تستور التونسية: ذاكرة حية على تاريخ أندلسي منسي

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: لكل مدينة في تونس حكاياها ولتستور عبق خاص يمتزج بأرضها ومنازلها ومعالمها الأثرية التي تحكي قصة قرون خلت ..وظلت حتى الآن شاهدة على حضارة موريسكية أندلسية أصيلة.
على هضبة في حوض وادي مجردة شمال البلاد التونسية اختار الأندلسيون المهاجرون سنة 1609 من جحيم إسبانيا المسيحية ومحاكم تفتيشها بعد سقوط مدنهم، الأرض التي توجد فيها اليوم تستور لبناء مدينتهم على أطلال «تيكيلا». تلك المدينة الرومانية التي تقع على طريق قرطاج – تبسة وتعني «العشب الأخضر»، ويعني أيضا هذا الإسم تجمع المياه التي تغرق سهول تستور في فصل الأمطار. وتبعد المدينة 76 كم عن العاصمة التونسية.
تروي المراجع التاريخية أن أغلب سكان تستور جاءوا من قشتالة وأراغون وكانوا يتكلمون الإسبانية قرابة قرن ونصف القرن وظلوا متمسكين ومحافظين على العديد من التقاليد والعادات الاسبانية.
ويمكن لزائر المدينة أن يشعر وهو يتجول في أرجائها وكأنه في أحد أرياف جنوب اسبانيا، حيث بنيت سطوح المنازل بالقرميد الأحمر ولا يزال السكان يحافظون على هذا النمط المعماري حتى اليوم.
الموريسكيون والحنين الأبدي

المؤرخ أحمد الحمروني هو أصيل تستور، كتب مؤلفات عدة عن تاريخ المدينة وحضارتها ويوضح في حديثه لـ «القدس العربي» أن هذه المدينة تأسست على يد الموريسكيين سنة 1609 على أطلال تيكيلا. ويشير إلى أن أصولهم تعود إلى قشتالة وأراغون بدليل ألقاب العائلات وفن العمارة واللغة القشتالية التي استعملوها في تخاطبهم وأدبهم الديني طيلة قرن ونصف. وأضاف قائلا :»طيلة قرن ونصف القرن سيطرت المظاهر الاسبانية على السكان على غرار مصارعة الثيران إلى أن تخلوا عنها نتيجة اندماجهم التدريجي مع الجماعات الوافدة عليهم والتي ساهمت في انفتاحهم وتطورهم في التعمير والثقافة والفلاحة والسياسة».
وأشار الرحموني إلى أن الرحالة الذين زاروا تستور أشادوا بطابعها المعماري المميز ومنهم بيسونال سنة 1724. ولفت إلى أن جميع سكان هذه البلدة تعود أصولهم إلى غرناطة وكانوا قد شيدوها على منوالها وأطلقوا على الساحات والأنهج الأسماء نفسها التي تذكرهم بمدينتهم القديمة مثل الحمراء وغرناطة وغيره.
أما عن أبرز معالم المدينة فأشار الرحموني إلى الجامع الكبير الذي بناه محمد تغرينو سنة 1630 وزاوية سيدي نصر المبنية سنة 1733. وهناك أيضا جامع تستور الكبير الذي تم بناؤه سنة 1630 باشراف محمد تغرينو وأضيف إليه صحن صغير من جهة بطحاء السوق بعد قرن ويجسم بهندسته ومواده وزخارفه فن النهضة الايطالية الاسبانية خاصة في المحراب الشبيه بقوس نصر روماني أو واجهة معبد بيزنطي أو كنيسة.
وهناك أيضا جامع تستور القديم، وهو أول جامع بناه الموريسكيون عند وصولهم إليها وقد تواصلت الخطبة فيه إلى ما بعد سنة 1806. ولكن الانحطاط الذي عم البلدة وضع حدا لحياة الجامع في منتصف القرن التاسع عشر فلم يبق منه إلا جزء من الصومعة والجدران. وأيضا هناك جامع السلوقية وهو شبيه بأديرة الأرياف الاسبانية في مظهره العام وبنائه بالقرميد. وهناك أيضا زاوية سيدي نصر القرواشي بتستور بناها الحاج عبد الواحد المغراوي وفي قبة الضريح يبدو الأثر الأندلسي منذ المدخل في مجموعة من البلاط التونسي والجبس.

فن المالوف

ترتبط هذه المدينة ارتباطا وثيقا بفن المالوف الأندلسي. وعن هذا الفن يقول المؤرخ الحمروني إنه التراث الموسيقي والغنائي الأندلسي وهو يشمل الديني والدنيوي. وهذا الفن توارثته الأجيال ويؤدى عن طريق مجموعة صوتية وآلات إيقاعية ووترية في الزوايا والمحافل، أما أصله فهو إشبيلي. وقال محدثنا إن الموسيقى نفسها موجودة في الجزائر والمغرب وهي عبارة عن قصائد وموشحات. ويتم افتتاح الغناء بالنشيد على أي نغمة والإتيان البسيط ثم بالمحركات ثم بالاهزاج وهو مقسم إلى نوبات. وأجزاء النوبة خمسة وتختلف مسمياتها في الأقطار المغاربية وقد بقي منها في تونس ثلاث عشرة نوبة. وأشهر قطع المالوف «ناعورة الطبوع» نظمها الولي الصالح محمد بن ابي بكر الظريف في قصيدة يتشوق فيها إلى زيارة قبر الرسول وربما لذلك خلد ذكراها. وقد انتشر هذا الفن في العاصمة وفي القرى الأندلسية التونسية ولقي عناية لدى الموريسكيين كعنوان تحضر وتميز وكتعبير عن الحنين إلى الفردوس المفقود.

أبرز الحرف

اشتهرت تستور بالحرف المتعددة على غرار صناعة ما يسمى «المرقوم الإسباني» وكذا «القشابية» وهي حرف جعلت سكان تستور وسائر القرى الأندلسية التونسية على غرار «مجاز الباب» و»سليمان» و «قلعة الأندلس» و «رأس الجبل» و»العالية» و»رفراف» وغيرها تنفتح على محيطها التونسي الجديد وساكنة البلاد «الأصليين» بعد أن تقوقعوا لسنوات ربما حزنا على أرضهم الأندلسية التي طردوا منها إلى سائر البلاد المغاربية، أو ربما هو الشعور بالتميز والتفوق على سكان البلاد من العرب والأمازيغ.
وتتميز تستور بزراعات سقوية متطورة استفادت من الموروث الأندلسي في هذا المجال ومن موروث التونسيين القديم، حيث عرفت قرطاج نهضة زراعية وتطورت فيها العلوم الفلاحية على يد المهندس ماغون الذي برع مبكرا في علم الجينات واستفاد لاحقا الرومان من علومه وطوروها وعمموها على سائر مستعمراتهم. كما تزرع فيها الأشجار المثمرة بسبب خصوبة الأرض وقربها من منابع المياه، فأغلب المناطق التي سكنها الأندلسيون في تونس تتميز بخصوبة أراضيها سواء تعلق الأمر بحوض وادي مجردة في الشمال الغربي أو سواحل ولاية بنزرت أو حتى في منطقة الوطن القبلي.

معمار متناسق

يتاثر تخطيط مدينة تستور بدوره بطراز المدن الأندلسية، الموطن الأصلي لسكان المدينة، فالأحياء على غرار حي التغرين والرحيبة والحارة جميعها منظمة ومتناسقة وتحيلك على قرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها. والمنازل يعلوها القرميد على الطريقة الأندلسية وفيها مخازن للمؤونة في الأعلى وأماكن لإيواء الدواب في الأسفل وغرف تطل على ساحة واسعة تتوسطها.
خلق الأندلسيون الذين استوطنوا تونس وأسسوا تستور وغيرها في البداية، مجتمعات منغلقة على نفسها وكان لهم كبيرهم الذي يدينون له بالولاء ولم يعترفوا في البداية بالسلطة المركزية في الحاضرة سواء في زمن سلاطين بني حفص أو مع سيطرة العثمانيين على تونس. وكان لمشائخ الطرق الصوفية نفوذ معنوي على المجتمعات الأندلسية في الخضراء بما في ذلك تستور، وبرز العديد من الأولياء الصالحين في هذا المجال والذين جمعوا بين السلطتين السياسية والدينية الروحية، لكنهم مع الوقت اندمجوا وأثروا وتأثروا وزوجوا وتزوجوا وصاروا جزءا لا يتجزأ من النسيج التونسي.
ومن أهم الطرق الصوفية التي انتشرت في تستور، العيساوية والرحمانية وغيرها والتي اختلط فيها الذكر والإنشاد الصوفي مع فن المالوف. وكان الأمر في البداية حكرا على الزوايا على غرار سائر المدن التونسية لكنه انتشر لاحقا في دور الثقافة وبرز مهرجان دولي للمالوف تحتضنه المدينة سنويا ويأتيه كبار المنشدين لهذا الفن من الجزائر والمغرب التي احتضنت بدورها اللاجئين الأندلسيين بكل موروثهم الحضاري إضافة إلى أهل البلد من التونسيين.

هجرات متعددة

ويشار إلى ان علاقة بلاد الأندلس بتونس قديمة وتعود إلى عهود الأغالبة والفاطميين والصنهاجيين، فالموحدين والمرابطين، وتعمقت أكثر بأثر هجرة سكان المدن الأندلسية التي بدأت في السقوط بيد المسيحيين الإسبان خلال العهد الحفصي في تونس. لكن أهم عدد من المهاجرين الموريسكيين المسلمين وصل إلى تونس كان في العهد العثماني خلال فترة حكم عثمان داي حيث بلغ اضطهاد المسلمين مداه وانتشرت محاكم التفتيش بعد سقوط غرناطة.
وفي هذا الإطار يتحدث المؤرخ ابن أبي دينار في كتابه «المؤنس» قائلا «في سنة 1017هـ/1608م و1018هـ/1609م جاء من الأندلس خلق كثير- نفاهم صاحب إسبانيا – فأوسع لهم عثمان داي (صاحب تونس) في البلاد وفرق ضعفاءهم على الناس وأذن لهم بأن يعمروا حيث شاؤوا… واستوطنوا في عدة أماكن». وقد حصل ذلك بالفعل فساحوا في البلاد ووضعوا أيديهم على أخصب الأراضي واستعاضوا عن فردوسهم المفقود وأصبحوا مع الوقت جزءا من نسيج هذا البلد.

وريث حضاري

لقد كانت هناك حاجة تونسية حقيقية لتعمير البلد الذي مزقته الحروب والطاعون، وللإستفادة أيضا اقتصاديا وثقافيا وحضاريا من الأندلسيين وتجاربهم وعلومهم التي انتشرت في ربوع أوروبا الغربية. لذلك تم تشجيع الموريسكيين على القدوم والإستيطان وتأسيس المدن وامتلاك الأراضي الشاسعة وهو ما يفسر هذا العدد الكبير من المدن التونسية التي أسسها الأندلسيون ومنها تستور، حتى أن البعض اعتبر أن تونس هي الوريث الشرعي الحقيقي للحضارة الأندلسية في الحوض المتوسطي بسبب انفتاحها وانخراطها في الحداثة بصورة مبكرة ونزوع أهلها إلى العقلانية وتشجيعهم للفنون والفكر الحر والمستنير.
ورغم أن الكثير من الدارسين يرجعون ذلك إلى قرطاج، سيدة المتوسط، إلا أن عددا من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا يربطون بين انفتاح سكان افريقيا ونزوعهم إلى العقلانية، وبين الحضارة الأندلسية التي استفاد منها التونسيون بصورة لافتة. فالعلامة ابن خلدون الذي ولد في العاصمة التونسية ونشأ وترعرع فيها هو من عائلة أندلسية مهاجرة وجدت في الحاضرة ولدى سلاطين بني حفص ملاذا آمنا يقيهم شر اضطهاد محاكم التفتيش في بلدهم المغتصب.

حدائق غناء

ويعتبر البعض تستور الأخت التوأم لمدينة شفشاون المغربية التي أسسها أيضا الموريسكيون التاركون قسرا لديارهم في ربوع الأندلس. ويقال أن بعض عائلات هذه المدينة احتفظوا بمفاتيح البــيـــوت التي غادروها في غرناطة وإشبيلية وقرطبة وبلنسية وغيرها من مدن الأندلس التي تعج بالحضارة وفنون العمارة.
وتقع تستور في منطقة جميلة من ولاية باجة التونسية في الشمال الغربي، بين سلسلة من الجبال تسترها وتحيط بها، بالإضافة إلى وقوعها في منطقة خصبة تعج بالحدائق الغناء والمناطق الخضراء. وتزيدها جمالا الأنهار الصغيرة ذات المياه العذبة والصالحة للشراب، فهي باختصار مدينة في القرن الحادي والعشرين تعبق بأريج «زمان الوصل في الأندلس».
وفي هذا الإطار يقول أحد المختصين في تاريخ تستور «إن الجبال المحيطة تستر المدينة، فصار اسمها تستور. والمدينة محاطة بثلاثة أودية والماء الذي يجري فيها صالح للشرب وتزود به تونس العاصمة وسوسة وصفاقس».

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية