بحسب المصادر الإسرائيلية المعنية، فإن 58 ألف تصريح للعمل منحت للفلسطينيين في جميع المحافظات، كي يعملوا في الأراضي المحتلة عام 1948، وربما في المستوطنات.
وهذا الأمر ليس جديدا، إذ أنه يُعمل بذلك زيادة أو تخفيضا بحسب الأجواء الأمنية. مع ذلك فإن التصاريح تلك الممنوحة، لم تمنع قيام واندلاع انتفاضات وهبات واشتباكات مع المحتل منذ عام 1967 وحتى يومنا هذا، كذلك فإن هبات وانتفاضات في أراضي الاحتلال الأول عام 1948 اندلعت وما زالت تندلع بين فترة وأخرى، «يوم الأرض» على سبيل المثال. لذلك فإن إضافة 30 ألف تصريح عمل جديد إلى الأرقام السابقة، هل يمكنها أن تمنع وتنهي المآسي التي يوقعها المحتل الصهيوني في حياة الفلسطينيين ومستقبلهم؟ الاحتلال هو أس البلاء، وسبب كل المشاكل التي يعاني منها الفلسطينيون، وإذا ما كانت صحيفة «هآرتس» (8/2/2016) قد أشارت إلى أن منح المزيد من تصاريح العمل للفلسطينيين، يمكنه أن يمنع عمليات فدائية ضد الإسرائيليين، فإن ذلك لن يتم التأكد منه، والأخذ به حتى الآن، فأي الأعمال التي يسمح للفلسطينيين العمل بها؟ إن أغلبية الأعمال التي يشغلها الفلسطينيون القادمون من المحافظات الفلسطينية المختلفة، يعمل أغلبهم في البناء والعمار والترميم وفي بناء البنى التحتية، وفي إصلاح الطرق والمجاري، وفي المطاعم والفنادق والمسابح وغيرها، إلا أن كثافة التوجه إلى مهنة البناء والعمار تكتنفها مشاكل عديدة، أوردتها الصحافة الإسرائيلية، حيث ذكرت أن قطاع البناء في الكيان الإسرائيلي، حظي بالاهتمام والمراجعة من قبل الصحافة الإسرائيلية من بينها (هآرتس ويديعوت أحرونوت) في منتصف ديسمبر 2015، إذ سجلت تلك التقارير المنشورة في الصحيفتين وقوع أكثر من ستة آلاف حادث بناء في السنة، حيث أعادت هذه التقارير أسباب ذلك إلى عدم مراعاة إجراءات السلامة في هذا القطاع، كما أنه يعود إلى تراخي الجهات المعنية في الرقابة والمحاسبة والإشراف المستمر على تطبيق الإجراءات المناسبة في هذا المجال. ومما لفت الانتباه أن من أسباب الإهمال، ما أعادته الصحيفتان إلى أن غالبية من يعمل في هذا القطاع، هم من العرب أو من المهاجرين السود أو السمر من إثيوبيا وإرتيريا والسودان وغيرها، أو ممن لا يملكون تأثيرا على جهات حكومية معينة، أي من المهمشين في المجتمع الإسرائيلي. وهذا الأمر يدخلنا في دائرة التمييز العنصري المعشش في هذا الكيان، حيث دللت الكثير من القوانين والإجراءات على أن توجها عنصريا يتنامى ويتفشى في الكثير من التطبيقات.
وإذا ما أردنا التدقيق في هذا المجال، والتذكير في حوادث مؤلمة سابقة، وقعت لعمال فلسطينيين في هذا القطاع، علينا ألا ننسى ذلك الحادث المميت الذي وقع لعامل فلسطيني، ذكر في حينه أنه من نابلس، ساقته ظروف العيش السيئة للعمل داخل ما يسمى «الخط الأخضر»، أي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، أي أنه عمل بدون تصريح عمل بناء رسمي، وعندما سقط عن سقالة أحد الأبنية، لم يجد من يقدم له إسعافات أولية إنقاذية، أو من ينقله إلى أحد المستشفيات أو المستوصفات القريبة؛ لا رب عمله ولا أحدا من المارة، فقضى نحبه. وهذا الأمر يتكرر بين فترة وأخرى، إذ يصل عدد الذين يقعون ضحايا حوادث البناء، بحسب الصحافة الإسرائيلية، إلى أكثر من ستة آلاف حادث. وأشارت التقارير إلى أن 31 عاملا ماتوا ضحية حوادث البناء المتكررة عام 2015.
تاثير المستعمرات
جاء في صحيفة «هآرتس» أن إصابات العمل في قطاع البناء في إسرائيل، وصلت إلى أكثر من سبعة أضعاف إصابات العمل في هذا القطاع ببريطانيا، مع الفارق في المساحة، وفي عدد السكان بين بريطانيا والكيان الصهيوني. وما يجدر ذكره أن نسبة البطالة للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وصلت إلى نحو 37٪، وأن نسبة الفقر بينهم تجاوزت نحو 25٪ نتيجة المنافسات التي أدخلتها المستعمرات الإسرائيلية التي أقيمت في القدس وفي الضفة الغربية، ونافست جميع مناحي دورات الحياة الإنتاجية، ما دفع مئات العمال الفلسطينيين إلى طلب أذونات عمل رسمية لدخول مجالات العمل العديدة، إن كان داخل الخط الأخضر أو خارجه، أي في المستعمرات التي أقيمت على الأراضي التي انتزعت من أراضي الفلسطينيين بأساليب وحيل عدة، مع ما يكتنف الوصول إلى أماكن العمل من إجراءات وتعقيدات على الحواجز الإسرائيلية العديدة والمنتشرة بكثافة – وصل عددها إلى نحو 500 حاجز – ما يمكن أن يعطل رحلات البحث عن عمل، يمكن أن يوفر العيش المغمس بالعرق والمعاناة، وربما الإهانات أو لمزيد الأسف السقوط عن السقالات. وإذا لم يجد الفلسطيني إذنا رسميا للعمل داخل الكيان الإسرائيلي، أو في المستعمرات، فإنه قد يتسلل ويتبع كل الطرق والأساليب، التي قد تكون ملتوية، وصولا إلى أن يجد عملا، وهذا العامل هو الأكثر تعرضا للاستغلال والملاحقات والعمل بأعمال شاقة ورثة، فيها من الأخطار الكثير، ومن بين ذلك (كبسات) رجال الشرطة والاعتقال وربما التعرض للموت، بسبب الإهمال، وعدم تقديم أي مساعدات، في حال تعرضه لأي حادث صحي أو جراء إصابته في العمل. ويمكن القول إن مآسي الفلسطينيين مع الاحتلال، لا يمكن لها أن تحل أو تنتهي بزيادة عدد تراخيص العمل، كون المآسي هي نتاج الاحتلال الإسرائيلي، وهذا يتطلب إنهاء وجود هذا الاحتلال فعليا، وليس في «التشاطر» بتقديم جرعات من «أسبرين» الحلول الاقتصادية التي تقتضي زيادة في عدد تصريحات العمل هذه.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشيخ