قتلى وجرحى سوريون، ليس باشتباك مع قوات الأسد، بل بمشاجرة في قونية التركية مع شبان أتراك غاضبين، من سوريين عذبوا كلبا.
الرفق بالكلاب لن يكن السبب الوحيد للإشكاليات في قونية، بل الرفق بالقوارير أيضا، فعادات التحرش القبيحة التي يهواها كثير من الشباب العربي، تنتقل معهم أينما حلوا، حتى إن كانوا ضيوفا في مدينة اسلامية محافظة كقونية، وهكذا يتعرض الكثير من الفتيات للتحرش والمضايقات، ويوبخ الشبان المتحرشون من الأهالي، وكثيرا ما تندلع المشادات والمصادمات جراء ذلك.
يحدثني زميل صحافي تركي من قونيا هو محمد اون المشن، عن عدة حالات حدثت معه شخصيا، تتركز حول قضية مضايقة الفتيات والتحرش بهن لفظيا، ولكون محمد عاش نصف حياته بالاردن فانه يتقن العربية تماما ويستطيع فهم التلميحات الخادشة للحياء العام، ورغم انه قام بتنبيه الشباب في كل مرة لفداحة تصرفاتهم وايماءاتهم اللفظية، الا ان المشهد نفسه يتكرر في كل زيارة له لحديقة عامة في قونية.
ما يهمنا هنا، هو اختلاف الثقافة القومية، رغم ان الجميع مسلمون، فعندما يتعلق الامر بتعذيب الحيوانات، فإن الاتراك وبتراثهم القومي المعبر عنه بفهمهم الصوفي للاسلام، يكنون ودا بالغا للحيوانات، ورأفة بها، كجزء من ثقافة اجدادهم منذ ايام هجرتهم القبلية الاولى من اواسط اسيا، حتى إن الذئب الأغر يعتبر رمزا للقوميين الاتراك، وتنسج حوله اسطورة بقاء العرق التركي، بعد ان انقذ الطفل التركي الاخير وحماه في الغابة، حسب الاسطورة.
واليوم يمكن لنا ملاحظة المحبة والمكانة الخاصة التي تتمتع بها القطط والكلاب وغيرها من المخلوقات الاليفة في شوارع المدن التركية، وكثيرا ما تنتشر صورة لشيخ صوفي يربي سلاحف تتحلق حوله، كأنها مريدات لدرويش ينتظرن رقصة المولوية.
اما في بلداننا العربية، المشرقية ربما، فلا مكان لكل هذا الاحتفاء الصوفي بالحيوانات، فالكلب عموما يعتبر نجسا، وغالبا ما يبعد عن الاختلاط بالناس، الا اذا تعلق الامر ببدوي هائم علمته الصحراء قيمة وفاء مثل تلك المخلوقات وقت الضيق، غير ذلك فــــإن كثيرا من تراث لعب الاطفال لا يخلو من تعذيب القطط، فمــــثلا كان شائعا قيام الاطفال بربط رقاب القطط بالحبل والتلويح بها حتى تخنق! لعله مشهد اقسى بمراحل من تعذيب الكلب، كان سيتسبب بحرب اهلية لو حصل في مكان عام بتركيا.
اما موضوع التحرش، فما زالت اكثر المدن العربية حداثة، بالمفهوم العربي الخاص للحداثة الشكلية، المتخمة شوارعها بالفتيات غربيات القشور شرقيات البذور، تعج باقبح مشاهد التحرش بالنساء، مدن لا تملك تصنيفا محددا لها، أهي حداثية ضائعة، تخلصت من التقاليد ولم تصل للحداثة، أبحرت من ميناء الماضي ولم ترس على حاضر؟
تعبيرات مفتعلة، هويات ملتبسة ومدن معلبة، لا تملك روح الشرق ولا عقل الغرب، لا تملك عادات القرى وتقاليد القبائل الرصينة، ولا نظم المدن الحديثة الخاضعة لقيم القانون واحترام خصوصية الآخر. لا تعاليم المسجد ولا تعليمات المدرسة، هويات ممسوخة لا ملامح لها، طبعت وجه هذا الزمن العربي الرديء، الرديء جدا.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام