تسلط السياسة على الدين

حجم الخط
0

شكلت مختلف الحضارات الإنسانية منذ بدء التاريخ محطات متباينة. قدمت عبرها عصارة تجاربها، مكنت البشرية من الاستفادة من عطاءاتها عبر التفاعل والتلاقح الثقافيين.
تعتبر الثقافة اليونانية مصدرا رئيسيا في الفلسفة والعلم والمنطق منحت للبشر رصيدا هاما اغنى حياة الأمم. أقام الفيلسوفان الكبيران اليونانيان أرسطو وأفلاطون صرح الفلسفة الإنسانية، ومكنا الفكر والمعرفة من التعمق في أسئلة أرقت الإنسان الأول حول الماهية واصل الكون والمغزى من الوجود والمصير وإقامة الدولة المدنية وتحقيق الديموقراطية وتثبيت النظام والسلطة وأنظمة الحكم. أسئلة وغيرها استطاعت الفلسفة اليونانية ان تقدم أطروحات ونظريات حولها مما مكن الإنسان من استيعاب وجوده وتنظيم نفسه وبناء دولته.
يعترف المفكرون والفلاسفة المسلمون كابن رشد والفارابي والغزالي وابن سينا بأهمية الفلسفة اليونانية ودورها في نشر الفكر وخدمة الحضارة الإنسانية. كما ان الإسلام بمختلف فرقه ومذاهبه وفلسفاته، استطاع ان يعيد قراءة الفكر الإنساني منذ بداياته باشتغاله على الفلسفة اليونانية من جهة وقراءته للنص القرآني والسنة الحميدة.
تعزز الفكر اليوناني بفضل نشوء الدولة الإسلامية وما قدمته من وعي جديد تثويري وحضاري بتغيير نظرة الناس للحياة وللوجود وبدفعهم للتوحد حول دين واحد يجمع مختلف الثقافات والأفكار والفلسفات.
ان القيمة الأساسية الفلسفية للديانة الإسلامية هي روحها الانفتاحية ونظرتها الشمولية واحترامها للمذاهب والمعتقدات. فنجاح الدين والدولة الإسلاميين نهض أساسا على قدرة النبي ص واتباعه في قبول الاختلافات ودمج الثقافات والحضارات حول دين الإسلام الذي يضم الجميع ويحضن المختلف.
الحرية والأوضاع الفكرية التنويرية التي خلقتها الثقافة العربية الإسلامية اعطتنا حضارة شملت مختلف مناحي الحياة اقتصاديا واجتماعيا وعلميا واخلاقيا.
لم ينبذ الدين الإسلامي الأفكار المختلفة للحضارات والشعوب في انحاء المعمورة. بل تبناها وطور تجاربها وادمجها فأصبح الفكر الإسلامي تجربة رائدة انصهر فيها الجميع لتتقدم الحياة الإنسانية حينها خطوات قياسية.
استفادت الحضارة الغربية الحديثة من الحضارات السابقة اليونانية والعربية، عبر الترجمة واستغلال الخبرات الثقافية والعلمية والمعرفية دون قيد ولا شرط، أهلتها أن تخوض تجربتها متكئة على العقل والعلم والحرية وحقوق الإنسان. المفاهيم الكونية العامة منذ بداية الفكر والثقافة الإنسانيتين.
قيمة الحضارة الغربية الحديثة هو كونها استطاعت أن تعيد قراءة الفكر اليوناني والإسلامي السابقين، وان تقدم تصورا جديدا للعالم يتوافق مع الذهنيات الجديدة ومع مسار العلم والمعرفة الحديثين. مع تركيز واضح ومفصلي بفصل الدين عن الدولة كاختيار منهجي.
لقد كان الإسلام واعيا بأهمية الفصل بين الحياة العامة والحياة الروحية. وكان نجاحه بفضل هذا الاختيار الوجيه الذي يرتكز على منح مسافة بين الأخلاق العامة المتعلقة بالتعاملات، والأخلاق الخاصة المتعلقة بالعبادات. وهجه تركه لمسافة خلاقة بين الممارسة الدينية والممارسة السياسية، مكنته من الحفاظ على نقاوة الدين، وفرضت على السياسة عدم اتكائها على المقدس لتبرير انزلاقاتها.
إن ديننا الإسلامي زاخر بالأفكار والمواقف القادرة على الصمود والتلاؤم مع مختلف الأفكار والعصور والمحطات. ينبني منطوقه الفكري والثقافي على أهمية التركيز على الارتقاء بالنوع البشري، عبر السمو والتعالي الأخلاقي، انطلاقا من ضرورة العمل الديني والدنيوي لنيل ما فيه خير في الدنيا وفي الآخرة.
العيب في نوعية القراءات ذات الفهم الضيق، والتصور القاصر المنغلق، الذي يعيق مسار الفكر الإسلامي العربي ويمنع من الحفاظ على توهجه، ويحد من قابليته على التفاعل والتلاقح. ان الإسلام الأصولي يجعل السياسة تفرض سلطتها على جميع مناحي الحياة، متكئة على قراءة مغرضة للدين، بهدف استغلاله من أجل تحقيق مصالح دنيوية، وزج الأمة في مزالق الهمجية والبربرية والتخلف.

منصف بندحمان – كاتب من المغرب

تسلط السياسة على الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية