاء، اليوم الأربعاء.
ومن المتوقع أن يتوصل الحزبين إلى اتفاق على تفاصيل التعديلات الدستورية التي سوف تجري خلال الأشهر المقبلة ـ تعديلات دستورية تهدف لتهيئة الدستور مع النظام الرئاسي الجديد- واتفاق يتعلق بدعم أردوغان مرشحاً موحداً في الانتخابات الرئاسية، مع احتمالية أقل بخوض الانتخابات البرلمانية أيضاً بشكل موحد.
وبغض النظر عن التحالف المنتظر، ما زال أردوغان يعتبر الشخصية السياسية الأوسع شعبية في الشارع التركي، حيث تمكن من حسم جميع الانتخابات منذ وصول حزبه للحكم عام 2003، وطوال هذه السنوات التي شهدت قرابة 15 تحدياً انتخابياً حصل أردوغان سواء بشكل مباشر أو باسم الحزب على نسبة تراوحت بين 40 إلى 50 ٪ من أصوات الناخبين.
لكن التخوفات تصاعدت لدى أردوغان وداخل الحزب الحاكم عقب الاستفتاء الذي جرى العام الماضي على التعديلات الدستورية وتمكن الحزب الحاكم من حسمه بنسبة ضئيلة لم تتجاوز الـ1٪ رغم إعلان الحركة القومية دعمه للتصويت بنعم وهو ما أثار الشكوك بأهمية وقيمة التحالف مع الحزب.
وتقليدياً كان يتمتع «الحركة القومية» بأصوات ما بين 15 إلى 20٪ من أصوات الناخبين لكن الحزب شهد تراجعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة وهبطت أصواته بالبرلمان إلى أقل من 12٪، ويرى مراقبون أن الأصوات التي فقدها الحزب ذهبت للعدالة والتنمية لا سيما مع تعزيز الخطاب القومي عند الأخير ولجوء أردوغان إلى استقطاب أصوات القوميين الأتراك من خلال الحرب على الإرهاب وتنظيم بي كا كا الكردي.
لكن حتى هذه النسبة لم تظهر فعلياً في الاستفتاء الأخير، وأبرز التفسيرات القائمة من ذلك الوقت، تقول إن طبيعة الاستفتاء تختلف بشكل كبير عن الانتخابات الرئاسية، وأن شريحة كبيرة داخل «الحركة القومية» وشريحة أقل داخل «العدالة والتنمية» لم تكن متحمسة لتمرير النظام الرئاسي وكانت ترغب في استمرار النظام البرلماني، رغم تأييدها لأردوغان لزعيم سياسي.
وفي هذا الإطار، يتوقع مراقبون داخل الحزب الحاكم أن يكون الأمر مختلفاً في الانتخابات المقبلة وأن تتجمع الأصوات بشكل أفضل لحسم فوز أردوغان بنسبة لا تقل عن 50٪ من أصوات الناخبين حيث تؤشر آخر الاستطلاعات التي نشرتها عدد من مراكز الأبحاث التركية أن أصوات الحزبين بشكل مجتمع تضمن حسم نسبة الـ50٪ بشكل مريح.
ويُجمع مراقبون على أردوغان وبناءاً على نتائج الاستفتاء السابق، كان يخشى فعلياً مواجهة صعوبات كبيرة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفضل التحالف مع «الحركة القومية» تحت كل الظروف لتعزيز فرصه، وعلى الرغم من ان كل المؤشرات تصب في صالح قدرة أردوغان بالتحالف الجديد على حسم الانتخابات، إلا أنهم يجمعون أيضاً على أنه ما زال من المبكر حسم التوقعات لا سيما أن الكثير من الوقت ما زال أمام موعد الانتخابات في بلاد تشهد تحولات سياسية واقتصادية متسارعة تؤثر على توجهات الناخبين.
وفي سياق متصل، لجأ أردوغان، الثلاثاء، إلى التصعيد بشكل غير مسبوق ضد عبد الله غُل التي تصاعدت الخلافات العلنية معه منذ أيام، وسادت تكهنات حول إمكانية توجهه نحو الترشح ضد أردوغان في الانتخابات المقبلة.
ويقول مقربون من الحزب الحاكم، إن قيادة الحزب ربما تستبعد لجوء غُل فعلياً للسعى لمنافسة أردوغان في الانتخابات، لكن الأخير رجح التصعيد ضده لأسباب عديدة منها تراكم معارضة غُل لمواقف الرئيس، لكن أبرزها عدم فتح الباب أمام مزيد من الانتقادات لتتحول إلى ثقافة عامة داخل الحزب الذي يحكمه أردوغان بقوة وتمتد لتشمل شخصيات أخرى منها على سبيل المثال رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو.
وقال أردوغان عن غُل دون ذكر اسمه: «لا تؤاخذونا، من يسقط من هذا القطار نتركه في مكانه»، معتبراً أن المكانة السابقة لأي أحد في الحزب لا تعطيه الحق في توجيه انتقادات بهذا الشكل ضده.