لندن ـ «القدس العربي»: تسببت التسريبات الأخيرة لآلاف الوثائق السعودية على موقع «ويكيليكس» في زلزال إعلامي في السعودية بعد أن تحولت إلى الشغل الشاغل للسعوديين الذين وجدوا فيها ما لم يسبق أن قرأوه أو عرفوه، خاصة الوثائق المصنفة على أنها «سري للغاية» والتي لم يكن بمقدور أحد الإطلاع عليها، فيما اضطرت الحكومة السعودية للاعتراف بصحة الوثائق والإقرار بأنها نتجت عن اختراق لشبكة معلوماتية بالغة التعقيد في المملكة.
وتفاوتت المواقف في السعودية من الوثائق المسربة، حيث جنح البعض إلى نظرية المؤامرة معتبرين أنها جاءت مباشرة بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا وهي الزيارة التي يعتقد البعض أن الأمير السعودي طرح خلالها ما لم يرق للروس فعاقبوه وبلاده بنشر الوثائق.
وخلافاً لمن اعتبروا أن نشر الوثائق «مؤامرة روسية مدبرة» فقد انشغل مئات الآلاف من السعوديين في تداول الوثائق والمعلومات التي تكشفت فجأة أمامهم، بما فيها مراسلات بين أجهزة الأمن، وأخرى بين السفارات السعودية المنتشرة في العالم وبين وزارة الخارجية، إضافة إلى مئات الرسائل التي كان يبعث بها وزير الخارجية السابق سعود الفيصل إلى الملك متضمنة توصيات بشأن قضايا وأحداث مهمة على الساحة العربية والدولية.
وأعلن موقع «ويكيليكس» أنه نشر أكثر من 70 ألف وثيقة سعودية مسربة على الموقع، على أن هذه السبعين ألفاً ليست سوى الدفعة الأولى من نصف مليون وثيقة، وسوف يتم نشر البقية لاحقاً، فيما تعود غالبية الوثائق إلى وزارة الخارجية السعودية التي غادرها مؤخراً الأمير سعود الفيصل بعد أكثر من ثلاثة عقود.
وقال جوليان أسانج ناشر «ويكيليكس» إن برقيات السعودية تميط اللثام عن «نظام ديكتاتوري» لم يحتفل فقط بقطع رأس 100 شخص هذا العام، بل أيضا أصبح يشكل تهديداً لنفسه وجيرانه، على حد وصفه.
ورغم أن الكثير من السعوديين لم يصدق مضمون البرقيات المسربة، فيما أبدى البعض تشكيكه بالتوقيت، فان المؤكد أن نشر 70 ألف وثيقة حول مختلف القضايا تقريباً، أثار جدلاً واسعاً في السعودية وحظي باهتمام كبير من مختلف النشطاء والمراقبين والمتابعين.
وسجل الوسم (#ويكيليكس_السعودية) انتشاراً واسعاً لعدة أيام في السعودية متصدراً قائمة الوسوم الأكثر تداولاً في المملكة بسبب الجدل الكبير الذي ثار حول الوثائق، حيث شارك مئات آلاف السعوديين، وربما الملايين، في تداول الــ»هاشتاغ» وغردوا بمئات آلاف التعليقات حول الموضوع.
وكتب أحد النشطاء على «تويتر» متسائلاً: «لماذا لم تظهر هذه الوثائق سوى بعد زيارة الأمير محمد إلى روسيا؟!.. قولوا لجوليان وويكيليكس والـ CIA يبلونها ويشربون مويتها».
وعلق الأستاذ الجامعي المعروف والناشط السعودي الدكتور ناصر البقمي على التسريبات بالتحذير من الوثائق المفبركة التي يقوم البعض بترويجها جنباً إلى جنب مع الوثائق الصحيحة لاستغلال المناسبة.
وحاول عبر سلسلة تغريدات على «تويتر» التشكيك بالوثائق والتسريبات، مضيفاً: «تذكروا أن الحرس الثوري الإيراني أسس مؤخرا لواء خاصا بالحرب «السايبرية» والهدف الأول هو السعودية بكل تأكيد».
وتابع: «هذا الاختراق يجعلنا أكثر وعياً وإدراكاً للدور الذي تقوم به بعض الدول الإقليمية وإيران تحديداً في استهدافها للمملكة بشتى الطرق».
وقال في تغريدة أخرى: «برغم الاستياء تجاه التسريبات، إلا أننا نجد أن غالبية محتوياته تظهر مواقف المملكة المشرفة وأن المعلن منها وغير المعلن متجانس إلى حد كبير».
أما الناشط السعودي بدر الشويعر فكتب على «تويتر» محذراً من نشر الوثائق وتداولها بالقول: «وجود وثائق رسمية سرية مسربة ومنشورة أخذت بطرق مشروعة أو غير مشروعة لا يمنحك حق نشرها، ونشرها يعرضك كذلك للملاحقة القانونية».
انتقادات صحافية
وانتقد صحافيون وإعلاميون غياب الشفافية الذي جعل من هذه الوثائق المسربة كنزاً ثميناً للمواطنين السعوديين والعرب، فيما انتهز آخرون فرصة ظهورها للمطالبة بمزيد من الافصاح والشفافية والكشف عن السياسات الحقيقية للمملكة في ظل العهد الجديد الذي بدأ بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم.
وكتب عبد الرحمن السلطان مقالاً في صحيفة «الوطن» السعودية ينتقد فيه غياب الشفافية في التعامل مع الرأي العام وما اعتبره «صمت» الخارجية السعودية التي قال إنها «رمت كرتها في ملعب المواطن» إذ نشرت بياناً قصيراً تدعو فيه المواطن «أن لا ينشر أي وثائق قد تكون مزورة تساعد أعداء الوطن في تحقيق غاياتهم».
وتساءل:»أليس من المفترض أن يخرج المتحدث الإعلامي لوزارة الخارجية ويفصح عما حدث؟ وكيف حدث؟ والأهم ما هي الإجراءات التي اتخذت لمنع تكرار ما حدث مرة أخرى، ذلك أن أعداء المملكة ما زالوا يقتاتون على ما ظهر، ويحققون السبق الإعلامي فقط لأن وزارة الخارجية اختارت الهدوء المطبق، ومن المعروف في حال نقص المعلومات فإن الجمهور سوف يتوجه إلى من يقدم له تلك المعلومات على الرغم من معرفته التامة بأنها محض كذب وافتراء».
أما مبارك محمد الهاجري فكتب في جريدة «الرأي» الكويتية متسائلاً عما إذا كانت هذه التسريبات «محاولة للي الذراع السعودية الرافضة لتحويل المنطقة إلى حقل تجارب للمزاج الإيراني- الأمريكي؟».
وأضاف أن «المحاولات العبثية» التي يقوم بها موقع ويكيليكس بنشره وثائق وبرقيات سعودية دون غيرها «رسالة فاشلة، لن تزيد المملكة إلا إصراراً في المضي قدماً في مساعيها لإحلال السلام في المنطقة».
وقال الصحافي اللبناني ربيع بركات إن وثائق «ويكيليكس المسربة مؤخراً٬ والتي تُظهر أسلوب تعاطي العربية السعودية مع وسائل الإعلام العربية عموماً تؤكد صعوبة فصل الرأي العام عن المال السائل».
وأضاف أن «هذه، في الأصل، مسلّمة منذ أن تجاوزت المجتمعات مرحلة تبادل السلع، ونشأت فيها الأسواق وراج البيع والشراء. على أن الجديد اليوم يتمثل بعملية تجميل الرشوة، وعمليات التجميل غالباً ما يتكفل بإنجازها الإعلام».