تشابك الوحدات السردية في الخطاب الروائي للعراقي سعد محمد رحيم

حجم الخط
0

سعد محمد رحيم روائي متجدد لأنه كاتب بارع وما روايته الأخيرة «مقتل بائع الكتب» الصادرة حديثا في بغداد عن دار نشر سطور العراقية إلاّ شهادةٌ كبيرة على تجدده وبراعته وديناميكيته وتمكنه من صنعته وامتلاكه لأدواته الفنية ومقدرته الإبداعية الممتازة التي تتجلى في حيازته لاستراتيجيات خاصة صارت اليوم، وبعد نضوج تجاربه الكتابية بوتيرة منتظمة ومتصاعدة، تمنحه القدرة على مناورة قوانين ومقتضيات بنى القص المستقرة التي رضخت لها، باستسلام كبير، معظمُ نماذج روايتنا العراقية الراهنة. في روايته الأخيرة، كما في كل نصوصه السابقة، يسرد سعد محمد رحيم حكايات بسيطة، موجزة، مألوفة، قابلة للاختزال ولا يصعب تصديقها، وهو بذلك يخالف الكثير من الروائيين العراقيين والعرب الذين يميلون، في الغالب، إلى بناء عوالم روائية ملحمية يحتويها شكلٌ معماري فارط في القص والوصف والتفصيل اللغوي، تتحول معه الرواية إلى ألعاب لفظية لا تحمل معنى بذاتها ولا تملك وظيفة محددة. لا يعني هذا أن روايات سعد محمد رحيم سهلةٌ من الناحية الفنية الخالصة، ذلك أن خطابه الروائي نسيج من عناصر مختلفة ومتنوعة، لكنها منتظمة على نحو متشابك لا يمكن فهمها إلا في إطار كلية الخطاب، أو من خلال القراءة المتأنية التي تضع كل عنصر خطابي في إطار الكل.
هذا التشابك الذي يسودُ معظمَ نصوص سعد محمد رحيم القصصية والروائية يُلزِم ويقضي بتقطيع كل واحد من تلك النصوص إلى وحدات خطابية صغيرة ليس بغاية تصنيفها سيميائيا فقط بل، خصوصا، من أجل الوقوف على منظوماتها وتراكيبها وطبيعة علاقاتها مع بعضها بعضا، وتحديد أنساقها العلاماتية من جانبيها الملفوظ (الدّالّي) والمتصوَّر (المدلولي). سيكون لهذا التقطيع، لو تمّ على أسسٍ بنيوية وما بعد بنيوية يعي من يتصدى لتشييدها قضيةَ أن النص رسالةٌ مكتوبةٌ تحملها علاماتٌ تتصف بالحركة والازدواجية وعدم الانغلاق ورفض السكون ونهائية المعنى، أقول لو تم هذا التقطيع بالطريقة التي أشرنا اليها لكانت له، أقلّها، فائدتان اثنتان: توكيدُ فكرةِ أن النص، من ناحية ابستيمولوجية صرفة، رسالةٌ علاماتيةٌ طرفاها الدّال (الشكل) والمدلول (المعنى).
هذه الفكرة عامة وقد تكون قديمة لكنها ما تزال مقبولة من وجهة نظر الشعرية المعاصرة في أدنى الحدود. غايتي من التذكير بها، هنا، هي لفتُ نظر بعض دارسي ومحللي الأدب الروائي في العراق خاصة، والبلدان العربية عموما إلى قضية استحالة اكتفاء الدال بنفسه وعدم قدرة المدلول على اختصار وجود النص في إحالات أو مؤثرات تتجاوزه (سواء كانت تلك المؤثرات اجتماعية أم تاريخية أم نفسية).
في هذا الخصوص، قد يكون سعد محمد رحيم واحدا من أكثر كتّابنا العراقيين الذين لم يرغب النقدُ بإسقاط المسافة بين عوالمهم المتخيلة وعوالمهم الواقعية فكانت النتيجة، بطبيعة الحال، أنْ تغلب الاهتمام بالدلالات السردية على حساب الدلالات اللسانية في أكثر الدراسات التي تصدت لنصوص الكاتب المذكور. مردُّ هذا الاهتمام العام بالمستوى العميق الكامن للنص، بحسب تعبير تشومسكي، هو تصور النقد أو معظمه أن المتن الحكائي قادرٌ، دون المبنى الحكائي أو ما يسميه تشومسكي بالمستوى السطحي الظاهر للنص، على ترجمة وتجسيد أفكار الكاتب ماديا وأنه السبيل الوحيد الذي يقود إلى القبض على «حقيقة» النص. واقع الحال أن هذا التصور مردود لأنه منقوصٌ ويعبِّرُ عن قصور في فهم الشكل ووظائفه الدلالية.
الحقيقة أن المدلول، من وجهة نظر بنيوية بحتة، لا يستطيع لوحده إنتاج الدلالة السيميائية وهذا الأمر ينطبق، سواء بسواء، على كل ملفوظ أدبيا كان أو غير أدبي والسبب في هذا أن طريقة تنظيم المعنى تحمل معنى بحد ذاتها، ما دامت تقع ضمن مستويات معينة من العلاقات التراتبية المعقدة والخاضعة لنظام دقيق لا يسمح بالخطأ ولا يقبل الخلط.
خلاصة القول، في هذا المجال، أن الأشكال السردية بوصفها دوالّ شريكةٌ للمدلولات في إنتاج الرموز وتحقيق الدلالات. من هنا يبدو واضحا جدا السبب الذي من أجله لا يمكن أبدا التفكير في إلغاء الاتحاد العميق بين الدال والمدلول في النظريات اللسانية الخاصة بتحليل النصوص الأدبية. أعود إلى الفائدة الثانية التي بإمكان التقطيع الميكرونصي لكتابات الروائي سعد محمد رحيم تحقيقها وهي تلك التي تتمثل بالمساعدة على اكتشاف ثراء التحولات الشكلية في أبنية الخطاب السردي لهذا الكاتب الذي يُنظر اليه غالبا، وبنوع من التسلط النقدي الذي يُخضِع النص المدروس إلى قيم حُكْميَّة سابقة وجاهزة، على أنه مجرد متحكم ماهر بقوانين اللغة وأساليب التعبير، والحال أن اللغة، في نصوص هذا الكاتب، ليست أكثر من ستار شفاف إذ ليس بإمكانها، في نهاية المطاف، أن تتسلط على المضمون ولا أن تحتكر المعنى، حتى في أقصى حالات احتفاء الكاتب بها، كما هو الحال في رواية «ترنيمة امرأة» على سبيل المثال، تبقى اللغةُ، عند سعد محمد رحيم، خادما بسيطا، وإنْ كان على قدر كبير من الأناقة، يؤدي واجبا جماليا- شعريا مرسوما بعناية يتلخص جوهره بتحقيق غايات مهمة ومتباينة منها: ضمان نهوض النص بوظائفه السيميولوجية (والأيديولوجية أحيانا) وتقييد وحدات الخطاب الشكلية من موضوع وزمان ومكان وحدث وشخوص ناهيك عن باقي الوظائف الأخرى التي تقرها اللسانيات للغة في داخل النص السردي. وفق هذا الطرح السالف، تكون اللغة الروائية لسعد محمد رحيم جزءا من بنية تتصارع وتتفاعل ضمنها العلاماتُ الدلالية واللسانية للنص السردي. هذا التصور، إن قبلناه، قد يفتح الباب أمام إمكانية إعادة التفكير في دراسة روايات الكاتب وقصصه على أساس عدم النظر إلى اللغة السردية من باب كونها وحدة خطاب عليا قادرة، لوحدها، على غلق الأثر وتقييده وتحديد نوعية قراءاته ورسم اتجاهات تأويله.

٭ ناقد وأكاديمي من العراق

تشابك الوحدات السردية في الخطاب الروائي للعراقي سعد محمد رحيم

حسن سرحان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية