ليس معروفا ان كان قد جرى الترتيب ليمر أكبر مسؤول في الدولة السبت الماضي على رصيف مقهى في ضاحية رادس جنوب العاصمة تونس، ويطلب بعفوية شديدة من شابين كانا يشربان القهوة ان يشاركهما فنجانيهما، أو ان المشهد كان على العكس طبيعيا وخاليا من التركيب، بل محض مصادفة صرفة كما أوحى بذلك مقطع فيديو نشرته مصالح الرئاسة على صفحتها الرسمية في فيسبوك وصور جانبا من مقابلات ولقاءات الرئيس الباجي قائد السبسي بعدد من أهالي الضاحية الجنوبية بعد انهائه زيارة قصيرة إلى بيت قيادية الحزب الجمهوري مية الجريبي لغرض الإطمئنان على صحتها؟ لقد ارتشف قهوة أحدهما وسأله مازحا ان كانت «سكر زيادة» فرد عليه ان سكرها معقول، وحين قال له الثاني ان قهوته من دون سكر لم يفوت الفرصة وارتشفها قبل ان يغادر ويتحدث مع آخرين. وخلال تلك الدقائق السريعة والمعدودة لم يسأله الشابان شيئا ولم يطلبا منه لا شغلا ولا زيادة في الأجر ولا اهتماما ولا انصافا من الدولة مثلما فعل غيرهما.
لقد ظل مجهولا ما دار ساعتها في ذهن الشابين، وهل انهما تصورا أو توقعا يوما ان يقابلا الرئيس بمثل تلك السهولة والبساطة وعلى رصيف المقهى الذي اعتادا القدوم إليه ربما هربا من ضغط الحياة وقسوتها مثلما يفعل آلاف التونسيين؟ وهل ان المفاجأة جعلتهما يقولان في قرارة نفسيهما من أين خرج لنا الرئيس وما الذي جاء به إلى تلك الضاحية الصغيرة التي لا يزورها المسؤولون عادة إلا متى أرادوا الحضور إلى مينائها التجاري الكبير؟
ثم هل عرفا تلك المناضلة الكبيرة التي قدم لأجل زيارتها والاطمئنان على صحتها، وهل سمعا بما فعلته وقاسته أيام الاستبداد وكيف صمدت وتصدت لنظام بن علي؟ وهل يهتمان أصلا لذلك أم ان منطق عصرهما يطابق ما قاله عبد الوهاب قبل عقود في اغنيته الشهيرة سهرت منه الليالي «ما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال»؟
ربما بدت مثل تلك التفاصيل مجرد جزئيات وهوامش بسيطة لا تهم السلطات أو تشغلها في شيء رغم كل ما أظهرته في السنوات الأخيرة من رغبة في ان تعيد ترتيب وتجميل صورتها القديمة والمهزوزة عند أجيال من الشباب لم تعد تنظر بعين القداسة والاحترام لكل شيء، وصارت ترى نفسها قادرة على تحطيم جميع القواعد والقوالب المعروفة دون أن يستطيع أحد أن يعترض سبيلها أو يقف في طريق أحلامها ونزواتها وحتى طيشها ونزقها المدمر. ولأن قائد السبسي أدرك ذلك جيدا منذ إعلانه الدخول في سباق الرئاسة، وعرف أيضا ان الهوة بين تلك الأجيال وبين السياسيين بشكل عام باتت تتوسع وتزداد عمقا بمرور الوقت، فقد ركز الجانب الأكبر من حملته الانتخابية على مخاطبة المرأة والشباب وكان يدرك ان كبار السن والشيوخ سوف ينساقون بسهولة وراء خطابه العاطفي المفعم بنبرة بورقيبية عادت بهم إلى زمن الزعيم. النتيجة كانت فوزه في الانتخابات بعد حصوله على أصوات مليون امرأة وعلى نسب عالية من أصوات من فاقت أعمارهم ستين عاما. لكن تقدمه الواضح في السن واسلوبه المختلف والبعيد نسبيا عن روح الأبناء والأحفاد الذين لم يعرفوا الزعيم ولم يعش معظمهم سوى العقد الأخير من حكم بن علي، كانت كلها عوائق جدية وحقيقية جعلته لا يحصد معظم أصواتهم رغم كل ما بذله من جهد من أجل الوصول إلى تلك الغاية. لقد قرر ان يبدأ حملة الدور الثاني من سباق الانتخابات الرئاسية من داخل مقهى جمع فيه عددا من الشباب ليقول لهم «ان أول عمل يقوم به في حملة الانتخابات هو الاتصال بالجيل الجديد» قبل ان يذكرهم انه كان بدوره شابا أيام الكفاح ومعدما مثل معظمهم وان والده توفي وهو في التاسعة من عمره، ثم يؤكد لهم ان «من واجب الدولة ان تكون الشباب وتسهل له أسباب الحياة ويجب على الشاب بدوره ان يصبح مسؤولا حتى تلتحق تونس بركب الدول المتقدمة». وحين سأله أحد الحاضرين ان كان يرى ان الحكومة المقبلة ستعرف صعود أجيال شابة إلى مواقع القيادة، أجابه ان «من الضروري ان يدرك الشباب ان ذلك لن يحصل دون جهد وان لا أحد سوف يمنحه هدايا بالمجان». هل قال ذلك لانه كان يدرك ان تشبيب النظام لن يكون عملا بسيطا ما دامت المواقع القيادية أشبه بالملكيات الحصرية التي لا يقبل أصحابها التفريط بها أو التنازل عنها بسهولة؟ أم انه فعل ذلك لانه يدرك جيدا ان من الضروري حث الشباب على المبادرة والفعل والخروج من حالة الوهن والانتظار المر التي جعلته يكتفي بالمطالبات دون بذل أي جهد للسعي لتحقيقها؟ ما يهم في النهاية هو ان المشهد العام بعد الانتخابات التي جرت قبل أقل من عامين من الآن لم يكن يوحي على الاطلاق بان هناك نفسا شبابيا واضحا داخل السلطة الجديدة. فالوجوه القديمة التي بدأت مشوارها السياسي مع بورقيبة ثم اختفت قليلا لتظهر بعدها بشكل بارز أو رمزي أيام بن علي هي التي احتلت المواقع الثلاثة الأولى، أي رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان. والهوة التي حرص قائد السبسي على ردمها وتقليصها للحد الأدنى بقيت على حالها لتستمر القطيعة بين نظام يقوده الشيوخ وجيل تائه ومشتت يعيش انفصاما وجدانيا وحضاريا رهيبا ولا يعرف كيف وأين سينتهي به المصير. المفارقة هنا ان الوعد الوحيد الذي قدمه قائد السبسي خلال الحملة الانتخابية لذلك الشباب كان الحط من العقوبة القاسية والزجرية على حد وصفه والتي كانت تنتظر كل من ثبت استهلاكه للمخدرات. أما تحصينه واصلاحه وتربيته وتوجيهه فلم تكن سوى نقاط عامة ضمن برنامج حكم قال ان حزبه أي النداء، قادر على الاضطلاع باعبائه دون عناء كبير ما دام يملك من الكفاءات ما يسمح له بتكوين أربع حكومات بدل الواحدة. وعلى عكس فئات أخرى كالجامعيين والمثقفين وفئة النساء لم تحتج الأجيال الشابة على قائد السبسي لانه أخلف وعوده الانتخابية لها بقدر ما صبت غضبها على حكومته التي كانت خلطة توافق اختاره هو وزعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي. لقد اتهمت تلك الحكومة بالوهن وبعدم قدرتها على حل المشاكل وفتح ملفات الفساد واستغلال النفوذ وتعرضت في شباط/فبراير الماضي إلى موجة غضب حادة انطلقت من محافظة القصرين لتتوسع بعدها إلى جهات أخرى قبل ان تطوق في الأخير بصعوبة.
المفاجأة الأولى التي حصلت بعدها هي ان قائد السبسي الذي كان اختار فعليا تلك الحكومة وكرر أكثر من مرة ثقته في رئيسها، كان هو المبادر في حزيران/يونيو الماضي لعرض مقترح حكومة وحدة وطنية بديلة لها صارت في وقت لاحق محل اجماع معظم القوى السياسية والاجتماعية في البلد. أما الثانية فكانت ترشيحه لقيادي شاب من حزبه السابق لا يملك خبرة سياسية لقيادة وتشكيل تلك الحكومة البديلة تحت مبرر ان تونس باتت الآن بحاجة إلى نفس شبابي جديد. وهو ما أكده الرئيس المكلف في أول لقاء له بالإعلاميين بعد تسلمه خطاب التكليف حين أعلن ان تلك الحكومة الجديدة «ستكون حكومة الشباب» ايمانا منا كما قال «بقدرة الشباب على تغيير الأوضاع». لكن أليست تلك الهدية التي منحها شيوخ الحكم للجيل الجديد بمثابة السم الذي سينهي حياتهم ومستقبلهم السياسي بسرعة بعد ان يعجزوا عن حل آلاف المشاكل والأزمات العويصة التي تنتظرهم؟ وهل يملكون القدرة على تغيير أوضاع لم يتمكن الشيوخ طوال سنوات ولأسباب مختلفة من زحزحتها وتحريكها؟ أم انهم على العكس قادرون على تحقيق المعجزات التي لم يحققها أسلافهم في الحكومات السابقة؟
بغض النظر عن ذلك فان العقبة الكبرى التي ستواجههم هي ان مركز الحكم في تونس عاد كما كان في السابق إلى قصر قرطاج. وهو ما يعني ان الرئيس قائد السبسي وحليفه الشيخ الغنوشي سيظلان هما المتحكمان عمليا في دواليب السلطة مهما كان اسم رئيس الحكومة أو سنه. بقي إلى أي مدى سيسمح الشيوخ للشباب بالتصرف بحرية ودون املاءات أو ضغوطات وهل انهم سيضعون لهم قيودا وشروطا معينة للحركة؟ ما يعلنه الرئيس وزعيم حركة النهضة حتى الآن هو انهما يثقان في الجيل الجديد ويرغبان بصدق في ان يتسلم المشعل منهما ويكمل مشوار التوافق الذي جعل تونس الشمعة الوحيدة المضيئة في الربيع العربي مثلما يعز على الشيخ الغنوشي ترديده. وما يعرفه الشباب الذي سيرشحه القائدان في المقابل لحقائب في الحكومة هو ان حكمة الشيوخ وخبراتهم تبدو مطلوبة وضرورية أمام صعوبة الوضع وتعقيده. ولأجل ذلك لا يبدو ان وقت استراحة شيوخ الحكم في تونس قد حان بمجرد الإعلان عن حكومة الشباب، فما يزال أمامهم متسع من الزمن حتى يمروا على الأبناء والأحفاد الذين اختاروهم لإدارة البلاد ويكتفوا بعد مقابلتهم بشرب القهوة معهم فقط دون مطالبتهم بشيء مثلما فعل الرئيس صباح السبت الماضي مع الشابين المجهولين.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية