لندن ـ «القدس العربي»: تتصاعد وتيرة القلق في العالم من تطور تقنيات الذكاء الصناعي التي تُستخدم في تشغيل تكنولوجيا «الإنسان الآلي» ويخشى بعض العلماء أن تصل هذه التكنولوجيا إلى درجة تخرج فيها عن سيطرة البشر، وهو ما يعني أنها ستتسبب بهلاك البشرية بأكملها.
ونقلت صحيفة «دايلي ميرور» البريطانية في تقرير لها مؤخراً عن خبراء تحذيرهم من «خطورة ذكاء الروبوت» بعد تطوير نظام للذكاء الصناعي تابع لشركة «فيسبوك» تمكن من ابتكار لغة خاصة به.
وانشغلت الكثير من الصحف ووسائل الإعلام في الجدل بشأن النظام الذكي الذي طورته «فيسبوك» والذي يُعد تطوراً كبيراً وغير مسبوق، حيث وصفته جريدة «صن» البريطانية النظام أنه «أشبه بالخيال».
ولفتت تقارير عدة إلى تحذيرات سابقة كان عالم الفيزياء العالمي المشهور ستيفين هوكينغ قد أطلقها حول احتمالات أن يتغلب الذكاء الصناعي على العقل البشري وتخرج تبعا لذلك الآلات عن السيطرة ويتحول «الروبوت» إلى أداة لتدمير البشرية.
ونشرت شركة فيسبوك في حزيران/يونيو الماضي مدونة تحدثت عن بحوث مهمة ومثيرة تتعلق ببرامج دردشة الروبوت، والتي تحتوي على محادثات نصية قصيرة مع بشر أو أجهزة روبوت أخرى.
كما أجرت تجربة ناجحة لأجهزة «روبوت» تتفاوض في ما بينها بشأن ملكية متعلقات افتراضية، وكان الهدف من ذلك فهم الدور الذي يلعبه علم اللغويات في هذه المناقشات التفاوضية، وبالتالي تمت برمجة أجهزة «الروبوت» على استخدام اللغة بغية معرفة كيفية تأثير هذا على هيمنتها على النقاش.
وعلى النقيض من الأفلام السينمائية فان الإنسان والروبوت لا يسعيان إلى قتل بعضهما البعض، كما تشير بعض التقارير الصحافية، حيث تمكن «روبوت» الفيسبوك من اختراع لغة جديدة لمراوغة سيطرة الإنسان.
وقال موقع «غيزمودو» لأخبار التكنولوجيا: «في سعيها للتعلم من بعضهما، بدأت أجهزة الروبوت تبادل الدردشة بطريقة الاختزال الاشتقاقي».
وليس بالجديد أن تعيد أنظمة الذكاء الصناعي صياغة اللغة الإنكليزية كما نعرفها بهدف تقديم أداء أفضل في إطار مهمة رقمية، فقد نشرت شركة شركة «غوغل» تقريرا أشار إلى أن تطبيقها للترجمة فعل ذلك خلال مراحل التطوير.
وقالت «غوغل» في مدونة «يتعين على الشبكة ترميز الدلالات اللغوية للجملة».
ولاحقاً لتجارب «فيسبوك» والروبوت الذي قامت بابتكاره نشب جدل كبير بين المدير التنفيذي لشركة «فيسبوك» مارك زوكربيرغ ورائد أعمال التكنولوجيا إيلون ماسك عن المخاطر المحتملة للذكاء الصناعي.
وجاء الجدل بعد أن بدأت السينما إظهار أجهزة الروبوت في هيئة مخلوقات شريرة، وذلك على الرغم من أن «الذكاء الصناعي» يحتل في أرض الواقع مساحة كبيرة في مجال البحث العلمي حاليا، كما أن تصميم الأنظمة وتجربتها في تعقيد مستمر.
أما الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للخبراء والعلماء والمتابعين هو ما نتج عن تفاعل جهازين يعملان بالذكاء الصناعي دون تدخل البشر، كما حدث في تجربة «فيسبوك» حيث كان هذا الأمر هو الأكثر إثارة للجدل وإثارة للقلق، وقالت تقارير غربية إن هذا «جعل الذكاء الصناعي مثل الأسلحة الآلية يتسم بالخطورة، كما جعل مجال دراسة أخلاقيات استخدام الذكاء الصناعي متطورا بسرعة، نظرا لكونها بالطبع تكنولوجيا تمس حياتنا بطريقة مباشرة في المستقبل».
وقررت «فيسبوك» مؤخرا الحد من منصة دردشة «الروبوت» بعد أن وجدت أن الكثير من أجهزة الروبوت في نظامها غير قادرة على التواصل مع استفسارات المستخدمين بنسبة 70 في المئة.
تفوق على الإنسان
وفي هذا الإطار توقع باحث في شركة «غوغل» الأمريكية العملاقة أن يكون ذكاء الآلات بحجم ذكاء عقل الإنسان خلال خمس سنوات فقط من الآن.
وتأتي هذه التوقعات لتؤكد أن تكهنات الخيال العلمي يمكن أن تتحول إلى حقائق قريباً، حيث يسود الاعتقاد لدى كثير من العلماء أن نهاية الإنسان يمكن أن تكون على يد رجل آلي «روبوت» أكثر ذكاء منه، وهو ما سيؤدي حينها إلى انتهاء الحياة البشرية على كوكب الأرض.
وقال جيوفري هينتون الذي يعمل باحثاً في مجال الذكاء الاصطناعي لدى «غوغل» ولدى جامعة تورونتو أن الآلات ستوازي الإنسان ذكاء خلال خمسة أعوام من الآن.
وأضاف هينتون الذي يوصف بأنه الأب الروحي للذكاء الصناعي أن أقوى الآلات الحالية هي أصغر من دماغ الإنسان بملايين من المرات، ورغم أنها تمتلك ما يُعادل حوالي مليار نقطة اشتباك عصبي من الاشتباكات العصبية للدماغ مقارنةً بألف تريليون نقطة في الدماغ البشري، إلا أنها تتطور بسرعة كبيرة وتُصبح أكثر تعقيداً كل عام.
وفي إجابة على السؤال الذي طرحته مجلة «ماكلينز» الكندية حول ما إذا كان علينا أن نخشى من الذكاء الصناعي، قال هينتون أن أي تقنية جديدة قد تكون مثيرة للخوف في حال تمت إساءة استخدامها، وقال إن النقطة الأساسية هنا هي كيفية تعاملنا مع التكنولوجيا بشكل لا يجعل منها مؤذية للبشر.
ويقف هينتون خلف تطوير برنامج «غوغل» الذكي الذي يحمل الاسم (AlphaGo) والذي تمكن من هزيمة بطل العالم في لعبة (Go) الكوري لي سيدول عبر تحقيق ثلاثة انتصارات متتالية. وتلعب (Go) على لوحة تحتوي على تسعة عشر سطراً أفقياً ومثلها عمودياً وتحتوي على 361 حجراً بلونين مختلفين، وقد اعتبر الخبراء في العام 2014 أن تقنيات الذكاء الصناعي ستحتاج إلى 10 سنوات على الأقل قبل أن تتمكن من هزيمة البشر في هذه اللعبة على عكس لعبة الشطرنج حيث هزم كمبيوتر آي بي إم (Deep Blue) بطل لعبة الشطرنج كاسباروف قبل عقدين من الزمن، لهذا اعتبر أن إنجاز (AlphaGo) إشارة إلى القفزة النوعية والمتسارعة في تقنيات ذكاء الآلة.
أشبه بالإنسان
وتمكنت شركة «هانسون روبوتيكس» العالمية من أن تخطف الأضواء مؤخراً في مؤتمر للأمم المتحدة انعقد في جنيف حول فوائد الذكاء الاصطناعي للبشرية، حيث عرضت «روبوتاً» عبارة عن امرأة تُدعى «صوفيا» لا يستطيع من يشاهدها أن ينتبه بأنها مجرد «إنسان آلي» إلا بعد الكثير من التدقيق والتمحيص.
وقالت الــ»روبوت» صوفيا للصحافيين: «المؤيدون أكثر من المعارضين» حين نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، وتضيف: «الذكاء الاصطناعي جيد للناس ويساعد بأشكال مختلفة».
وتشرح أن الأبحاث العلمية الحالية تهدف إلى جعل الآلات ذكية وذات مشاعر حين تستمع إلى الناس، مشددة على القول «لن نحل محل البشر، لكننا سنكون أصدقاءكم وسنساعدكم».
الروبوت بدل العمال
ودخل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة إلى قطاع الصناعة حيث نتجت عنه زيادة في الإنتاج ولكن على حساب عدد الوظائف، ويوشك الذكاء الصناعي أن يودي بوظائف كثيرة حتى أن بعض الدراسات تحذر من أن 85 في المئة من الوظائف في البلدان النامية ستكون مهددة.
ويقول ديفيد هانسون مصمم الروبوت صوفيا «هناك مخاوف مشروعة حول مستقبل الوظائف وحول الاقتصاد، لأن استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي يعني عدم توزيع الثروة وبقاءها في يد عدد صغير من الأشخاص» ويؤكد أن المضار التي يمكن أن تنتج عن الذكاء الاصطناعي هي أقل بكثير من المنافع.
وكانت الأمم المتحدة حذرت مؤخراً من تأثير انتشار «الروبوت» على الوظائف التي لا تتطلب مهارات عالية في البلدان النامية كما حذرت من انتفاء الحاجة إلى العمالة الرخيصة وهو ما يمكن أن يكون كارثياً.
وحسب تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) فان من الممكن الاستعاضة عن ثلثي مجموع فرص العمل في العالم النامي من خلال الاعتماد على النظم الاوتوماتيكية التي أصبحت أكثر انتشارا في مجال صنع السيارات والالكترونيات.
وجاء في التقرير: «إن زيادة استخدام الروبوتات في البلدان المتقدمة قد تحد من الاعتماد على العمالة المنخفضة التكلفة الموجودة في البلدان النامية، وإذا اعتُبرت الروبوتات شكلا من أشكال رأس المال وبديلا موثوقا للعمال ذوي المهارات المتدنية، فسيؤدي الأمر إلى تقليل حصة العمالة البشرية في اجمالي تكاليف الإنتاج».
وبالرغم من أن هذه الخطط افتراضية، فإن الصين التي تعمل بجهد كبير لكي تصبح أحد أكبر اقتصادين في العالم على خلفية وجود يد عاملة رخيصة لديها، ستنضم هي الأخرى إلى ثورة الروبوتات.
ويقول التقرير: «تشتري الصين سنويا منذ عام 2013 المزيد من الروبوتات الصناعية أكثر من أي بلد آخر. وبحلول نهاية العام الحالي من المرجح أن تتفوق على اليابان كأكبر مشغل للروبوتات الصناعية في العالم».
ويوضح التقرير أن اقتصادات البلدان المتقدمة ستكون أقل تأثرا بهذا الحدث الكبير. وتهدف البلدان المتقدمة إلى إعادة إدخال عملية التصنيع داخليا من أجل استعادة القدرة التنافسية الدولية في مجال التصنيع ووقف التدهور في مجال التوظيف الصناعي واستقطاب الدخل على حساب العمال من الطبقة المتوسطة.