تونس ـ «القدس العربي»: أطلق أخصائيون نفسيون في تونس مؤخرا صيحة فزع إزاء ارتفاع منسوب العنف، وأشاروا إلى ان المجتمع التونسي يعيش ما يسمى بـ»الكآبة الاجتماعية» التي تتمثل ملامحها في ارتفاع منسوب العنف على الطرقات وفي المنازل وداخل الأسر.
وحقيقة الحال فان ارتفاع منسوب العنف الأسري بات ظاهرة تجتاح أغلب مجتمعاتنا العربية خاصة في ظل ما نعيشه من حروب وصراعات محلية، وينعكس ذلك في ازدياد حالات الجرائم والقتل داخل الأسر والتي تتناقلها وسائل الإعلام يوميا، وهو ما لفت نظر الإعلام الغربي على غرار صحيفة «بليك» السويسرية التي جاء في أحد تقاريرها الصادرة مؤخرا أن السياسة الفاشلة لدى بعض الدول العربية اتجهت بالمجتمعات نحو العنف. وأكدت الصحيفة أن حالات القتل تزايدت في جميع أنحاء الوطن العربي دون أن تقدم أرقاما. واعتبرت أن أحداث العنف أصبحت متتالية ومكثفة ولا تقتصر على البيوت وبين أفراد العائلة الواحدة بل بات ظاهرة لافتة في الشوارع في غياب الأمن في كثير من هذه البلدان. واعتبرت الصحيفة أيضا أن موجات العنف ستتزايد في السنوات المقبلة في البلاد العربية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومع حالة السخط العام في المنطقة.
الروائي اللبناني واستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية د. قاسم قاسم قال لـ «القدس العربي» إن الانسان يتربى على عادات وتقاليد تترجم معنى السلوك وهناك سلوك ايجابي وسلبي وكلاهما ناتج عن عدة أسباب أهمها الوضع المادي للأسرة، الوضع البيئي الذي يختلف حسب المنطقة التي يعيش فيها، وأيضا المعاشرة. ويتابع محدثنا: «يقول المثل قل لي من تعاشر أقول لك من انت. وهناك أمثلة كثيرة في مجتمعاتنا وأمراض تتفشى بفعل عنصر العدوى مثل ادمان الكحول، القمار، وغيرها، إضافة إلى الوضع النفسي بشكليه سواء ذلك الناتج عن ضغوط معينة أو الوضع النفسي الناتج عن حالة فردية وهذه الأمور وغيرها تؤدي إلى خلق العنف الأسري.
هشاشة التربية الاجتماعية
الاخصائية النفسية ريم عبد الناظر أوضحت لـ «القدس العربي» ان العنف الأسري من أهم الأخطار التي تهدد استقرار العائلة، ويؤثر بنسبة 80٪ على نفسية الأفراد لاسيما الأولاد وهذا العنف له انعكاسات مدمرة تهدد بانهيار الأسرة وتصدعها. وتشير إلى انه هو نوع من أنواع الصدمات النفسية التي تصيب الفرد والمجموعة. أما عن الأسباب فترجع إلى ثلاثة عوامل: ذاتية اقتصادية واجتماعية. وتضيف «الذاتية نقصد بها ما ينبع من ذات الإنسان وما تربى عليه من عنف داخل أسرته منذ الصغر وما عايشه من مبادئ في بيته فيصبح العنف هو الحل الوحيد في نظره للتعبير عن عدم قبول الرأي الآخر، فعندما يغيب الحوار يصبح العنف الذي يعيشه الطفل داخل عائلته والذي تربى عليه هو الحل الطبيعي حسب هذه التنشئة لحل مشاكله مع المحيطين به وبالأخص مع عائلته المصغرة المستقبلية».
أما عن العوامل التي تودي إلى الأسباب الذاتية فتقول عبد الناظر: «هناك أسباب فيزيولوجية مثل تعاطي الخمور والمخدرات والعاهات الجسمية والعوامل العقلية والنفسية». وأكدت ان العنف في البيت العربي يودي إلى التوتر في العلاقة مع البالغين وانعدام ثقافة الحوار وهذا يقودنا إلى الانحراف وهشاشة الشخصية ما يسهل على بعض الأطراف استقطاب بناتنا وشبابنا في عمر الزهور للإرهاب وإيهامهم بالاستماع إليهم وتصويرهم كأبطال وشخصيات خارقة.
وتوضح الاخصائية النفسية ان الأسباب الاجتماعية لها دور رئيسي في مجتمعاتنا العربية ومنها تنشئة الذكر حسب مقتضيات العادات والتقاليد على ممارسة العنف كطريقة لفرض رجولته بحيث لا يتوسل في قيادة أسرته إلا عن طريق العنف والقوة وهنا نشير إلى الدراسات التي أثبتت ان العنف مرتبط بالعنصر الذكوري أكثر ولكن هذا لا ينفي وجود العنف في صفوف الإناث.
قضايا العنف الزوجي
تجدر الإشارة إلى ان وزيرة المرأة والأسرة والطفولة في تونس نزيهة العبيدي أكدت في جلسة استماع أمام مجلس نواب الشعب مؤخرا ان «حالات العنف المسلط ضدّ النساء والأطفال في تونس وصلت إلى أرقام مفزعة جدا». وكشفت أن قضايا العنف الزوجي وصلت إلى 38 ألف قضية خلال الفترة بين 2011 و2015. كما أشارت إلى أن «حالات العنف الجنسي ضد الأطفال إناثا وذكورا بلغت 301 حالة عنف جنسي سنة 2015 مقابل 262 حالة سنة 2013» وهذه الحالات من العنف الموجه ضد الأطفال في تزايد كبير. وتفيد الاحصائيات المتعلقة بوزارة المرأة التونسية إلى ان 53 في المئة من النساء في تونس تعرضن إلى أحد أنواع العنف خلال الفترة من 2011 إلى 2015 و78.1 في المئة (من هذه النسبة الـ53 في المئة) تعرضن للعنف النفسي، و74.4 في المئة تعرضن للعنف الجنسي، و41.2 في المئة من النساء تعرضن للعنف الجسدي، وفق دراسة ميدانية حول العنف المبني على النوع الاجتماعي في الفضاء العام، أنجزها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة».
في ضرورة المقاربات العلمية
أحلام الكامرجي الناشطة الحقوقية والسياسية التونسية تقول ان ظاهرة العنف الأسري تتفاقم في تونس والعالم العربي وهي ظاهرة اجتماعية خطيرة يجب مقاومتها عبر مقاربات علمية وطرح سوسيولوجي لأن المقاربات المطروحة انطباعية ولا تستند إلى مرجعيات علمية. وعن أسباب تفاقم الظاهرة تضيف: «من المؤكد ان المناخ العام الذي نعيشه له تأثير على سلوكيات الفرد، فالإنسان يتأثر بالمحيط وكما نرى فان المحيط مشحون بأجواء العنف والصراعات السياسية والمجتمعية».
وتشير إلى ان البعد الاقتصادي من العوامل التي تؤدي إلى العنف وتضيف: «أغلب المشاكل الزوجية أسبابها اقتصادية مثل ضعف المقدرة الشرائية للأسرة أمام تزايد التحديات المطروحة من مشاكل السكن والنقل وهذا كله ينعكس على المزاج ويجعل العلاقات تتوتر وهي تلقي بظلالها على الطفل أولا ثم تتدحرج مثل كرة الثلج. واعتبر ان العنف مرض معد ووباء يجتاح مجتمعاتنا لأنه عندما تتوتر العلاقة الزوجية فذلك يؤثر على الصحة النفسية للأطفال. وأعتقد ان استراتيجية دولنا ضعيفة ومؤسساتها لا تعطي للبعد النفسي اهتماما كبيرا وما زالت تستعمل أساليب مادية بدائية في التعامل مع هذه الظواهر» . وتتابع: «اعتقد ان مشاريع التوعية ضد العنف مناسباتية وتتم في أغلب الأحيان دراسة هذه الظواهر من قبل المختصين النفسيين في نزل مغلقة في حين ان مواجهة العنف الأسري هو عمل دؤوب يتطلب تغيير العقليات وهي المهمة الأصعب».
اغتراب وصراع فكري ونفسي
ولفتت كامرجي إلى ان العنف بات ظاهرة مشتركة بين كل المجتمعات العربية. وتؤكد ان هناك ثقافة مبنية على العنف وهناك اشكال اليوم بين الحفاظ على الموروث الثقافي من جهة وتحديات التطور بشكل يستجيب لمتطلبات العصر من جهة أخرى. وتضيف: «ان المقاربة والمراوحة بين الأصالة والتفتح عمل تلزمه منهجية علمية حتى نخلق إنسانا متصالحا مع نفسه، ونجد ان الشباب يعيش حالة اغتراب لأنه يلقى نفسه ممزقا بين هاجس الحفاظ على هويته وبين الانفتاح ومواكبة روح العصر».
كما أشارت إلى ان العنف السياسي المتفشي في العالم العربي والصراعات والحروب المسيطرة، كلها تنعكس بشكل مباشر على الأسر وهنا يجب ان تتحمل النخب مسؤولياتها في التوعية ضد العنف من خلال الأعمال الثقافية وغيرها لأنها سلاح فكري ضد تفاقم ظاهرة العنف على اختلاف أنواعها ومسبباتها. لكن للأسف النخب دورها تراجع وهي بدورها دخلت في مهاترات سياسية وسجالات عقيمة.
مسببات اقتصادية
ويوضح الباحث والمحلل الاقتصادي الأردني مازن ارشيد في حديثه لـ «القدس العربي» المسببات الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في ازدياد حالات العنف الأسري ويقول: «اننا نعيش في أصعب الأوقات الاقتصادية، والاحصائيات تتوالى حول تزايد حوادث العنف الأسري وحالات الانتحار وغيرها من الحوادث الاجتماعية». ويضيف: «بالتأكيد لا يمكن الجزم بأن العامل الاقتصادي وحده المسبب الأساسي لارتفاع حالات العنف الأسري، لكنه عامل مهم وخطير. فمن الطبيعي عند تردي الأحوال المعيشية والاجتماعية فإن هذه الضغوط عادة تظهر على السطح على شكل عنف سواء كان عنفا مجتمعيا أو أسريا.
والعكس في أوقات الرخاء الاقتصادي فإن حالات العنف الأسري تتراجع بشكل أكبر، إذ ان من الطبيعي ان تراجع الضغوط الاقتصادية يلعب دورا في تحسين نفسية الفرد وبالتالي نفسيات الأسرة والمجتمع ككل». وقال: «سوء الوضع الاقتصادي مثلا يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة ولنا ان نتخيل الوضع المعيشي البائس لعائلة ما بلا مورد مالي مستمر ومنتظم. بالتأكيد ان هذه الضغوط سوف تظهر على السطح من خلال الاستخدام الزائد للعنف أو من خلال ما يسمى بالعنف الجسدي واللفظي».
ويرى ان الاقتصاد هو عصب الحياة. ولا يمكن في أي حال من الأحوال فصل الحياة الاجتماعية عن الأوضاع الاقتصادية للمجتمع. ولذلك من الأفضل ان يبدأ الاصلاح الاجتماعي جنبا إلى جنب مع الاقتصادي. وأضاف: «مثلا في الأردن معدل البطالة عند أعلى مستوياته التاريخية، حوالي 16 في المئة، وارتفاع معدل العنف الأسري خلال السنوات الأخيرة مرتبط بشكل أو بآخر بتردي الوضع الاقتصادي».