القاهرة – «القدس العربي»: لم يكن الفنان التشكيلي السوداني محمد برجاس يتوقع أن يكون معرض «الحرية» هو آخر تواصل فني مباشر له مع جمهوره داخل السودان، لكنه تعرض لإعتقال من السلطات الأمنية ومضايقات شديدة وكان خياره الوحيد هو اللجوء إلى القاهرة.
برجاس تخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية قسم التصميم الإيضاحي عام 2000 وأقام العديد من المعارض في السودان من بينها معرض باسم «ورديات» استلهم فيه أغنيات الفنان محمد وردي من خلال الألوان وبسبب هذا المعرض واجه مضايقات عديدة واستدعاءات من الأجهزة الأمنية، رغم عدم وجود الحس السياسي المباشر في لوحات هذا المعرض.
لكن المواجهة الحقيقية بدأت بعد إنتهاء معرض «الحرية « الذي أقامه في مركز الخاتم عدلان. ويقول برجاس إن هذا المعرض يجسد معاناة الشعب السوداني من الكبت والإستبداد وفيه تصوير للألم الذي سببه انفصال الجنوب وتجسيد بصري لفساد النظام الحاكم وتخريبه – الممنهج- للوجدان السوداني.
ويضيف:»المعرض وجد اهتماما كبيرا من نخب المجتمع السوداني بكل أطيافه وحقق نجاحا كبيرا ما أدى لزيادة الوقت المحدد له من أسبوع إلى 20يوما، وفي المقابل شكّل صدمة كبيرة للنظام فتم إعتقالي وتعذيبي وتيقنت بأن لا مكان لي في السودان، فقررت الهجرة إلى القاهرة».
في القاهرة أقام الفنان التشكيلي محمد برجاس معرضا في مركز «نبتة» للفنون حمل عنوان «جماليات الماضي» وهدف لإبراز التنوع الثقافي الذي يتميز به السودان قبل استيلاء الإسلاميين على الحكم ويقول :»قصدت إبراز مدى الدمار الذي لحق بحياتنا وسلوكنا وقمت بتصوير جماليات الطبيعة والروح السودانية الأصيلة».
بدأ برجاس يندغم في الحياة المصرية، لكن واجهته العديد من الصعوبات ويقول عن ذلك: «مصر دولة ذات تقاليد عريقة في التقوقع على ذاتها، ومن الصعب جدا الدخول في دهاليز صناعة النجوم فيها، والمشهد الثقافي والإعلامي المصري لا ينفتح على غير المصريين إلا نادرا، لذلك واجه المبدعون السودانيون في مصر معاناة كبيرة في الوصول لصالات العرض وأجهزة الإعلام».
ومع ذلك قرر الفنان التشكيلي محمد برجاس البحث عن مجال يجد فيه نفسه، وصادف ذلك وجود عدد كبير من اللاجئين السودانيين في القاهرة، فحاول المجتمع المدني السوداني استغلال طاقات المبدعين لتأهيل اللاجئين نفسيا من خلال الفنون، وكانت مراكز» تضامن» المنتشرة في أحياء القاهرة تعمل في هذا الإتجاه.
ويقول :»استفدت من دراستي وتجربتي في مجال «سايكولوجية اللون» وعملت على إعادة التوازن النفسي للاجئين من خلال تفريغ الشحنات النفسية المؤلمة التي يأتي بها اللاجئ من وطنه من خلال ما يمر به من نزوح وحروب وتعذيب وضغوط معيشية، وقمت بتقسيم اللاجئين إلى ثلاث فئات عمرية، الفئة الأولى من عمر 6-12 والثانية من 14-18 والثالثة من 18 فما فوق. وكانت البداية بجعل اللاجئ يستوعب الصدمة والمعاناة باستخدام دلالات الألوان، وتنجح هذه التجربة كثيرا مع الأطفال الذين لا يستطيعون التعبير اللغوي عن معاناتهم النفسية».
ويرى أن هذه التجربة كانت مهمة جدا له كفنان تشكيلي حيث إختبر فيها -عمليا- دراسة نظرية اشتغل عليها فترة طويلة في السودان عبر البحث المتواصل عن دلالات اللون في الثقافة السودانية.
ويقول:»بدأت بتمارين لونية الغرض منها تفريغ الشحنات السالبة وامتصاص الصدمات وكانت النتائج مذهلة، إذ حدثت تحولات كبيرة مع التدرج في التجارب وبعد أن كان الإحباط يملأ نفوس الأغلبية من اللاجئين، بدأوا في استخدام ألوان تبعث على الأمل والتفاؤل والطمأنينة، وصولا إلى مراحل متقدمة من استيعاب العالم الجديد وانتظار مستقبل أفضل، بل أن البعض منهم قطع شوطا بعيدا في وضع تصور لكيفية تطوير وطنهم والإنتماء له».
ويقول إن التركيز يتم دائما على الأطفال لأنهم الأكثر تأثرا بهذه الظروف، ويوجد في مراكز «تضامن» أكثر من 500 طفل بأعمار مختلفة تجاوبوا مع البرامج الموضوعة لهم، وينطبق الأمر على الفئات العمرية الكبيرة التي صمم لها منهج يعمل على اكتشاف المواهب ووضعها في الطريق السليم ويضيف:»هذه التجارب أثمرت عن اكتشاف العديد من الموهوبين في مجال الـــفـن التشكيلي وأقيمت العديد من المعارض التي تضم أعمالهم وكانت النتائج جيدة».
ويستطرد إن عمله في مجال اللاجئين في القاهرة لم يقتصر على السودانيين فقط، لكنه امتد ليشمل الصوماليين والأرتيريين والأثيوبيين، وكذلك اللاجئين السوريين الذين تزايدت أعدادهم بشكل واضح في الفترة الأخيرة.
ورغم وجوده بعيدا عن أرض الوطن وإنشغاله في العمل العام لكنه لم يتجاهل روح الفنان بداخله. ويقول عن ذلك:»أداوم على الرسم بشكل متواصل فهو عندي بمثابة الأوكسجين الذي أتنفسه وأتواصل مع الفنانين التشكيليين السودانيين الموجودين في القاهرة ومع السودانيين-عموما- في أرض الوطن ومشارق الأرض ومغاربها عبر وسائل التواصل الإجتماعي، خاصة الفيسبوك».
صلاح الدين مصطفى