تونس – «القدس العربي»: شمال أحمر بلون الراية الوطنية وجنوب أسود بلون العلم الذي يرفعه تنظيم «داعش» . هذا هو الشكل الذي ظهرت عليه الخريطة التونسية على بعض مواقع التواصل الاجتماعي بعد ساعات من الكشف عن اكتساح حركة «النهضة الإسلامية» لجل مقاعد البرلمان الجديد جنوبا وصعود حركة «نداء تونس» وتقدمها في الشمال. الخريطة لقيت على الفور استنكارا واستهجانا واسعا لكونها محاولة يائسة لتقسيم التونسيين واذكاء نار الصراعات والنعرات الحزبية والجهوية، لكن شبكات التواصل الاجتماعي امتلأت في المقابل بعدد كبير من التعليقات المثيرة للاهتمام والتي صبت كلها في اتجاه واحد وهو ان نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في السادس والعشرين من الشهر الماضي في تونس كانت استرجاعا لاستقلال بلد سقط تحت الاحتلال الإسلامي طوال السنوات القليلة الماضية. كتابات على بعض الصفحات مثل تلك التي تقول «سيدي الرئيس- والإشارة للرئيس الاسبق بورقيبة- أحفادك وحفيداتك استرجعوا تونس من المستعمر الداخلي. نم في مرقدك قرير العين فتونس وشعبها ورثوا عنك الوطنية والنضال من أجل الوطن حتى آخر رمق بكل تحضر وديمقراطية» والتي ظهرت على مواقع مقربة من حزب «نداء تونس» فور تسرب النتائج الأولية قد تعطي فكرة ودلالة رمزية حول طبيعة المعركة الانتخابية التي جرت في تونس.
الحزب الذي أعلنت الأرقام تقدمه الى الموقع الأول أي حزب «نداء تونس» والذي اسسه السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي في السادس عشر من حزيران/يونيو 2012 بهدف إحداث التوازن المطلوب والضروري كما قيل للمشهد السياسي التونسي، ظل يروج بالأساس لفكرة جوهرية وهي انه الأقدر على الحفاظ على نمط إجتماعي وحضاري للبلاد، صار مهددا بالاندثار والتلاشي في عهد الحكم الائتلافي للترويكا بقيادة حركة «النهضة الإسلامية». تلك الفكرة قادت في وقت ما احدى عضوات الحزب لان تصرح أشهرا قليلة بعد تكوينه بانها»تشك في انتماء الإسلاميين الى الوطن وتتساءل ان كانت حركة النهضة وكل الموجودين في الحكومة فردا فردا لهم حس وطني» والتصريح نقلته عنها صحيفة «المغرب» التونسية في مقابلة اجرتها معها في الخامس والعشرين من كانون الاول/ديسمبر 2012 . الحزب كان خليطا هجينا بين يساريين ونقابيين وفلول نظام بن علي والتأم حول شخصية محورية هي الباجي قائد السبسي الذي استلم منصب رئاسة الوزراء في الشهور القليلة التي سبقت انتخابات تشرين أول/اكتوبر 2011. وبحسب العديد من الملاحظين فقد ساعدت عدة اعتبارات في قفزه بسرعة قياسية ليحتل صدارة المشهد وأهمها على الإطلاق إمتلاكه ناصية السلاح الأقوى أي الإعلام. فولادة الحزب التي شكلت حدثا إعلاميا بارزا على الساحة لم تكن عملا عشوائيا يفتقد التخطيط المحكم والجيد، بل انها استندت في الأساس الى آلة دعائية ضخمة وممتدة بشكل عمودي لتشد من عضده وتقدمه في صورة المنقذ الوحيد من تغول الإسلاميين وهيمنتهم على مفاصل الدولة. حالة الارتباك وتواصل الجفاء والقطيعة بين أجزاء واسعة من الإعلام العمومي والخاص والحكام الجدد الذين اوصلتهم الصناديق الى السلطة في تشرين الأول/اكتوبر 2011 جعلت حركة «النهضة» وحلفائها يعيشون خارج الدوائر المكشوفة والمبهرة للإعلام ودفعتهم لان يكونوا في مرمى القصف اليومي الحاد والمكثف للفضائيات والإذاعات. وبذلك تحولوا في نظر الكثيرين الى أعداء حقيقيين لحرية الفكر والصحافة بعد أن سقط أداؤهم الإعلامي في فخ التحريض ومحاولة التبرير والدفاع عن النفس بطرق ووسائل تقليدية لا تستطيع النفاذ لا الى عقول الناس ولا الى قلوبهم.
لقد أظهرت تجربة استطلاعات الرأي بالاعتماد على ما يعرف بسبر آراء الناخبين بعد الخروج من مراكز الاقتراع والتي طبقت للمرة الأولى في تونس وكشفت نتائجها ومعطياتها مساء يوم الانتخابات نفسه على شاشة فضائية «الحوار التونسي» وحتى على القناة «الوطنية الأولى» الرسمية أمرا جديرا بالاهتمام والتأمل، فبعيدا عما أشارت اليه من تقدم حركة «نداء تونس» على حساب حركة «النهضة» قبل ان تغلق آخر مراكز الإقتراع وهو ما يخالف الصمت الانتخابي ويعرضها لمجرد «عقوبات مالية» بحسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فان المشرفين على تلك العمليات أقروا أمرا هاما وهو ان أول مصدر معلومات ساهم في تحديد اختيارات الناخبين هو البرامج والمنوعات التلفزيونية السياسية وذلك بنسبة قدرت باربعين في المئة من المستجوبين، أما باقي المصادر فتوزعت بين الحوار مع الأصحاب والأقارب والإجتماعات السياسية والشبكات الاجتماعية والنشرات الاخبارية التلفزيونية ثم الجرائد والصحافة المكتوبة لتصل اخيرا الى المعلقات ومحطات الإذاعة. الإستنتاج الفوري من وراء تلك المؤشرات واضح وهو ان برامج التلفزيون لعبت دورا أساسيا وحاسما في تشكيل جزء من الرأي العام وتوجيه قسم واسع من التونسيين نحو اختيار انتخابي محدد . العملية وصفها الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة «النهضة» في كلمة أمام انصاره بعد ظهور أولى النتائج بـ»الغش وغسيل الدماغ» الذي تعرض له الشعب التونسي. ولم يكن الأمر مقتصرا فقط على الحملة الانتخابية التي شهدت عدة خروقات وانتهاكات من جانب بعض وسائل الإعلام وخروجا فاضحا عن مقتضيات الحيادية والمهنية، فقد كان جليا منذ الأيام الأولى لحكم الترويكا، ان حملات التضليل والدعاية المضادة هي الطبق اليومي الذي اعتاده التونسيون كلما شاهدوا شاشات التلفزيون العمومي أو الخاص أو اطلعوا على ما يكتب أو يذاع عن بلدهم . وقبل ان يدفع الإسلاميون وحلفاؤهم ثمن تلك الحملات فان قطاع السياحة وهو عصب الاقتصاد المحلي تلقى أولى الضربات وأشدها ايلاما بعد ان تشوهت صورة تونس في الخارج بفعل المغالطات الإعلامية التي لم تفرق بين الخصومات والخلافات السياسية وبين المصالح العليا للبلد، وكانت النتيجة هبوطا حادا في اعداد السياح والوافدين . لم يكن قادة حركة «النهضة» أو رموزها بعيدين تماما عن تحمل قسط من المسؤولية عن ذلك الإنحدار والسقوط الإعلامي. فقلة خبرتهم في التعامل مع وسائل الإعلام واعتمادهم أسلوبا يقوم على مقاطعة بعض القنوات التلفزيونية المعروفة بانحيازها التام ضدهم مثل قناة «نسمة» وقناة «التونسية» جعلهم يدفعون ثمنا باهضا لسياسة»الكرسي الشاغر» التي اعتمدوها طوال الشهور الأولى لاستلامهم السلطة والتي فتحت الباب واسعا أمام خصومهم لتوجيه الإتهامات لهم بلا حساب ودون انتظار أدنى رد أو تعقيب منهم. تعديل الموقف من تلك القنوات والانفتاح عليها بقبول المشاركة في برامجها الحوارية لم يكن موفقا في أغلب الحالات بفعل اختلال التوازن بين الضيوف وتعمد المذيعين بشكل مكشوف في معظم الأحيان توجيه المشاركين نحو الوصول الى استنتاجات ومواقف تصب في خانة تشويه المواقف والتصريحات المحسوبة على الإسلاميين بوجه خاص وذلك باسلوب كاريكاتوري ساخر ومهين. ولعل أكثر مشهد سوف يظل عالقا في الأذهان هو الذي حضر فيه وزير الداخلية في حكومة الترويكا الأولى علي العريض واحدا من تلك البرامج الحوارية المعروفة، إذ لم يجد مقدم البرنامج وهو يحاول التظاهر بالحياد أفضل من استضافة شاب في البرنامج نفسه لتهديد الوزير والتلويح في وجهه بكفن أبيض إمعانا في إهانته وتحديه مباشرة أمام ملايين المشاهدين. سقطت هيبة الدولة ووقعت البلاد فريسة لتغول الإسلاميين ونهمهم بالسلطة ثم صار النمط الإجتماعي المنفتح والمتسامح لتونس مهددا بالتقويض. هذا كل ما سعى الإعلام لترويجه بشكل دائم ومسترسل. والنتيجة هي ان جاء حزب لم يمتلك بعد برنامجا اقتصاديا أو سياسيا واضحا بل يقوم فقط على استثارة العواطف والمشاعر من خطر وهمي آت، بقطف الثمرة في الوقت والمكان المناسبين والفوز بالمقعد الأول في سباق الانتخابات. هل سيعدل المشهد السياسي والإعلامي بعد ذلك الفوز وينكشف زيف الصناعة الإعلامية ودورها في ترجيح الكفة لصالح طرف دون آخر؟ هذا ما ستقوله الأيام والشهور القليلة المقبلة.
نزار بولحية