تصريح بلفور غرس بذور الاستعباد القومي للشعب الفلسطيني

حجم الخط
1

تصريح بلفور الذي مر عليه 100 عام يعبر بصورة بارزة ليس لها مثيل عن التناقض الداخلي والأخلاقي العميق بين الأهداف والوسائل، التي كانت متجسدة في التاريخ السياسي الصهيوني منذ سقوط الامبراطورية العثمانية. الهدف السياسي للحركة الصهيونية ـ تحقيق تقرير مصير قومي لليهود في منطقة اعتبرت في نظر اليهود وكثيرين من غير اليهود محط نظر للشعب اليهودي ـ كان من دون شك جديرا ومحقا. الحكومة البريطانية أسهمت في تحقيق هذا الهدف إسهاما جوهريا، عندما أعلنت دعمها لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل.
إلى جانب ذلك، وربما أكثر من أي حدث آخر في تاريخ الصهيونية، يعبر تصريح بلفور عن الظلم الشديد نحو أبناء البلاد الفلسطينية، التي كانت الطريق لتحقيق الأهداف السياسية للصهيونية مرتبطة به. الشعب اليهودي في أرض إسرائيل/فلسطين كان يعد في سنة 1917 نحو 56 ألف نسمة، أقل من 10 من مئة من مجمل سكان البلاد. وبالتحديد هو حظي بتعهد صريح لتحقيق حقوق سياسية قومية، مهما كانت صيغة التعهد (بيت قومي) ضبابية.
سكان البلاد العرب، الذين كانوا يشكلون الأغلبية في البلاد في ذلك الوقت، اعتبروا في التصريح تجمعا لطوائف، وكان عليهم الاكتفاء بحقوق دينية ومدنية شخصية. فعليا، طُلب من عرب إسرائيل الموافقة على تجميد حقوقهم الأساسية الديمقراطية لتشكيل مصيرهم ومستقبلهم، من أجل تمكين النمو الديمغرافي للمجتمع السكاني اليهودي. كما طُلب منهم أيضا التسليم بتحويلهم من أغلبية إلى أقلية في وطنهم، في أعقاب هجرة يهود العالم إلى البلاد، وهي عملية من دونها فإن مفهوم «وطن قومي للشعب اليهودي» كان عديم المعنى.
ليس هناك شك أن بذور الاستعباد القومي للشعب الفلسطيني، الذي يتواصل حتى الآن، تم زرعها في أرض إسرائيل/فلسطين مع تصريح بلفور. ولكن بصورة متناقضة، في ذلك التصريح نفسه تتجسد أيضا الإمكانية الكامنة لإصلاح الخطأ. إن أمل الصهيونية ما بعد الحرب، الذي عُبر عنه بصورة صريحة في أحد المطالب التي عرضت أمام لجنة السلام في فرساي في «بيان كوبنهاجن» للهستدروت الصهيوني العالمي في تشرين أول 1918، كان «تشكيل أرض إسرائيل وطنا وطنيا للشعب اليهودي». وعد بلفور تضمن صيغة أكثر تواضعا ـ إقامة وطن قومي في (داخل) أرض إسرائيل ـ وفعليا تمت الإشارة بهذا إلى أن لِحق تقرير المصير لليهود في البلاد ستكون هناك حدود.
مؤسس الصهيونية الروحية أحاد هعام الذي كان يعمل مستشارا في الخفاء لحاييم وايزمن أثناء بلورة تصريح بلفور ـ الذي عرف بخوفه الشديد على الهيئة الأخلاقية للشعب اليهودي في عهد الصهيونية ـ كان من أوائل الذين شخصوا في تصريح بلفور البذرة التفسيرية التي تمكن رسم مستقبل قومي متساو من أجل شعبي البلاد.
هكذا اقترح قراءته في 1920: «على ما يبدو، تعتقد الحكومة (البريطانية) أن الشعب الذي جاء فقط باسم القوة الأخلاقية لحق تاريخي لبناء وطنه القومي في البلاد والمسكونة حاليا من قبل آخرين، وليس هنالك هوة كبيرة ولا أسطول عظيم يقف خلفه «ليثبت أحقيته» ـ شعب كهذا ليس لديه سوى ما يعطيه إياه حقه بأمنة وعدل، وليس ما يأخذه محتلو العالم لأنفسهم بالقوة ويخترعون لهم «حقوقا» مختلفة للتغطية على أعمالهم. وحق تاريخي لشعب بالنسبة لبلاد مسكونة من قبل آخرين ليس تفسيره سوى: «الحق في العودة والاستيطان في أرض آبائنا، وفلاحتها وتطوير قواها من دون إزعاج (…) ولكن حقه التاريخي هذا لا يلغي حق أولئك الساكنين في البلاد، الذين يأتون ويدعون باسم الحق الواقعي للسكن والعمل في الأرض منذ أجيال طويلة. أيضا هؤلاء، هذه البلاد هي وطنهم القومي في الوقت الحاضر ومن حقهم تطوير قواهم القومية بقدر استطاعتهم. هذا الوضع يجعل من أرض إسرائيل مكانا مشتركا لشعوب مختلفة، يحاول كل منهم أن يبني هناك وطنه القومي» (من مقدمة لطبعة جديدة لـ «على مفترق طرق»).
إن تفسير ثنائية القومية من قبل احاد هعام لتصريح بلفور أثرت جدا في أعضاء الجناح الراديكالي لجمعية «حلف السلام» (1925 ـ 1933)، الذين أيدوا إقامة دولة ثنائية القومية يهودية ـ عربية في أرض إسرائيل. أيضا اليوم فإن مبدأ ثنائية القومية، الذي يقضي بأن تكون أرض إسرائيل/فلسطين مكانا مشتركا لوطنين قوميين ـ ما زال ساري المفعول وضروريا لتأمين مستقبل قوميتي البلاد. ولكن بعد أجيال من الصراع الدامي، وقمع مدني وقومي للفلسطينيين من قبل إسرائيل ـ فإن الصورة الممكنة المرغوبة الوحيدة لتحقيق هذا المبدأ هي في هيئة دولتين لشعبين.
مثل ثنائية القومية على صيغة أحاد هعام ورجال «تحالف السلام»، أيضا ثنائية القومية لحل الدولتين الحالي، مرتبطة من دون شك بالطبقة العميقة لوعد بلفور، الذي برغم توجهات التجاهل الواضحة للحقوق القومية للعرب الفلسطينيين، تضمن أساسا مهما ليس له مثيل: الوطن القومي اليهودي لا يشمل كل البلاد، بل يُنشأ داخلها، وهذا يعني ـ على جزء منها. هذا الأمر يعطي لتقرير المصير اليهودي تفسيرا أخلاقيا، لأن تحقيقه لن يكون مقرونا في السيطرة على مجمل سكان البلاد بل داخل حدود السيادة داخلها.
من هنا، فإنه عندما يؤيد إسرائيليون اليوم انتهاء الاحتلال وتقسيم البلاد إلى دولتين فإنهم يشكلون مواصلي الدرب المخلصين للمبدأ ذاته، الذي هو جوهري في تصريح بلفور، بشأن الطابع الجزئي لتقرير المصير اليهودي في البلاد. بالمقابل فإن رجال الزمرة القومية العنصرية، الذين يقفون اليوم على رأس دولة إسرائيل ويسعون إلى تحويل أرض إسرائيل بكاملها لدولة أسياد يهود وعبيد فلسطينيين ـ يزعزعون من دون توقف الأساس الحيوي هذا للتصريح البريطاني. بهذا فإنهم يعرضون للخطر شرعية تقرير المصير لإسرائيل الذي ينبع بدرجة حاسمة من تلك الفكرة لوطن قومي جزئي ومحدود، والتي طرحت للمرة الأولى في تصريح بلفور قبل مئة سنة.

ديمتري تشومسكي
هآرتس ـ 2/11/2017

تصريح بلفور غرس بذور الاستعباد القومي للشعب الفلسطيني
إصلاح الظلم يتم من خلال رسم حدود دولة إسرائيل على قسم من تلك الأرض
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية