تعقيبا على مقال حسن سرحان: هل حقا الرواية العربية في طريقها إلى الاندثار؟

حجم الخط
0

يثير الناقد والأكاديمي العراقي حسن سرحان دائما الكثير من الأسئلة والشجون والتعارض والاختلاف والخلاف مع مقولاته التي يبنيها دائما وفق رؤيته الخاصة، التي تتيح له الاتساع في الرؤية بحكم عمله الأكاديمي.ن
وآخر ما أثاره مقاله المنشور في «القدس العربي» يوم السابع عشر من الشهر الجاري، الذي حمل عنوانا طويلا «من أبرز مظاهرها محدودية الثيمات وتكرار حكاية الدين والسياسة: الرواية العربية في طريقها إلى الاندثار».
ويتبين من هذا العنوان أنه يتوقّع ويحذّر من اندثار الرواية العربية على مستوى الثيمات، كما يذكر في المقال المهم والجاد والحقيقي في بعض أوجهه، لأنه لا يحمل كل الحقيقة التي نراها نحن أيضا كمنتجي روايةٍ أو نقدٍ أدبي وليس نقد النقد الأكاديمي الذي نقصده.. وهناك فرق بين النقدين. المهم في الأمر أن سرحان وهو يحدّد أطر ما يريد من توقّعه وتنبؤه تحذيره بقوله (لأزمة الجمود التي تعرفها الرواية العربية اليوم مظاهرُ كثيرة أبرزها هذه المحدودية الصارخة على مستوى الثيمات الروائية وهذا الانغلاق البيّن لأفق كتّابها في ما يتعلق بتجديد موضوعاتهم) وهو بهذا يشير ويرسم خطوطا عريضة لهذا الجمود، ويذكر أبرزها محدودية الثيمات والانغلاق على تحديد الموضوعات التي يشير لها في جانب آخر من إنها مختصّة، أيّ الرواية العربية، بثيمات أو موضوعات الدين والسياسة. وهو بهذا محقٌّ تماما في تحديد نوعيات من الثيمات تغزو النصّ الروائي العربي، التي تكاد تكون هي المهيمنة على روحية الضخّ الحكائي للرواية، لكنه لا يشير إلى الأسباب التي أدّت إلى ما أسماه محدودية صارخة وغياب التجديد.
إن الإجابة قد تبدو واضحة للمنتجين والنقاد معا، وأقصد بالمنتجين هم كتّاب الرواية الذين لديهم اطلاع على الثيمات الروائية عبر المراحل الإجيالية للرواية العربية منذ زمن رواية «زينب» حتى آخر رواية صدرت.. وهذه المعرفة تتبلور في كون المادّة السردية أو الثيمة التي تمنح الحكاية قوّتها التدوزينية هي ابنة الزمن الذي يعيشه المنتج.. وهي التي تساعد على تخليق المخيلة التي تذهب باتجاه ما هو غائرٌ في الواقع، على اعتبار أن الواقع الذي يستلّ منه المنتج هو الأكثر قرباً من المتلقّي.. ولهذا فإن ما جاء في المقال من أمثلةٍ على روايات عالمية تأتي في إطار عملية كسر النمطية في التلقّي، لأن المقال لم يعش زمن بلزاك أو فلوبير أو ديستوفيسكي، أو أيّ روائي عالميٍّ، ضخّ علينا الإعلام والترجمات ومقالات النقاد التي تبحث عما هو حسن في النتاج العالمي لتقدّمه إلى المتلقّي العربي على إنه عصارة الحضارة العالمية، بهدف زيادة المبيعات مثلا. في حين رحنا نحن نبحث عن عمليات قنصٍ وصيدٍ لكلّ ما هو عربي ومحلي داخل كلّ بلد، حتى قيل (مطربة الحي لا تطرب).. بمعنى أن الشخصيات التي تم ذكرها ليس لأن (الشخصية الروائية تستمد حيويتها وتواصل ديناميكيتها وتصنع أثرها اعتماداً، لا على صفاتها الاستثنائية) كما قال سرحان وحسب، بل لغرابة هذه الشخصيات عن واقعنا.. لذا لا نكتشف الهنّات ولا ندرك النواقص فيها.. في حين أن الشخصيات الروائية العربية هي شخصياتٌ يمكن ملاحظة الفوارق الخلقية والأخلاقية والمرجعيات البيئية والتاريخية والارتباط العاطفي فيها وعنها ومنها وإليها ولديها.
لذا نرى هذا الانفتاح الذي ذكر في المقال على أفق الثيمة السردية للتأثير المسبق في الرواية الأجنبية، فضلا عن غرابة الواقع الذي نراه ولم نعشه.. إضافة إلى تأثير الإعلام والدراسات النقدية وغيرها.. وإذا ما أخذنا مثالاً على عدم وجود ما أسميناه بكسر النمطية، أن الكثير من الروايات العربية نجحت عالمياً ثم أسّست لها مكاناً في التلقّي العربي مثل، رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح وروايات نجيب محفوظ التي زادت مبيعاتها بعد نوبل وغيرها الكثير.
إن محدودية الثيمات ستكون في زمن لاحق مسؤولة عن قراءة وعي المرحلة، وستكون هي المرحلة التي ستتبيّن من خلال قراءات مختلفة للمؤرخين والنقاد، وحتى كتاب التاريخ من أن الواقع الذي كان يعيشه الروائي في هذه الحقب هي التي جعلت ثيمات كهذه تنطلق من مخيلة المنتج الروائي، لأنه ابن البيئة التي تتأثّر بالواقع.. ولا غرابة أن يكون التأثير الديني والسياسي هو الأكثر استحكاماً بالواقع في الزمن الراهن الذي نعيشه الآن كمنتجي نصّ ومتلقّين.
إن ثنائية الدين والسياسة ربما جاءت بدلاً من ثنائيات عديدة.. المقاومة والوطن.. التحرير والإمبريالية.. الاستعمار والقومية، التي كانت تتمتع بها ثيمات وحكايات السرد العربي منذ منتصف القرن الماضي.. وهو الأمر الذي يعطينا دافعا لتثبيت ما قلناه في تأثير البيئة التي يعيشها المنتج الروائي.. فإن واقع الاحتلالات التي كانت مفروضة في مطلع القرن الماضي غير واقع التخلّص من الحكام في مطلع القرن الجديد، وغيره من تبعات ما حصل من واقع سياديني وهذا الواقع وُلد بعد الربيع العربي حيث بروز الحكم الديني وما رافقه من تعصّبات، سواء مذهبية ـ طائفية أو إفرازات حكم غبية جعلت إزاحة الثورات أو التغيّرات التي ينشدها الفرد العربي، ومنهم المنتج الروائي، أن يكون تحت سطوةٍ جديدةٍ ولّدت من جهتها تشوّهات وعدم الثقة، حتى بموضوع الوطن.. لأن ردّ الفعل قد لا يكون مناسباً في القوّة وعكس الاتجاه، بل ربما أكثر في ردةّ الفعل وتناثر الاتجاهات، وهو الأمر الذي قد تبدو فيه ثيمات الرواية متشابهة، لكن بمراجعةٍ بسيطةٍ نجد أن كلّ حالات التجييل التي ذكرناها تعيش هذه الإرهاصات العقيمة في حالات الانتقال من موجة الوطن والبحث عن الوطن والتخلّص من الاستعمار والاحتلال، ومن ثم الوقوع في قبضات الطغاة ومن ثم التخلّص منهم ببروز الموجة الدينية وتعصباتها، هي كلّها محمولاتٍ دلاليةً لإنتاج الثيمة السردية.. ولا يمكن نكران وجود انزياحات هنا وهناك في لحظات الهدوء النسبي التي شهدها العالم العربي في الثلاثين السنة الأخيرة من القرن الماضي، التي توّجت فيها الكتابة الروائية.. مثل الكتابة عن الحب أو العودة إلى التاريخ واستلهام التاريخ والحديث عن البورجوازية وما بعد الاحتلال، الكونيالية وغيرها من المصطلحات التي يعج بها الواقع النقدي والمدارس النقدية.. وهو أمر لا يمكن فصله عن الواقع السياسي العربي، بمعنى وجود أمرٍ سياسيٍّ لكي تكون هناك فسحةٌ زمنيةٌ لبناء العصر الطغاتي لهذا البلد العربي أو ذاك.
إن ما ذكره سرحان من أمثلة (سي السيد) نجده في الرواية العربية بأسماء مختلفة كأن يكون «المختار» في العراق أو «الأبضاي» في سوريا.. ولهذا فإن ما يمكن تناوله من نصوص جديدة لا يمكن أن تخترق عملية كسر النمطية التي يحتاجها المتلقي في عملية إيراد ما هو سائد بطريقة أخرى، وهذه هي ثيمات واقعية استثمرها المنتج لأنها من البيئة، استلهمتها المخيلة في تكوين عالم تشويقي لم يره المتلقي.. وبهذا يمكن لنا القول إن منتج الرواية لا يمكن له التغرّب عن واقعه.. لكنه يمكن بطريقة أخرى أن يبتدع طرقاً تدوينية وابتكار عوالم سردية وليس إيجاد ثيمات تبتعد عن السياسة والدين، وهو غارقٌ في المماحكة والمعارضة والكبت الذي يعيشه بسبب السياديني.. بمعنى أن تشابه الثيمات في الواقع العربي مرده أن الواقع متشابه، فلذا ينتج ثيمات متشابهة وهو أمر طبيعيٌّ، ولكن على المنتج أن لا يستنسخ طرقاً تدوينيةً متشابهةً لمثل هذه الثيمات، وحتى الحكايات حينها سيكون فعله بقليلٍ من الهدوء النقدي جيداً.. لأننا من جهة أخرى لم نطّلع على كلّ النتاج الذي كان في زمن دستويفسكي أو بلزاك أو أيّ شخصيةٍ روائيةٍ، حتى الحديثة منها كماركيز أو بورخس، لأن ما وصلنا في كسر نمطية التلقّي هو الانبهار الذي صاحب التلقّي.. ولذا فإن الكثير الآن يُشكّل على الإطناب، الذي تحفل به الكثير من روايات من ذكرناهم.. بناء على نقد النقاد للرواية العربية التي يقال إنها تميل إلى الإطناب ووصف الصورة أكثر من إعطاء الملمح الحدثي الذي يحمل فلسفته.
إن خاتمة ما قاله سرحان لا تبدو بعيدة عن الحقيقة اذا ما استثنينا كلمة الموت وكأنها الحقيقة الوحيدة حين قال «إذا ما أريد للرواية العربية مواصلة الحياة وأخذَ جرعات منشطة تؤخر الموت المقبل لا محالة، فلا بد من اختراع ثيمات جديدة تفتح أبواباً طارئة على وعينا بالعالم في ديمومته وتدفقه وسريانه) بل نراها دعوةً مهمةً ليس لمخالفة البيئة، بل للبحث من داخل البيئة عن ثيماتٍ لا يراها المتلقّون وتبثّ فيها روح السرد بطريقة تدوينية جديدة لا تخلو من الدهشة ولا تبتعد عن عناصر الروي. ولدينا في العراق الكثير من الثيمات التي تدور عن الحروب العديدة، سواء حرب إيران أو أمريكا بعاصفتيها أو حرب الكويت أو الحصار أو حرب تغيير النظام عام 2003 أو حرب الإرهاب والسياسة الجديدة، وهذه كلها ثيمات سيادينية تؤثّر على المنتج وربما لا تقمع المتلقي الحالي لكنها بالتأكيد ستكون مهمة في زمن ما مثلما وصلنا إنتاج الآخرين بعد زمنٍ من الإنتاج؟

٭ روائي عراقي

 

تعقيبا على مقال حسن سرحان: هل حقا الرواية العربية في طريقها إلى الاندثار؟

علي لفته سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية