قال وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا ان القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية سيكون صعبا وقد يستغرق 30 عاما. ويؤكد الجنرال الأمريكي «جون الن» منسق الجهد الدولي لمحاربة داعش في تصريحات له من بغداد، هذه النظرية حينما أشار إلى ان حرب تحرير الموصل يمكن ان تبدأ «بعد عام من الان»!
التساؤلات المطروحة: هل هي حرب باردة جديدة ضد الإرهاب وكيف توظف إقليميا ودوليا ولصالح أي طرف والأهم والأبرز كيف يحلل صناع السياسات في الولايات المتحدة هذه «الفرصة» لصالح استراتيجيتهم؟ وكيف ستدار هذه الحرب ما بين من يركب قطار الجهد الدولي بقيادة واشنطن لمحاربة الإرهاب المتمثل اليوم بتنظيم الدولة الإسلامية « داعش» وبين الواقفين ضده أو على هامشه؟ وما الثمن الذي ستدفعه شعوب المنطقة من خيراتها وأرواح مواطنيها فقط لتنفيذ سياسات هذه الحرب الباردة الجديدة تحت عنوان الحقوق الطائفية والإثنية ضمن الدولة الواحدة ؟؟
لعل من أبرز مما نشر في تحليل ملف الحب الباردة على الإرهاب دراسة غريغوري غوس، وهو زميل أول غير مقيم في مركز بروكنجز في الدوحة، إذ شدد على انه «لا يسع الولايات المتحدة الكثير لمعالجة ضعف المؤسسات الحاكمة في عدد من الدول العربية التي تسببت بتركيبة النزاعات في الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط، لذا، عليها ان تعتمد مقاربة متواضعة وان تتذكر بان هذه الحرب» ، منوها إلى ان هذه الحرب «ليست حرب الولايات المتحدة»، مع التذكير ان هذه النزاعات» لم تعِق المصالح الأمريكية في المنطقة إلى حد كبير».
ويعترف الباحث بان انهيار الدولة العراقية زاد من أهمية الطائفية في السياسات الإقليمية التصاعدية بشكلٍ كبير من الأسفل إلى الأعلى، وكانت الهويتان الطائفية والعرقية مهمة في السياسة العراقية منذ أيام الملكية الهاشمية، ولكن حين اكتسبت الدولة قوة، خفت أهميتها بسبب بعض الهويات والولاءات الأخرى، بما في ذلك الدولة بحد ذاتها، وبقيت تحت مراقبة مؤسسات الدولة. دفع ضعف الدولة العراقية، بسبب عقوبات التسعينيات، صدام حسين إلى زيادة اعتماده على الطائفة السنية وعلى الولاء القبلي لدعم حكمه المتهالك.
ومع انهيار الدولة العراقية عام 2003 أصبح للهويتين الطائفية والعرقية الكردية دور أساسي في الصراع للحصول على السلطة، واتجهت الأحزاب الشيعية إلى إيران للحصول على الدعم، في حين تطلعت الأحزاب السنية إلى المملكة العربية السعودية طلباً للدعم، وبهذا ترسّخت الطائفية كميزة للحرب الباردة الجديدة في الرشق الأوسط.
ويضع الباحث الأمريكي في دراسته التي نشرت في الحادي عشر من تموز/يوليو الماضي ما يصفه بتفضيل (النظام) على ( الفوضى) في تعارض صارخ مع نظرية «الفوضى الخلاقة» لإعادة بناء الشرق الأوسط الجديد، داعيا إلى دعم الدول التي توفر حكماً فعالاً حتى حين لا يستطيع هذا الحكم تحقيق مستويات الديمقراطية وحقوق الإنسان المفضلة، ويكمن مفتاح النجاح في هذه الحرب الباردة، من وجهة كاتب هذه الدراسة، في ان تتمكن «قوة إقليمية من دعم العملاء غير الدوليين والحلفاء بفعالية في معاركهم السياسية الداخلية في الدول الضعيفة في العالم العربي» ، ويضيف « ولا تشكل القوة العسكرية لدولة ما عاملا مفيداً بالضرورة في هذه اللعبة، والدليل الأبرز على ذلك هو ان أكبر قوتين عسكريتين في المنطقة، إسرائيل وتركيا، لم تتمكنا من لعب دور فعال جـــداً في الحرب الباردة كما فعلت قطر، الدولة الأصغر حجماً إقليمياً من حيث القوة العسكرية التقليدية»، موضحا «وتتطلب الرعاية الفعالة للحلفاء الإقليميين المال والسلاح، لكنها تتطلب أيضاً روابط أيديولوجية وسياسية تجعل العملاء المحتملين منفتحين لعلاقة مع الراعي، وهذه الروابط هي الآن أكير أهمية من القوة العسكرية التقليدية في التأثير على مجرى السياسات الإقليمية».
وضمن الدراسات التي تؤكد هذه النظرية، نشر «ماثيو ليفيت» مدير برنامج ستاين للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن تقريرا مفصلا عن استهداف المصادر المالية لـ «الدولة الإسلامية» أشار فيه إلى خطاب الرئيس باراك أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متعهدا بقيادة ائتلاف دولي من بلدان التزمَت بـ «إضعاف وتدمير داعش»، وبالإضافة إلى الضربات الجوية، وبرامج التدريب والتجهيز للثوار المعتدلين، والجهود المبذولة لوقف تدفق المقاتلين من المنطقة وإليها، أضاف الرئيس الأمريكي «اننا سنعمل على قطع تمويلها».
وهناك عدد من التقارير الاستخبارية التي تؤكد ان تمويل «داعش»من أموال تهريب النفط والغاز في سوريا والعراق يبلغ 5 ملايين دولار يوميا بعد ان قامت ببيع برميل النفط بقيمة لا تزيد على 25 دولارا لوسطاء أكراد وعبر الأراضي التركية، بما جعل نائب الرئيس بايدن يوجه اتهاماته لتركيا أيضا بتسهيل تمويل هذا التنظيم ومنحه أسباب الديمومة في هذه الحرب الدولية المعلنة ضده.
ويرى « ليفيت» ان وزارة الخزانة الأمريكية قامت بتصنيف ممولي الإرهاب والاختصاصيين اللوجستيين الذين يدعمون «الدولة الإسلامية» (وجماعات أخرى)، من بينهم 12 «ميسراً للمقاتلين الإرهابيين الأجانب» من جورجيا واندونيسيا وقطر والكويت وتركيا والأردن.
ووفقا لوزارة الخزانة، هناك شخص يدعى طرخان باتيراشفيلي «نسق عن قرب مع القسم المادي في التنظيم»، كما ان فرداً آخر، يدعى طارق الحرزي،»عمل للمساعدة على جمع الأموال لـ «داعش» من جهات مانحة مقرها في قطر» من بينها هبة بقيمة مليوني دولار من أحد ميسّري «الدولة الإسلامية»، الذي أصر على ان يتم ضخ الأموال للعمليات العسكرية فقط، ومع ذلك، فان الممولين والوسطاء العشرة الآخرين، عملوا لصالح «جبهة النصرة» وليس «الدولة الإسلامية».
كل ما تقدم يثير النقاش المعمق على الأقل بين المثقفين العرب، للتعريف بان ما يجري اليوم ليس من صالح الشعوب العربية ، ولاحتى من صالح الهويات الفرعية لها، طائفية كانت أم قومية، ما دامت هذه الدول ليس باستطاعتها ان تتجاوز نقاط ضعفها في إيجاد «حلول وطنية « لمشكلاتها الداخلية بانتظار حلول من الخارج، يمكن ان تنتهي بفتيت كياناتها السياسية. وبعيدا عن نظرية المؤامرة التي ربما يتهم بها من يؤكد حقيقية هذه الحرب على الإرهاب التي يمكن ان تصل إلى 30 عاما كما يصفها وزير الدفاع الأمريكي السابق، فان أي عمليات لتحرير الأرض العراقية أو السورية من تواجد تنظيم داعش، لا يمكن ان تكون إلا مجرد فرضيات في هذه الحرب التي تريد منها واشنطن وضع خارطة سياسية جديدة للمنطقة، تمنح تذاكر القبول بالدول التي تحافظ على شكلها النظامي فحس. أما تلك التي تقاتل من أجل هوياتها الفرعية فانها سائرة نحو الزوال والعراق وسوريا من أبرز المرشحين لهذا الزوال.
مشكلة الأغلبية ربما تكمن في الانزواء داخل قوقعة الانتماء الطائفي أو القومي، من دون التفكير بحلول «مرضية» لمشاكل الاعتراف بالآخر طائفيا وقوميا، فقط لأن نتاج الحرب الطائفية ما بعد الغزو الأمريكي للعراق انتهت إلى هذا الفرز الخاطئ للخنادق، وزاده اشتعالا وقود التمويل الإقليمي والسياسات الدولية لاسيما الأمريكية التي انتهت إلى نموذج استعمال النتاج الفاشل لسياساتها من أجل بلورة نجاحات منتظرة لتسويقها على المنتفعين منها إقليميا ودوليا ما دامت إدارة البيت الأبيض لا تمثل سوى مجلس إدارة أعلى لمصالح الكارتلات الاقتصادية متعددة الجنسيات التي تريد تدوير أرباح البترودولار وضخها في ماكنة الاقتصاد الأمريكي المتهالك.
٭ صحافي وكاتب سياسي عراقي
مازن صاحب