الرباط ـ من عزالدين بوركة: موليم العروسي، خليل المرابط، طوني مارايني، السرغيني، عبد الكبير الخطيبي… أسماء ويَنْضاف إليها نقاد آخرون، أثثوا المشهد النقدي المغربي على طول تاريخه المعاصر، منذ سنوات الخمسينيات من القرن المنصرم وصولا إلى اليوم، متتبعين خيوط البدايات، وناسجين مسار الحكاية التشكيلية المغربية عبر كتاباتهم التي تتعدد من انطباعية إلى صحافية وأخرى تأملية -على قلتها- وغيرها من الكتابات، ما أتاح للمتلقي المغربي وغيره أن يُكوّن فهما دقيقا لما ينتجه الفنان في المغرب من فعل جمالي، تعدد بدوره من الصباغي إلى ما بعد حداثي، متجاوزا الفنان كل الأشكال الكلاسيكية إلى أشكال مابعد حداثية، ينطلق منها ليؤسس لنفسه انعراجا خاصا داخل المشهد الفني.
شفيق الزكاري واحد من الفنانين- النقاد، الذين استطاعوا بفعل الممارسة والبحث أن يجمعوا بين الشقين التطبيقي والنظري، بين الفعل بالصباغة والفعل بالكتابة، بين اللون والكلمة. فإلى جانب نقاد آخرين جمعوا بين التشكيل والنقد، أمثال صديقه الفنان نور الدين فاتحي وبنيونس عميروس وعزيز أزغاي وغيرهم… استطاع النقد الفني المغربي أن يكوّن مسارات مختلفة قوّت من خطابه، ودفعت به إلى التحليل والمواجهة، ليبتعد من «الكتابة الصديقة»، إن لم نقل «الحميمية»، والكتابة من أجل الكتابة.
عن فعل الكتابة والتشكيل:
إننا اليوم أمام زخم وكثافة رهيبة للخطاب التشكيلي المغربي، سواء على صفحات الجرائد أو المجلات أو الكتب، وكما العالم الافتراضي، مما يجعلنا نتأمل خيرا للمستقبل النقدي المغربي، لكننا نشك في هذا الأمل، ونحن نراقب عن كثب وعن قرب ما يُكتب وعدد الكتاب، هؤلاء الفاعلين الأساسيين داخل هذا الخطاب، يكاد يحسبون على رؤوس الأصابع، إن لم نقل إنهم أقل من عدد أصابع اليد. هذا البرادوكس (التناقض) الذي يجثم على الخطاب النقدي التشكيلي المغربي، يدفع بالكثيرين، شفيق الزكاري أحدهم، إلى تكثيف كتاباتهم والبحث عن أشكال تقرب الأعمال والمفاهيم إلى المتلقي المغربي، كما العربي. ليس العيب في نقادنا، إذن، إن نحن أمعنا النظر جيدا، فتاريخ النقد هو تاريخ المنقود، وتاريخ النقد التشكيلي في المغرب، قياسا بالتاريخ التشكيلي المغربي، هو وليد عقود ليست بالبعيدة، فإذن هو يكاد يقف على رجليه متجاوزا فترة الحبو، فالنقد الجمالي يؤسس لنفسه في تاريخ الفن، باعتبار مسار النقد هو مسار التاريخ، بشكل من الأشكال.
«إن جل الكتابات حول التشكيل في المغرب [في البدايات] بدون استثناء، كانت حوارات لعبت دورا أساسيا في التعريف بإنتاج المبدعين التشكيليين المغاربة»، فإن كان الكتابة والتشكيل عالمين يكملان بعضهما بعضا تحت سماء واحدة نسميها «الإبداع»، إذ لا حدود بين هذين الفعلين سوى حدود الشكل، إذ يقوي ويكمل الواحد الآخر، باعتبارهما أداة تصويرية واحدة مادية وذهنية. هنا سيتمكن النقد المغربي من أن يتجاوز اللحظي والصحافي إلى الكتابات الانطباعية، التي خاض غمارها النقاد الروائيون والشعراء، مما أسبغ على الكتابة النقدية روحا شاعرية، ومن ثم كان للكاتب- المفكر أو الكتاب القادمين من حقول المعارف الفلسفية والاجتماعية والإنثروبولوجية وغيرها.. أن يذهبوا بالكتابة النقدية داخل حقل التشكيل في المغرب إلى البعد التأملي، حيث تحضر الفلسفة وعلوم أخرى كأساسات لمناقشة الفعل الجمالي، إلا أن ثغرات عدة بقيت غير مسدودة، ما يدفع إلى بروز دور الفنانين التشكيليين الكتاب ذوي الاختصاص والممارسة و»المرتبطين بالأسئلة الحقيقية المطروحة» وحمى وهَمّ الفن، باحثين عن سد تلك الحُفر بكتاباتهم التي اتسمت بالقرب والذاتية والتفكيك ورسم معالم المنجز.
عن الكتابة عند شفيق الزكاري:
فحينما يكتب الزكاري، فهو يكتب عصارته (كما وصفه عبد الواحد مفتاح)، أو لأقل فهو يضع حجرة من بنيان التاريخ التشكيلي المغربي في سوره العظيم، وما عمل الناقد إلا وضع اللبنة الفضلى في مكانها المناسب داخل البناء التاريخي… هنا نقف عند مؤلفه «التشكيل المغربي بين الهوية والحداثة» (2013)، نموذجا للخطاب التشكيلي لدى هذا الفنان- الناقد… وإن حق الوقوف عند مجمل أعماله، إلا أننا ارتأينا أن نجعل من هذا المنجز نموذجا لمناقشة ما نصبو إلى طرحه ومناقشته من خطاب نقدي لدى الزكاري، إذ هذا المنجز، وإن على صغر حجمه، فهو يجمع بين تنوعات كتابية عدة، من نقد ومواجهة وتحليل، ومناقشة الأعمال التشكيلية والأخرى القريبة منها.
على عكس جل الأعمال التي تلمّ مجموعة مقالات نقدية داخل منجز واحد، يجمع بينها خيط ناظم، فقد اختار شفيق الزكاري ألا يستهل كتابه، قيد المناقشة في ورقتنا هذه، بمقدمة، اختيار في نظرنا يرجع إلى الابتعاد عن أي مناقشة قد تهرب وتذهب بالقارئ إلى أبعد مما ينوي الكاتب طرحه على طول فصول/مقالات الكتاب، وترك فسحة أوسع للمتلقي أن يدرك ما يحمله كل «مقال» على حدة، لما يحمله كل نص من استقلالية.
عبد الكريم الأزهر، بنيونس عميروش، حكيم غزالي، بوشعيب هبولي، محمد مرابطي… وأسماء أخرى كثيرة، جعل منها شفيق الزكاري نماذج لمناقشة طرحه، وأيضا لمعالجة المنجز التشكيلي المغربي. أسماء تختلف آليات اشتغالها وتجاربها، «فتجربة الفنان (الأزهر) منبثقة من واقع مغربي بامتياز، فقد ركز في عمله بداية على عاملين أساسيين في بعدهما المفاهيمي بزمانهما ومكانهما (الساعة والجسد) كعنصرين كونا تجانسا على مستوى الفكرة والتكوين». بينما الهبولي ذلك الفنان البوهيمي الاستثنائي، القادم من عالمه الذاتي والغائص في حلمه الذي يعبّر عنه باللون الحبري، فالعمل عنده كما يخبرنا صاحب الكتاب «كان وما زال مرتبطا بعنصرين أساسيين، حددهما في اختيار نوعية سند الورق، لكونه يستجيب لمتطلبات الاشتغال، ثم الاهتمام بالجانب الغرافيكي في بعده التقني، انطلاقا من وحدات إجمالية تؤثث هذا السند، مع الاعتماد على محدودية الألوان التي لم يتجاوز فيها اللون الأسود». ومن جانب آخر ومن الأسماء التي يضج بها الكتاب التي اختارها صاحبه بدقة، يأتي الحديث عن تجربة فنان خاص ومقل وهادئ، إذ «تتجسد تجربة الفنان بنيونس عميروش، كما يخبرنا الزكاري، في ثلاث مراحل مختلفة موضوعيا ومترابطة شكليا، مستمدة مرجعياتها من فعل إبداعي جمع بين التنظير والممارسة»، بالإضافة لمناقشة مستفيضة وعميقة في مجموعة من أعمال فنانين مغاربة، تربط بينها خاصية البحث والتنقيب، داخل تعدد الأشكال الفنية وتفرق بينها طرق الاشتغال، ويقربها همُّ الهوية والحداثة (الخيط الناظم داخل الكتاب).
لا يقف اشتغال شفيق الزكاري داخل منجزه «التشكيل المغربي بين الهوية والحداثة» على مناقشة الأعمال الفنية، بل يتعداه إلى حشر المتلقي/ القارئ داخل مناقشات تثير الكثير من الزوابع داخل الحقل الفني المغربي، وكما هو معروف عن هذا الناقد الذي يختار دائما الخوض في جدالات لا يستطيع سوى القليلين الخوض فيها، إذ اختار أن يعالج بصرامة واضحة المعالم داخل باب من أبواب الكتاب «مصداقية التشكيل المغربي بين سلطة القاعات الخاصة وانسحاب القاعات العمومية»، فقاعة العرض قبل كل شيء هي مشروع تجاري، يبتغي منه العارض الربح أولا. وإن كنا قبل بضع سنوات إلى حدود العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، نتحدث عن قلة دور العرض فإنها في الآونة الأخيرة عرفت رواجا موسعا، «ما يدل على أهمية هذا القطاع وانتعاشه المفاجئ وغير المسبوق على مدى ثلاثة عقود ولت». ففي خضم الحمى التشكيلية التي عرفها المغرب يذهب شفيق الزكاري «لطرح بعض الأسئلة المقلقة نسبيا». يتساءل الناقد، ونتساءل معه، «لم هذا الظهور المفاجئ وغير المسبوق لقاعات العرض التشكيلي، بعد أن كانت الساحة التشكيلية المغربية تفتقر وتشكو من قلتها ونوعيتها منذ زمن طويل؟ ثم السؤال المحرك والجوهري في هذا الظرف هو من يصنع الفنان، أهي قاعة العرض؟ أم العكس؟». قد تكون هذه الأسئلة حاملة في طياتها ومضامينها أسئلة خفية وكثيرة، تتعلق بالمشهد التشكيلي المغربي، ما يجعل من الطرح النقدي الذي يذهب إليه الزكاري هو طرح مباشر ومُنقّب، بل يجعلني أصطلح عليه بالكتابة الحفرية، التي تهدم لتبني، هادمة لكل ما هو هش…. فإن كانت «للقاعات الخاصة شروطها، وتتمثل هذه الشروط أساسا في النسبة المئوية المحددة، وفي البحث عن العناصر المتميزة ذات الوزن الثقيل في الساحة التشكيلية وعند مشتري اللوحات»، فإنه على حد ما يخبرنا به صاحب الكتاب، فهذه «القاعات الخاصة بالمغرب أصبحت تساهم في صناعة وفبركة الفنانين واتخاذ قرارات ممنهجة لتبسط سلطتها ونفوذها على الساحة التشكيلية، وتتحكم في دواليبها». ويضيف قائلا «كان كذلك من الضروري البحث عن أقلام (نقدية) غير معروفة تختبئ وراء اللغة، خاصة الفرنسية، ثمّ شراؤها لتثمن هذه التواطؤات المغرضة، لكسب مزيد من المال». فيتضح مع هذا ذلك الخطاب النقدي الصارم الذي تتكئ عليه كتابات هذا الناقد- التشكيلي، فشفيق الزكاري يحاول عبر كتاباته ألا ينساق خلف الخطاب المروج والسائد، باحثا عن استقلالية.
وإن كنا من موقفنا الخاص لم نتفق معه في جملة مما أكده داخل عمله هذا، ومجموعة من أعمال أخرى، وإن اتسمت بالموضوعية في غالبيتها والجدية والصرامة. فحينما اختار الحديث عن موضوع «التشكيل المغربي بين سؤال الهوية وسطو التبعية»، داخل هذا الكتاب، على سبيل المثال، مختارا بذلك كلا من المهدي جورج لحلو والفنان المتعدد منير الفاطمي نموذجين لمناقشة موضوعه، نذهب عكس تأويلاته لنوايا وأعمال هذين الفنانين، وإن كان لكل ناقد سلطة التأويل الخاصة به. فبعيدا عن الخوض في موقفنا النقدي المخالف لما خطّه شفيق الزكاري، فإننا نثمن هذا العمل الذي حقّ الوقوف عنده إلى جانب أعمال نقدية أخرى، وإن كان هذا المنجز/الكتاب تجميعيا أكثر منه نسقيا، باعتباره جمع بين «مقالات» عدة سبق ونشرها الكاتب في منابر متعددة، ليلمه في كتاب واحد، باعتبار ما يجمع بينها من خط ناظم، إلا أن الناقد رسم مسلكا من مسالك النقد داخل الخطاب التشكيلي المغربي.