تصعيد بلا كوابح

حجم الخط
0

الآن نحن في سقوط حر في غزة. بلا مظلات، بلا وسيط، بلا حوار، فقط نار. في الظروف التي نشأت في اليوم الأخير، لن تتوقف هذه النار إلا عندما يرفع أحد الطرفين الأيدي. بكلمات أخرى: عندما يرضى الجهاد الإسلامي فيقرر وقف النار.
منذ ما بعد ظهر أمس أعلن الناطق بلسان الجهاد في القطاع بأنه ليست لإسرائيل مصلحة في القتال. وتنقل قنوات التلفزيون الفلسطينية البث المباشر من إسرائيل والذي يظهر فيه مواطنون إسرائيليون فزعون يركضون بحثاً عن مأوى. من ناحية رؤساء حماس والجهاد في غزة، هذا منذ الآن انجاز يمكنه أن يبرر وقف النار. غير أنه ليس في إسرائيل أية نية للسماح لـ«حماس» بإطلاق الرصاصة الأخيرة. ففي المداولات التي أجراها وزير الدفاع أمس مع هيئة الأركان تلقى الجيش الاذن بالاستعداد لكل امكانية: من تشديد في قوة النار المستخدمة ضد قطاع غزة حتى الدخول البري. وتشديد قوة النار يمكن أن يجد تعبيره في هجوم جوي مكثف يستمر بضعة أيام ضد ما يسمّى بنى تحتية لـ«حماس» بما في ذلك بنى تحتية تحت أرضية في عمق القطاع. معنى مثل هذا الهجوم هو نشاط جوي مسلح ضد إحدى المناطق الأكثر كثافة في العالم، فيما ليس للسكان المحليين حق إلى أين يفرون. الضرر المحيطي والثمن بحياة الانسان سيكونان وفقاً لذلك، ولكن الكلمة الاخيرة تقولها إسرائيل. هذا هو القرار في جهاز الامن بالتشاور مع رئيس الوزراء: لا تتركوا أي طعم نصر للطرف الآخر. هذه أيضاً فرصة لصد موجة الإرهاب الشعبية على الجدران، والذي أصبح في الاشهر الثلاثة الاخيرة نمط حياة خطيراً.
هكذا تندلع الحروب في الشرق الاوسط. في كانون الثاني/يناير هاجمت إسرائيل نفقاً فقتلت 14 من الجهاد الإسلامي. في حينه طلبت حماس من الجهاد الإسلامي لجم رد فعل. أما أول أمس، حين قتل الجيش الإسرائيلي ثلاثة من رجال الجهاد الإسلامي على الحدود، فقد صرنا في أوبيرا أخرى. فمنظومة التوازنات في مثلث إسرائيل ـ مصر ـ حماس قضت نحبها. وإلى داخل هذا الفرغ اجتذبت إيران، مع مصلحة واضحة في انعدام الاستقرار في قطاع غزة. فما بالك ان الجهاد الإسلامي، مثل حزب الله، هو أداة عمل ناجعة في أيدي إيران.
في اللحظة التي بدأت فيها «مظاهرات كسر الحصار» في القطاع، انهارت عمليا كل التفاهمات والتوافقات الشفوية التي ولدت بعد حملة الجرف الصامد. وصعدت إسرائيل وحماس إلى طريق الحرب. في الاسابيع الاخيرة، منذ مسيرة «يوم النكبة» حين قتل 62 فلسطينيا على الجدار حاولت مصادر في إسرائيل خداع الجمهور بعناوين عن هدنة مقتربة، عن خطة إعمار دولية تقف إسرائيل في مركزها. ولكن كل شيء بقي على الورق.
واستهدفت العناوين الرئيسة هدفاً واحداً فقط: خدمة ما يسمّى في اللغة الدبوماسية «لعبة الاتهامات» لبناء حجة غبية للفشل. أحد الادعاءات هو أن حماس غير مستعدة لقبول صفقة رزمة انسانية تتضمن الاسرى والمفقودين.
وطالبت بصفقة منفصلة للجثث تتضمن تحرير سجناء بما في ذلك 50 من محرري صفقة شاليط ممن أُعيدوا إلى السجن. هنا إلى هذا الحد أو ذاك انتهت المفاوضات وبدأت الحرب. مثلما في الجرف الصامد ومثلما في حرب لبنان الثانية، فإن المعركة الحالية في غزة هي حرب تجر الطرفين إلى داخلها. اليوم الاول هو مثال واضح على هذا الانجرار. فقد بدأ الجهاد الإسلامي باطلاق 30 قذيفة هاون، باقرار حماس. وفي ظهر اليوم انضمت حماس إلى اطلاق النار كي لا تبقي الحظوة على القتال للجهاد الإسلامي وحده. وفي سياق اليوم جاءت موجة نار الصواريخ وقذائف الهاون والتي تضمنت ضمن أمور أخرى إطلاق نار باتجاه عسقلان وأوفكيم. بدأ الجيش الإسرائيلي يعالج أهداف الجهاد الإسلامي وواصل الضرب من الجو في قلب البنى التحتية العسكرية لحماس بما في ذلك نفق دمر، هو العاشر في عدده منذ بداية السنة.
معقول الافتراض بأننا بسرعة شديدة سننتقل أيضاً إلى الاحباطات المركزة بقيادة حماس وبالمقابل، إلى نار بعيدة المدى من غزة نحو الجبهة الداخلية لإسرائيل، بما في ذلك محاولات اقتحام الجدار وتنفيذ عمليات داخل الاراضي الإسرائيلية. وبالتوازي سيبذل جهد لفتح جبهة أخرى في الضفة. إن الصدمة التي تحاول إسرائيل الآن إلقاءها من الجو يفترض أن تحدث في حماس ذات الاثر الذي خلقته موجة القتلى على الجدار في يوم النكبة: ضربة شديدة بشكل خاص لقدراتها العسكرية، ولا سيما لبناها التحتية المركزية لانتاج السلاح، لدرجة التهديد بقبضتها على السلطة. ان القوة العسكرية لـ«حماس» هي أحد المراسي التي تسمح لها بالسيطرة في القطاع والوقوف في وجه رام الله. في المرحلة التالية من الهجمات معقول الافتراض بأن إسرائيل ستهاجم أيضاً مؤسسات الحكم. أين ستكون نقطة التوقف فليس واضحا بعد. من الجولان السابقة تعلمنا أن لـ«حماس» يوجد طول نفس لا بأس به.

يديعوت 30/5/2018

تصعيد بلا كوابح

اليكس فيشمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية