ما تزال ردود الأفعال، الغاضبة في معظمها، تتوالى إثر ظهور الكاتب الفرنسي ذي الأصول اللبنانية أمين معلوف على قناة تلفزيونية اسرائيلية بداية الشهر الماضي.
كُتب عدد كبير من المقالات التي لامته على تلك المقابلة على اعتبار أنها تمنح شرعية للكيان الصهيوني الذي يحاول إظهار نفسه كدولة طبيعية متفاعلة مع غيرها ثقافياً واجتماعياً.
في موطنه لبنان نظم عشرات من رموز الوسط الثقافي برنامجاً للخطب الحماسية استدعى بعضها اتهامات العمالة والتخوين التقليدية، وتمت مطالبة الرجل بالتراجع والاعتذار لما يمثله فعله من خيانة لـ»قضية العرب المركزية». بحسب أولئك الغاضبين فإن هذا الظهور، وبغض النظر عن نوع البرنامج وما قيل فيه، يمثّل اعترافاً بسلطة الاحتلال والاغتصاب، ويتجاوز الخط الأحمر الذي يعتبر أن التعامل مع «اسرائيل» يرقى لمرتبة الخيانة.
تمت إثارة الكثير من الضوضاء حول الموضوع. ضوضاء منعتنا من الانتباه إلى ما كان يحدث في تلك الأيام من ترؤس الممثل الاسرائيلي في نيويورك للجنة القانونية التابعة للأمم المتحدة، بعد تصويت ساندته دول عربية وإسلامية. لن نكترث للدول الإسلامية فقد قام القوميون العرب منذ أواسط القرن الماضي باختطاف القضية الفلسطينية، واعتبار الصراع قومياً ضد محتل أجنبي. وليت أولئك القوميين الرافضين لأي بعد ديني للقضية أخذوها بحقها، بل هم لم يقدموا لها سوى الهزائم والشعارات التي لا تغني من جوع، والتي يتنافسون في إطلاقها إبان كل قمة واجتماع، في حين يتواصل معظمهم في السر والعلن مع عدوهم المزعوم، وهو التواصل الذي وصل درجة أن تصوّت بعض الدول العربية العريقة والمؤثرة لصالحه، في محفل مهم كالأمم المتحدة، وضمن لجنة مؤثرة ومسؤولة عن تطبيق القانون الدولي ومراعاة حقوق الدول والشعوب.
نحن لا نعيش، للأسف، في زمن لاءات الخرطوم، ففي عرف معظم الدول العربية صارت «اسرائيل» دولة يمكن التعاون معها وفق مصالح متبادلة. أهمها ما يمكن أن يوفره هذا «التعاون» من تمكين بعد أن بات من المعروف أن أقرب طريق إلى قلب الأمريكي هو حليفته الأولى. عدو الأمس أصبح، بشكل مفضوح، الداعم الرئيس للأنظمة العربية المهترئة، التي تتسابق لنيل رضاه بعد أن علمت أنها لن تستطيع أن تتقوى بشعبها الذي تنفصل عنه ولا تمثله. أما المسؤولون الصهاينة فهم يذكروننا بين كل حين وآخر بما يمتلكونه من علاقات وشبكات للتواصل مع أكثر من نظام عربي. هم يتفاخرون باشتراكهم مع أولئك في مواجهة ما يسمونها بـ»التحديات المشتركة» المتمثلة في إرهاب الجماعات المتطرفة. الاسرائيلي بات يعتبر الآن أن وقت الحرب مع العرب قد انتهى، وأننا ندخل حالياً مرحلة التعاون مع «الجيران» ضد الأعداء المشتركين. في الوقت الذي انشغلنا فيه بمتابعة قضية أمين معلوف كان مؤتمر هرتسيليا السنوي ينعقد، وهو مؤتمر يعرض فيه الاستراتيجيون الاسرائيليون قراءاتهم للواقع الداخلي والخارجي وتصوراتهم للمراحل المستقبلية للصراع. المؤتمر، على أهميته، ليس سرياً وقد شارك فيه بالفعل عدد من الشخصيات العربية والفلسطينية، إضافة إلى السفيرين العربيين الممثلين في تل أبيب.
هناك تم الإعلان ضمنياً عن التجهيز لحرب جديدة، يريدون أن تكون أخيرة، على قطاع غزة، ولأنهم لا يقاتلون إلا من وراء جدر، فقد شرع في بناء حائط جديد على طول الحدود مع القطاع فوق وتحت الأرض من أجل حماية المستوطنات- المغتصبات الحدودية، ومن أجل تفادي استخدام حركة حماس للأنفاق كوسيلة للاختراق الأمني. أنظر كيف أصبحت هذه المعلومات التي كان مثلها يحتاج في السابق لجيش من المخابرات والعملاء السريين، كيف اصبحت متاحة ومبثوثة لمن يطلبها. لقد بلغ الاستخفاف بالعرب درجة الإعلان عن الحروب المقبلة وكشف تفاصيلها أيضاً. كيف لا وبعضنا لم يستطع كتمان تأييده للجيش الاسرائيلي وهو يستبيح قطاع غزة!
لم يعد الأعداء بحاجة إلى تآمر يحاك في الخفاء، لم يعد لديهم ما يخشونه، فالدول العربية منقسمة بين أولئك الذين لا يخفون تمنياتهم بالخلاص من حركات المقاومة الإسلامية، والذين صرح بعضهم خلال العدوان الأخير بأنه يفضل التعاون مع الاسرائيلي على التعاون مع المقاومين الإسلاميين، وبين الآخرين الذين يكتفون بالصمت والشجب وإظهار الحزن أو جمع التبرعات لاحقاً لإصلاح ما أفسده العدوان.
رغم هذا الواقع المؤلم الأسود يقوم هؤلاء القومجيون بقصد أو بدون قصد بإلهائنا عن المطبّعين الحقيقيين الذين يمثلون الرئة التي يتنفس عبرها الاحتلال، ويستمد منها شرعيته الحقيقية بتسليط الضوء على تفاصيل هامشية ككاتب ظهر على قناة اسرائيلية أو كفنان شارك فنانة اسرائيلية في عمل غنائي. ليت أولئك يقفون الوقفات ذاتها لمحاسبة من يمكن الصهاينة من جسد فلسطين ومن يتبرع علناً بحماية أمن الكيان وإحباط كل عمليات مقاومته.
أما أمين معلوف الذي قدم لعقود نموذجاً ثقافياً ذا هوية عربية، فقد استطاع على طريقته أن يمنح الغرب تصوراً مختلفاً عن قصة الصراع. هو نموذج يمكن أن نتفق أو نختلف معه ومع طريقته في النظر إلى الأمور، لكن هذا لن يقود أبداً، ومهما بلغت درجة تحاملنا، إلى القول بأن مشروع معلوف الثقافي هو السبب في ضياع فلسطين!
لا يمكن وضع معلوف في مرتبة واحدة مع الخونة الحقيقيين من أولئك المستفيدين من الاحتلال الذي يقدم لهم منافع ذاتية اقتصادية وسياسية، أو أولئك المستعدين لخسارة معظم مساحة فلسطين من أجل رفع علم الدولة المستقبلية على أي بقعة من بقاع البلاد.
مع عمق العلاقات السياسية وتحول السلام بين الجانبين العربي والاسرائيلي من بارد إلى علاقات تنسيق متفاوتة الدفء، فقدت كلمة التطبيع معناها ووقعها، لدرجة أن بعض من كانوا يرون في زيارة القدس خيانة وفعلاً مشيناً أصبحوا على العكس اليوم يرون أن في مثل هذا النوع من الزيارات ضغطا شعبيا وإثباتا للحق الفلسطيني.
أمر آخر حدث حينما انفصل جنوب السودان مشكلاً دولته المستقلة، حينها تباكى «القومجيون» بالطريقة ذاتها خشية أن تقوم الدولة الجديدة ببدء علاقات مع تل أبيب. الجنوبيون لم يكترثوا لهذا البكاء وكانت زيارة الكيان هي أولى زيارات الرئيس سلفاكير الخارجية. كان تصرفاً منطقياً، حيث لم يكن بإمكان الجنوبيين أن يديروا ظهرهم لمن كان يساندهم على مدى عقود في حربهم الطويلة، التي سيسمونها «نضالاً من أجل الاستقلال». حاول البعض أن يثني جوبا عن التقدم أكثر في علاقات من التعاون المفتوح مع تل أبيب، عبر القول إن ذلك قد يعرقل انضمام الدولة الوليدة لجامعة الدول العربية إن أرادت ذلك. بدا الأمر أشبه بنكتة، فالجامعة التي يتمتع عدد من أعضائها بعلاقات طبيعية مع الكيان، في حين يبقي عدد أكبر على علاقات يريدون لها أن تبقى في الظل إلى حين، هي الجامعة ذاتها التي تظهر القلق من علاقات جوبا بتل أبيب. ما لا يفهمه الجنوبيون هو أن يكون لجيران الكيان، ورغم المرارات التاريخية، علاقات معه وذلك يشمل حتى السلطة التي تمثل الفلسطينيين، في حين يبدو محرماً على الدولة التي ليس لديها ما يبرر العداء، أن تتمتع بعلاقات طبيعية مع من عرضوا عليها دعماً وتدريباً ومنحاً سخية. الجامعة العربية التي تتواصل مع عدوها التاريخي، بل تطرح مبادرة قد تفضي، في حالة وافق الجانب الصهيوني عليها، إلى الاعتراف النهائي والصريح بـ»الدولة الاسرائيلية»، هي الجامعة ذاتها التي تخبر جنوب السودان بأن علاقته مع تل أبيب ستكون على حساب علاقاته العربية.
هكذا يفضح المنطق الجنوبي في كل مرة الشيزوفرينيا العربية، التي لن تجد ما ترد به سوى القول إن تلك الدول المرتبطة بالكيان هي دول مجبرة استراتيجياً على ذلك وتخضع لظروف خاصة. لكن هذا لا يبدو مقنعاً، فوضع جنوب السودان أكثر حساسية واحتياجاً لهذه العلاقة باعتبارها دولة ضعيفة وناشئة ومحتاجة للخبرة والدعم الفني. تبقى الحقيقة هي أنه، وحتى في حالة انضمام دولة جنوب السودان للجامعة العربية، فإنها لن تكون الدولة الأولى أو الوحيدة التي تملك علاقة مع تل أبيب.
بوضع كل تلك الحقائق نصب أعيننا يمكننا أن نرى الأمور بشكل مختلف، وأن نعيد قراءة التأثيرات المبالغ فيها للظهور التلفزيوني لأديب لا يمثل إلا نفسه، بخلاف السياسيين الذين فعلوا ويفعلون ما هو أكبر متحدثين باسم أمم وشعوب.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح