تصريحات دونالد ترامب وأفعال الزعماء الغربيين

حجم الخط
0

خطبة المرشح الجمهوري اللاذعة تجاه المسلمين التي طالب فيها بحرمان المسلمين من دخول الولايات المتحدة الأمريكية ليست جديدة في عالم السياسة الحديث. صحيح أنها عنصرية و مثيرة للنزاع و العداوة و البغضاء و لكن ألم يتحمل المسلمون بلاءات و قساوة العنصرية البغيضة منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر و لماذا استغرب العرب و المسلمون هذه التصريحات و قد سبقه فيها نتنياهو و من دعم نشر الكاريكاتيرات اللاذعة بحق الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و ريئس الوزراء المجري الذي طالب بوضع حد لهجرة المسلمين للحفاظ على أوروبا المسيحية.
و هل لاحظ أحد نفاق المسؤولين الغربيين و استنكارهم لهذه التصريحات و آخرها اعتبار وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تصريحات دونالد ترامب بأنها تشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي. منذ متى كانت التصريحات أشد قسوة من الأفعال. أنا شخصيا ممتن للسيد ترامب بالتعبير عن مشاعره تجاه المسلمين و لا غرابة في الثناء على المجتمع الأمريكي بشكل خاص و المجتمعات الغربية بشكل عام لاحترامها لحرية الرأي و الكلمة و التعبير و اعتبارها غير قابلة للتفاوض. المرشح الجمهوري عبر عن كراهيته للمسلمين علانية و دون تحيز أو خوف أو مجاملة و لكن ماذا عن زعماء العالم الغربي الذين يتظاهرون بالمودة والصداقة للمسلمين و في باطنهم شيء آخر و أعمالهم تخالف أقوالهم.
أولا دعونا نأخذ رد فعل رئيس الحكومة البريطانية التي اعتبر فيها تصريحات ترامب بأنها خاطئة و مثيرة للانقسام و غير مفيدة و في الوقت نفسه أيد حزبه و بأغلبية أعضائه التدخل الجوي بحجة ضرب معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا و قبلها أيد و بحماس التدخل العسكري في العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل و تغيير نظام الرئيس السابق صدام حسين و ما تلاه من نزاعات دموية طائفية و عرقية و دينية ماثلة للعيان حتى اليوم ساعدت و بشكل مباشر في اقصاء الأغلبية السنية و اقصاء الآلاف من البعثيين و إلى تشكيل نواة الدولة الإسلامية في العراق و بلاد الشام و التي تنبأ بها سلفا الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن منذ عام 2007.
و الجدير بالذكر بأن كاميرون رفق إدانة حرب اسرائيل الأخيرة على غزة و أيد حق اسرائيل بالدفاع عن النفس. بالنسبة لقادة الولايات المتحدة و تنديدهم بتصريحات ترامب فردود أفعالهم ليست الا ذر رماد في العيون. مواقف الولايات المتحدة منذ نشوب الصراع العربي الإسرائيلي تندى لها جبين الإنسانية. أمريكا استخدمت حق الفيتو أكثر من ستين مرة دعما لحليفتها اسرائيل و آخر مرة عند التصويت ضد وضع سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الغاشم للأراضي الفلسطينية المحتلة و إقامة دولة فلسطينية مستقلة بجوار دولة إسرائيل و على خطوط الرابع من حزيران/يونيو عام 1967 و وقف الاستيطان و الالتزام الكامل باتفاقية أوسلو الموقعة برعاية أمريكية و دولية. ما كان المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي ليتم بهذه الوتيرة لولا الدعم الأمريكي اللامحدود. الشعب الفلسطيني واجه حربا شرسة لاستئصاله عن أرض الأجداد و الآباء و تهجيره و طمس هويته و سحق إرادته و انكار حقوقه المشروعة بالحرية و الاستقلال و الأمن و السلام و الحياة أسوة بشعوب العالم. و لا يزال الشعب الفلسطيني يتعرض كل يوم لنكبة لا تقل عن النكبة الأولى يوم بدأ الغزاة باستعمار أرض فلسطين التاريخية بتواطؤ الدول الاستعمارية آنذاك، التواطؤ المستمر حتى يومنا هذا. الولايات المتحدة و بريطانيا و غيرهما الداعمون لإسرائيل بالسلاح و المال مشاركون بأشكال مباشرة و غير مباشرة في الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يأل جهدا في غطرسته و استهدافه للمدنيين العزل و النساء و الكهول و الأطفال في جرائم ضد الإنسانية شهدناها في قطاع غزة بأكثر من ألفي شهيد و آلاف البيوت و الأحياء السكنية المدمرة و شاهدناها في اعدامات ميدانية و استيطان و سلب للأراضي و الممتلكات و المياه و حرق للأطفال و العائلات و احتجاز لجثامين الشهداء و سرقة أعضائهم، و لم نسمع كلمة تنديد واحدة من أوباما و كيري إلا دعوات لضبط النفس و تصريحات داعمة لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس ضد التهديد الوجودي لها بالبقاء و الحياة. و لما ما زال في غفوته أتى الفيتو الأمريكي برفض وضع سقف زمني للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين و كأن أمريكا تقول لإسرائيل بأن تستمر في سياساتها العنصرية و الاستيطانية و التشريدية و الممارسات غير الشرعية و غير القانونية من احتلال و استعمار و استيطان و تهجير و حرق أرواح بريئة و تشريد و حصار و جدار و سحق للكرامة الانسانية.
هذا كله عدا عن سياسات أمريكا في العراق و تقسيمهم الفعلي للعراق على أسس طائفية و سعيهم لتقسيم سوريا (سوريا عمليا مقسمة تسيطر الدولة الإسلامية على أجزاء كبيرة منها و تسيطر جبهات متناحرة كالنصرة و أحرار الشام و الأكراد و الجيش الحر و القوات السورية النظامية و الجيش الروسي و أكيد مرتزقة من بريطانيا و كولومبيا و أمريكا) على أجزاء أخرى. إذا هل ما يزال أحد يصدق استنكار الساسة الغربيين لتصريحات ترامب العنصرية و لكن صريحة تجاه المسلمين في حين أفعالهم في الواقع استعمارية استيطانية داعمة للاحتلال و المشاريع الظلامية لا تهدف إلا لوأد الثورات النبيلة من أجل الحرية.

د.منجد فريد القطب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية