تصويب الخطاب السياسي ـ تعميم الإدانة خطأ سواء ضد اليهود أو المسلمين

حجم الخط
2

أطلق الكاتب عبد الرحمن الراشد، وكان آنذاك رئيس تحرير جريدة «الشرق الأوسط»، مقولته الشهيرة: «ليس كل المسلمين إرهابيين ولكن معظم إرهابيي العالم اليوم من المسلمين». ونستطيع أن نعيد صياغة العبارة بالنسبة لليهود ونقول، ليس كل يهود العالم من مؤيدي ممارسات إسرائيل الدموية والمذابح التي ترتكبها، ولكن غالبية الذين يمارسون هذه المذابح والقتل من اليهود في إسرائيل.
ونود أن نصوب الخطاب ونقول ليس كل اليهود أعداء ولا اليهودية دينا إرهابيا يقبل الظلم والقهر والاضطهاد، ولكننا ضد أولئك اليهود الذي اغتصبوا فلسطين وسكنوا في أراضي الفلسطينيين وأخرجوهم من ديارهم بغير حق، ولاحقوهم بالقتل والتشريد والسجن والعقوبات الجماعية، وكذلك ضد من يناصرهم ويدعمهم ويقويهم، ويمدهم بالسلاح والمال والمتطوعين والخبرات والتشويه الإعلامي وتعميم الأكاذيب، حتى لو كانوا من العرب والمسلمين. هؤلاء يشكلون جيشا كبيرا في كل العالم ولا يجمع بينهم لا الدين ولا العرق ولا اللغة ولا الثقافة، بل أيديولوجيا تسمى «الصهيونية».
لذا يجب أن نشير إلى ضرورة تصويب الخطاب، فليس كل يهودي عدوا للعرب والفلسطينيين. وعندما نستخدم كلمة إسرائيل نقصد بها تلك الغالبية المنتمية للفكر الصهيوني القائم على الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها الأصليين منها، وبالتأكيد نستثني منها قلة قليلة من اليهود غير الصهاينة، بالإضافة إلى أهلنا وإخوتنا المليون وثلاثة أرباع المليون من الفلسطينيين العرب من مسيحيين ومسلمين، وهم شاؤوا أم أبوا، بعرف القانون الدولي والمحلي، يحملون الجنسية الإسرائيلية ويسافرون بجواز سفر إسرائيلي، لكنهم ضد ممارسات الدولة، بل يناضلون ضد عنصريتها وشراستها وإرهابها عندما يتعلق الأمر بحقوقهم وبما يلحق بإخوتهم الفلسطينيين من ظلم وقهر وتقتيل. فكما أن ليس كل مسلم إرهابيا ليس كل يهودي عدوا، وكما أن ممارسات بعض المسلمين لا تحسب على الإسلام، فإن ممارسات ما يقوم به الصهاينة داخل إسرائيل وخارجها لا يحسب على اليهودية، لذلك ندعو إلى تصويب الخطاب والتفريق بين اليهود بشكل عام ويهود إسرائيل من الصهاينة، الذين يمارسون القتل ويرتكبون جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ضد الأبرياء من الفلسطينيين والعرب ومن يقف معهم من صهاينة عالميين، بمن في ذلك بعض العرب والمسلمين. وكم لنا من أصدقاء وطلبة وناشطين يهود يشاطرون العرب منابرهم ونشاطاتهم وهمومهم ضد الدولة الباغية الظالمة التي تقود في ما تقود اليهود أنفسهم إلى حرب طويلة لا نهاية لها، ما دام هناك حق مغتصب وشعب مشرد وأرض مسلوبة.

التعميم خطأ مزدوج يرتد إلى نحر المسلمين

تعجبت أثناء زيارتي لفلسطين المحتلة من حدية الخطاب الديني الذي نسمعه من أئمة المساجد في صلواتهم وأدعيتهم، خاصة في شهر رمضان. تشمل أدعيتهم أن يرحم الله كل المسلمين وينصرهم ويعذب اليهود كل اليهود ويهزمهم، بل ذهب أحدهم ليشمل بلعناته النصارى. وقد استفزني دعاؤه كثيرا فذهبت بعد الصلاة أوضح أن هذا الخطاب إنما يخدم الدعاية الصهيونية، بأن المسلمين معادون لكل اليهود وكل المسيحيين من منطلقات دينية، وعلينا أن نفرق بين يهودي يقف مع الحق الفلسطيني وآخر يصوب مدفعه إلى رأس طفل فلسطيني فيفجره. والغريب في الأمر أن الشيخ نفسه أثناء خطبة جمعة لاحقة أثنى على مواقف الدول التي انتصرت للحق الفلسطيني وسمى بعضها مثل، فنزويلا وغواتيمالا وجنوب أفريقيا، صارخا لماذا لا يحذو العرب والمسلمون حذو هذه البلاد، التي لا يجمعها مع الفلسطينيين لا الاسلام ولا العروبة. قلت له إذا ارتكبت داعش جريمة بحق المسيحيين في الموصل فهل هذه جريمة يقبل بها الإسلام؟ هل ندين المسلمين كلهم بلا استثناء أم ندين من ارتكب الجريمة؟ قال بل من ارتكب الجريمة وليس للإسلام دخل في ما يفعل هؤلاء المجرمون. فقلت له ما ينطبق على المسلمين ينطبق على اليهود. فاليهودي الذي لا يحمل سلاحا يقاتلنا ولا يدعم سياسات إسرائيل الإجرامية فلماذا نصنفه عدوا؟ وسأستعرض في هذا المقال نماذج من أفراد وجمعيات يهودية انتصرت للحق ووقفت مع الضحية وتعرضت للضغط والشتم والمطاردة، ومع هذا ظلت صامدة في وجه عتاة الصهاينة من يهود وغير يهود.

أصوات يهودية شريفة مناهضة
للصهيونية ومناصرة للحق العربي

نحن الذين نعيش في الساحة الأمريكية نعرف ما معنى أن يقف يهودي معروف بوزن نعوم تشومسكي وينتصر للحق العربي ويقف بالمرصاد للممارسات الصهيونية في إسرائيل وخارجها التي تهدد المصالح الأمريكية. وسيظل كتابه «المثلث القاتل» الذي نشره عام 1983 حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية الفلسطينية وانحياز الإعلام الأمريكي لصالح الرواية الإسرائيلية، علامة فارقة في فضح التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، مستخدما كنموذج حرب 1982 في لبنان. وقد تم تحديث الكتاب عام 1999على ضوء الانتفاضة الفلسطينية والتطورات الميدانية. تشومسكي أحد المحاربين الأشداء دفاعا عن حقوق الفلسطينيين، والعمل المستمر على إثبات أن إسرائيل عائق كبير للولايات المتحدة في تطوير علاقات إستراتيجية مع المنطقة العربية، وأن الولايات المتحدة هي التي تمنع قيام دولة فلسطينية تلبية لرغبة إسرائيلية وليس لمصلحة أمريكية.
أما نورمان فنكلستاين فهو جيش في رجل. يقف أحيانا وحيدا في مواجهة اللوبي الصهيوني، وقد نشر العديد من الكتب حول الصهيونية وأخطارها، وأهم كتبه على الإطلاق «صناعة الهولوكوست» (2000) الذي جاء وثيقة تاريخية لكيفية استخدام جريمة المحرقة غطاء لتغطية الجرائم التي ترتكبها إسرائيل الصهيونية ضد العرب والفلسطينيين من جهة، ولاستدرار التعاطف الغربي والاستمرار في ابتزازهم من جهة أخرى. وكتابه عن حرب غزة 2008-2009 «هذه المرة ذهبنا بعيدا». وكتابه المهم «ما وراء الوقاحة: في إساءة استخدام معاداة السامية والإساءة للتاريخ».
وكتابه الآخر عن الانتفاضة الفلسطينية «قيام فلسطين وانهيارها» و»الصورة والحقيقة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني» وغيرها الكثير من المقالات والمحاضرات والمقابلات.
لقد دفع ثمنا غاليا ورفضت جامعة دي بول التي يدرس فيها في ولاية إلنوي منحه عقدا دائما فاضطر أن يتركها. ومن الشخصيات اليهودية المهمة في الساحة الأمريكية الكاتبة والأكاديمية فيليس بنيس التي عاشت أيام الانتفاضة الفلسطينية وكتبت عدة كتب عنها، وما زالت إلى الآن تحارب ضد الصهيونية وممارسات الدولة الإسرائيلية المشينة ضد الفلسطينيين. وأهم كتبها: «من الحجارة إلى الدولة – الانتفاضة الفلسطينية» المنشور عام 1990. ومن كتبها المهمة «تحدي الإمبراطورية – كيف تتحدى الشعوب والحكومات والأمم المتحدة الولايات المتحدة الأمريكية» (2006).
ومن الشخصيات اليهودية المهمة الشابة آنا بلاتزر، التي ذهبت في جولة استكشافية في الضفة الغربية فرأت على أحد الحواجز امرأة فلسطينية على وشك أن تضع مولودها ومنع الحاجز الإسرائيلي سيارة الاسعاف من الاجتياز فولدت على الحاجــــز وتوفـــي المولود، فانقلبت تماما ضد الممارسات الإسرائيلية وأعـــدت الكثـــير من الوثائق والأفلام عن انتهاكــــات حقوق الفلسطينيين، وأنشأت موقعا شبكيا مهما بعنوان: «لو يعرف الأمريكيون» الذي اصبح من أهم مواقع نشر الحقائق عما تقوم به إسرائيل من انتهاكات».

المنظمات المناصرة للحق والسلام
بين إسرائيل والفلسطينيين

كثيرة هي المنظمات اليهودية المناهضة للاحتلال والممارسات الإجرامية التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية. وللعلم فإن معظم هذه المنظمات تؤيد حق إسرائيل في الوجود وحق الفلسطينـــيين في دولة مستقلة، ما عدا جماعة ناطوري كارتا (حراس المدينة) التي تدعو إلى تفكيك دولة إسرائيل، باعتبارها مخالفة لإرادة الرب الذي حرّم على اليهود إنشاء دولة إلا بعد عودة المسيح ليملأ الأرض عدلا.
أما منظمة «جي ستريت» التي أٌنشئت عام 2008 وبدأت تتسع عددا وتأثيرا فتصف نفسها بأنها منظمة صهيوينة تريد سلاما بين الفلسطينيين وإسرائيل. وقد غامر الرئيس الأمريكي باراك أوباما والتقى بالمجموعة عام 2009 كي يضمن تأييدها لمواقفه من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. لقد اتهم المحامي الصهيوني المتطرف ألن ديرشوفيتس منظمة جي ستريت بإلحاق الضرر بإسرائيل أكثر من أي منظمة أمريكية أخرى. وكان من بين المتحدثين في مؤتمرها السنوي نائب الرئيس الأمريكي جوزف بايدن والدكتور مصطفى البرغوثي رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية. وهناك من يتوقع أن تكتسب هذه المنظمة من القوة والتأثير في المستقبل مع انفضاح ممارسات إسرائيل، ما قد يجعلها تنافس منظمة «الأيباك» الملتزمة بتأييد إسرائيل بدون مساءلة.
لقد أصبحت منظمة «أصوات يهودية من أجل السلام» التي تشكلت عام 1996 من أهم وأوسع المنظمات تمثيلا للأصوات اليهودية المناهضة للحرب والمنتصرة للحق الفلسطيني والمؤمنة بأن الاحتلال هو أساس المشكلة. وهذه المنظمة تذهب خطوة جريئة أخرى بتأييدها لبرنامج «مقاطعة – سحب استثمارات- عقوبات» الذي بدأ ينتشر بشكل واسع في أوروبا أولا ثم الولايات المتحدة. وتدعو هذه المنظمة الجيش الإسرائيلي لعصيان الأوامر وعدم إطلاق النار على المدنيين. وقد انتشرت هذه المنظمة في الحرب الحالية على غزة بشكل غير مسبوق، بحيث أصبح عندها نحو 500 فرع في كافة الولايات الأمريكية. وهناك أكثر من 100000 على قائمة المجموعة، ومن بين الرموز المهمة في مجلس أمناء المنظمة الكاتب الأشهر نعوم تشومسكي والمحامي الشهير مايكل راتنر وجودث بتلر ونحو 30 راباي. وقد أصدرت المجموعة ملفا مهما حول موضوع اللاسامية، يحوي الكثير من المقالات التي تؤكد في جوهرها أن انتقاد إسرائيل لا يعني «معاداة السامية».
وقامت المجموعة بتنظيم مظاهرة عام 2006 خارج مؤتمر الإيباك في ساكرمنتو، عاصمة كاليفورنيا، ليقولوا إن إيباك لا تمثل كل الأصوات اليهودية في الولايات المتحدة.
هذه عينة عن الأفراد والجماعات اليهودية في الولايات المتحدة التي تقف ضد الغالبية الساحقة من مناصري إسرائيل، حيث تقف «أيـــباك» القوية على رأس هذه الجماعات وتدعي تمثيل يهود الولايات المتحدة. إن أي تحدٍ لهذه المنظمة الخطيرة والقوية والغنية يصب في النهاية لصالح الســـلام وتعديل الموقف المائل دائما لصالح إسرائيل.
إن خطاب التعميم الذي يشمل كل اليهود يصب في النهاية لصالح المتطرفين. وكم من الأشرطة يتم تعميمها تحمل جملا مقطوعة من سياقها تتهم كل اليهود وتصفهم بأبشع الصفات وتدعو لقتلهم جميعا.
فما الفرق بين هذا الخطاب وخطاب داعش والنصرة والقاعدة وطالبان وبوكو حرام وأنصار الشريعة، الذي يجرم كل اليهود وكل المسيحيين، بل يجرم كل المسلمين الذين يعارضون هذا الخطاب الجاهلي الذي لا علاقة له لا بالإسلام ولا بالحضارة ولا بالقانون. وكم أتمنى على من يقفون على المنابر أن يحسنوا اختيار مصطلحاتهم وكلماتهم حتى لا يتم استغلالها في شيطنة الإسلام والمسلمين كافة، استنادا إلى خطاب متخلف يشيطن اليهودية واليهود كافة، فما لا نقبله لأنفسنا يجب ألا نقبله لغيرنا.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية