لا يبدو ان ظاهرة الإسلاموفوبيا في طريقها إلى التراجع في بريطانيا، بل على العكس، فهي تزيد بشكل ملحوظ خصوصا بعد الاعتداءات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت مانشستر ولندن. فبعد كل عمل إرهابي يسارع المسلمون في بريطانيا إلى إدانة الاعتداء معتبرين الهجمات الإرهابية تستهدف المجتمع البريطاني برمته وهم من ضمنه، ولكن إدانة المسلمين لهذه الهجمات لم تشفع لهم عند بعض البريطانيين.
وحسب احصاءات رسمية أصدرتها بلدية لندن فقد زادت الجرائم التي تستهدف المسلمين في العاصمة البريطانية خمسة أضعاف منذ اعتداء جسر لندن (لندن بردج). وذكر البيان الصادر عن مكتب رئيس البلدية ان «الاحصاءات المؤقتة في 6 حزيران/يونيو تظهر ارتفاعا بنسبة 40٪ في الحوادث العنصرية، بالمقارنة مع المعدل اليومي لهذا العام، حيث أظهرت الأرقام ارتفاعا في الجرائم اليومية ضد المسامين، وهذا يعتبر أعلى معدل لحوادث الإسلاموفوبيا في سنة 2017 بعد هجمات تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس حيث قتل 130 شخصا.
وحذر رئيس بلدية لندن صادق خان قبل أيام، من ان الشرطة لن تتسامح تجاه هذا النوع من الجرائم.
وأضاف «كما ستفعل الشرطة كل ما هو ممكن لاقتلاع التطرف من المدينة، كذلك سوف تأخذ منهجا لا تسامح فيه مع جريمة الكراهية».
ودعا في صفحته على موقع فيسبوك سكان لندن «إلى الاتحاد وارسال رسالة واضحة إلى العالم بأن مدينتنا لن تكون يوما منقسمة بسبب الذين يسعون إلى ايذائنا وتدمير أسلوب حياتنا».
وأصدرت الأجهزة الأمنية والشرطة البريطانية بعض الفيديوهات التي تعلن من خلالها عن كيفية الوصول إلى المساعدة في حال تعرض المسلمون إلى أي خطر أو ردات فعل غاضبة وذلك لحماية المجتمع ككل من أشكال التطرف والتمييز والعنصرية.
«القدس العربي» تابعت بعض المواقف والآراء المتعقلة بتأثير الهجمات الإرهابية في بريطانيا على إندماج المسلمين والحفاظ على هويتهم:
تفكر في نزع الحجاب حفاظا على سلامتها
فاتن عموري، هي واحدة من ضحايا التمييز والعنصرية بعد الاعتداءات الأخيرة تقول لـ «القدس العربي» ان «النساء المحجبات أكثر عرضة للتهديدات والعنف والنظرات غير الطبيعية والمخيفة. للأسف تضررت سمعة المسلمين في البلدان الأوروبية. بسبب الإرهاب قررت بالاتفاق مع زوجي أن أنزع الحجاب خاصة بعدما تعرضت للإهانة والتحرش اللفظي حتى ان أحدهم بصق علي في الشارع فقط لأنني أرتدي اللباس الإسلامي. حاولت أنا وصديقات لي تعرضن للتمييز والتحرش اللفظي وأحيانا الضرب من الخلف ان نضع فوق الحجاب «طاقية» كنوع من الحماية لكن الأمر لم ينجح، لذا رأيت ان من الأنسب ان أتخلى عن الحجاب كنوع من الحماية من أي تهديد أو استفزاز عنصري ضدي وضد بناتي.
الوضع حساس جدا وأولادنا في المدارس أيضا يتعرضون للأذى ويسمعون عبارات تسيء للمسلمين وتطالب بطردهم من بريطانيا».
الانعزال عن المجتمع ليس حلا
وقالت د.فلة لحمر الاستاذة الجامعية والباحثة الأكاديمية من نوتنغهام: «المرأة المحجبة تعكس المظهر الإسلامي، والاعتداء على شكل لباسها أمر وارد بعد أي هجوم إرهابي. إذا كان الشخص قريبا من مسجد معين قد يعتدون عليه خاصة الرجل حين يكون ملتحيا لأنه يلفت انتباههم. حتى ان بعض السيخ من الرجال تعرضوا للضرب لتشابه العمامة التي يلبسون مع المسلمين. المرأة المحجبة والمنقبة خاصة تصبح عرضة للاعتداءات لأنها تمثل الآخر المختلف».
وتضيف: «مع فداحة الجرائم الإرهابية يشعر البريطاني الذي احتضن الآخر ان هذا طعنه في الظهر ولم يعترف به أو يحترمه وهنا يأتي التعميم من البعض على ان الإرهاب سببه مشكلة في الإسلام نفسه. لكن لابد من الاشارة إلى أن هناك متعقلين ويعرفون جيدا ان هذه الفئة المتطرفة لا تمثل المسلمين قط وهي فئة موجودة في كل المجتمعات».
وتطرح د.فلة لحمر بعض الأفكار التي من شأنها حماية المرأة المحجبة وتقول: «على المرأة المحجبة أن تكون مستعدة للاتصال بالشرطة في حال الاشتباه باحتمال تعرضها لاعتداء، ويجب تسجيل هذه الجرائم والتبليغ وعدم السكوت عنها، فهناك قوانين من شأنها ان تضبط ذلك» مشيرة إلى ان الكثير من المسلمين لا يخبرون الشرطة بالحوادث التي يتعرضون لها في الشارع أو العمل أو المدرسة، وترى ضرورة دراسة هذه الظاهرة والتوعية بخطورتها.
السكوت والهروب يزيد الكراهية
وتنصح د. فلة لحمر الأسر المسلمة ان لا تضخم الموضوع لو تم استفزاز أولادها داخل المدرسة. وعندما يتعرض الطفل إلى إهانات أو كلام جارح مثل «أنتم المسلمون اخرجوا من بلادنا لا نريدكم هنا» نحتاج إلى بعض التعقل. يجب على الأسرة ان تعطي الدعم النفسي للطفل ثم تتوجه إلى الجهة المسؤولة في المدرسة لإبلاغها، لأنها حادثة تبدأ صغيرة لكنها قد تصل إلى درجة الجريمة فيما بعد لو تم السكوت عنها وعدم معالجتها. وقد سمعنا العديد من القصص المؤلمة، فبعض المراهقين من طلاب المدارس قاموا بكسر زجاج السيارات أو استعملوا تهديدات لفظية عبر مواقع التواصل أثرت على الطلبة المسلمين.
وفي سؤال حول تأثير الجرائم ضد المسلمين على اندماجهم في المجتمع البريطاني وحفاظهم على الهوية أشارت إلى أنه يجب ان لا يتخلى الإنسان عن مظاهر هويته خوفا من الضرر، فهذا كما تعتقد ليس حلا صائبا ويعتبر هروبا من الواقع. فمن الأجدر الحفاظ على الهوية والتحاور مع الآخر والتعامل مع الحدث بهدوء. «لأننا في النهاية مواطنون وتوجد مكاتب للاستشارات حول ما يجب فعله في هذه الأحداث مثل تجنب الخروج في أوقات متأخرة من الليل». وهي توضح أن الخطر موجود، وهناك فيديوهات تسربت وأخرى مفبركة جرى استعمالها على سبيل النكتة بين الأصدقاء ومن أجل الإثارة، وهي تؤكد على عدم المبالغة في تكبير الخطر.
وتنصح الشباب المسلم في بريطانيا بالالتزام بإحتياطات الأمان دون أن يعني ذلك الإنكماش والانعزال، وان يكون لدينا ثقة في النفس والتفكير دائما بأن هناك معتدين، لكن هناك أيضا مدافعين عن وجودنا كمسلمين.
تهمة الاشتباه جعلت المساجد في شهر رمضان شبه خالية
وقال محمد كزبر نائب رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا «ان هناك تزايدا في الاعتداءات بشكل واضح بعد جريمة مانشستر ولندن وللأسف المسلمون يدفعون ثمن العمليات الإرهابية التي يدعي من قام بها انهم يمثلون الإسلام». مضيفا: «هناك أحداث مستمرة أحيانا تكون متباعدة وأحيانا متقاربة كارسال الرسائل عبر الهاتف أو عن طريق الايميل أو التعدي على بعض المساجد. فالاعتداءات على المساجد تتزايد في لندن وخارجها هذه الأيام، ولاحظنا تناقصا في أعداد المصلين في شهر رمضان الكريم الحالي بسبب الخوف من اعتداءات المتطرفين الذين يريدون الانتقام من كل مسلم تظهر على ملامحه رموز الإسلام كاللباس واللحية والحجاب والنقاب. عادة في شهر رمضان الفضيل من كل عام تكثر زيارة المساجد للعبادة وإقامة صلاة التراويح وتكون المراكز الإسلامية مكتظة بالمصلين، لكننا هذا العام نرى المساجد شبه فارغة وهذا شيء محزن ولكن لا يمكن لوم الناس لأنهم يخافون من ردود الفعل الغاضبة تجاه المسلمين، والجالية المسلمة تخاف أيضا من تهمة الاشتباه خاصة ان عددا كبيرا من المساجد مراقب من قبل السلطات كونها قد تأوي بعض مرتكبي الهجمات الإرهابية».
ويشير إلى أن الجرائم ضد المسلمين تمثل مشكلة في بريطانيا حاليا وهذا راجع إلى الجهل بحقيقة الإسلام وتعميم الصورة النمطية بأنه يتبنى الفكر المتطرف. وأكد على ضرورة الحد من التطرف بكل الوسائل من خلال تغيير هذه الصورة المشوهة في وسائل الإعلام ودعم كل مبادرة من شأنها ان تحد من ظاهرة التطرف الفكري لبعض من يدعون أنهم مسلمون ممن يشاركون في مثل هذه الأعمال الاجرامية والانتباه ان لا ينجر أبناؤنا إلى التطرف الفكري وذلك من خلال التوجيه الصحيح والتوعية من مخاطر التطرف.
التمييز يزيد من ظاهرة التطرف في صفوف الشباب
ويرى دكتور وليد خالد عبد الحميد الاستشاري ورئيس رابطة الأطباء النفسيين العرب في بريطانيا أن الهروب من مواجهة الجرائم ضد المسلمين يجعل الشاب المسلم في عزلة عن المجتمع وقد يؤدي إلى الفشل في الدراسة ويسبب في تطرفه، لأنه يفقد التوازن ولا يرى ان هناك مساواة ويعتقد أنه في حرب معهم وينسى ان المجتمع متنوع. ويقول: «علينا ان نساعد أبناءنا خلال هذه المرحلة كي يحافظوا على هويتهم وعلى صحتهم النفسية في الأساس وعلى اعتدالهم لأنه في النهاية يجب ان يكون مواطنا فاعلا في مجتمعه.
ومن الضروري إجابة أسئلة الأطفال عن الدين والهوية لأنهم لا يعرفون دينهم كما ينبغي، وينبغي ان نتذكر الجانب الإيجابي ولا نركز على السلبي وهذا من العدل والانصاف، وان نعلمهم أن العنصري إنسان جاهل ويعاني من اضطرابات نفسية وكذلك المتطرف فكريا وان الهروب يشجع ظاهرة التطرف أكثر ضد المسلمين».
وأضاف: «ما ذنب أناس يعبرون الجسر ويأتي شخص يقتلهم بكل دم بارد؟ حسب معرفتي البسيطة بالإسلام فما حدث هو ضد المبادئ الأساسية للدين الإسلامي وأي قراءة للقرآن أو للأحاديث النبوية تثبت ان قتل الأبرياء هو جريمة كبرى خاصة إذا تزامن وللأسف الشديد مع حلول شهر رمضان الكريم شهر السلام والصيام والتفرغ للعبادات».
ويعتبر د.وليد ان التطرف موجود، فمثلما نجد في الجالية الإسلامية متطرفين يقومون بأعمال إرهابية قبيحة هناك أيضا متطرفون يمينيون بريطانيون يستفيدون من هذه الحوادث للإساءة للمسلمين وبالتالي يؤدي هذا إلى تطرف بعض الشباب المسلم.
وينصح ان نظهر تسامحنا والجانب السلمي للإسلام وفي حال حدوث الإعتداء نعلم الطفل الحفاظ على الأمان بالإضافة إلى التعقل والدخول في حوار مع المجتمع.
ويتابع قائلا: «يجب عدم تهويل حجم المشكلة، وحسب تجربتي فان البريطانيين شعب مسالم ويحترمون القانون لكن الأشخاص العنيفين على الغالب يكونون تحت تأثير الكحول أو المخدرات، وقلة من المتطرفين تنشر الذعر بسبب الضجيج الإعلامي الذي يبحث عن الإثارة في طبيعته. من الضروري ان نفهم المشكلة بحجمها الطبيعي ويجب ان لا يكون التفاعل مع الحدث انفعاليا، وان يترك الشخص مساحة كافية لحماية نفسه من أي خطر قد يتعرض له، صحيح أن هناك ضغطا نفسيا وتوترا لكن يجب ان نفكر بأن المتطرف ليس إنسانا سويا».
وهو يشجع الشباب المسلم على الحفاظ على الهدوء والتوازن حتى يتم إفشال الجرائم العنصرية، ففي حال حدث اعتداء لفظي يجب ان يأخذ الضحية نفسا عميقا ويحاول العد إلى العشرة ولا يرد ردا مباشرا وسريعا يندم عليه فيما بعد وقد يدخله في تبعات قانونية أو الاشتباك مع شخص لا يستحق ويؤدي إلى آثار جسمية ونفسية خطيرة.
مشيرا إلى أن الدراسات النفسية تؤكد ان الشخص عندما يكون متوترا يفقد بين 40 إلى60 في المئة من طاقته وقدرته على الأداء لذلك من المهم ان يحافظ الشخص على هدوئه دائما.
أرقام
تشهد العاصمة البريطانية لندن ارتفاعا في جرائم الكراهية و«الإسلاموفوبيا» (العداء للإسلام) منذ الهجوم الإرهابي الذي وقع في لندن بردج، حسب بيانات رسمية صادرة عن بلدية لندن.
وقالت البلدية، في بيانات نشرتها بعد عملية الجسر الإرهابية، إن متوسط عدد جرائم الكراهية (بشكل عام) يوميا في العاصمة البريطانية منذ بداية عام 2017 كان 38، ثم ارتفع إلى 54 جريمة يوميا منذ هجوم السبت.
وأضافت أن المدينة كانت تشهد منذ بداية العام الجاري 3.5 جريمة في المتوسط تتعلق بـ«الإسلاموفوبيا» يوميا، ثم ارتفع العدد إلى 20 جريمة يوميا منذ هجوم لندن.
وأصبحت جرائم الكراهية في أعلى مستوياتها في الوقت الراهن مقارنة بالوضع منذ بداية العام الجاري.
وقال رئيس بلدية لندن، صادق خان، في تصريح لصحافيين، إن «هناك زيادة كبيرة في ظاهرة الإسلاموفوبيا وجرائم الكراهية في المدينة عقب هجوم جسر لندن».
ويعيش حوالي ثلاثة ملايين مسلم في بريطانيا من أصل 64.4 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يبلغ عددهم خمسة ملايين ونصف المليون مسلم عام 2030.
وجدان الربيعي