بيروت ـ «القدس العربي»: كما تنعش رائحة زهرة الليمون زائر مدينة صيدا في فصل الربيع، كذلك تثير شهيته رائحة الحلويات المنتشرة في كافة أحيائها القديمة والجديدة، فصيدا مدينة الحلويات الطيبة.
لصيدا مع صناعة الحلويات تاريخ يرقى لعهد قديم جداً. ومع مرور الزمن دخلتها تطورات لا تحصى نوعاً وشكلا وطعماً. وإن كانت البقلاوة من أصل تركي وقد أتتنا مع الاحتلال العثماني، إلا أنها وعلى مدار السنوات العشر خضعت للكثير من التعديل. في الطعم اكتسبت ابهة مع الصنوبر وماء الزهر والورد. وفي الشكل صارت رشيقة وأكثر جاذبية. أصناف متعددة من الحلويات أضيفت إلى القائمة وصارت مطلوبة.
صيدا في شهر الصوم تشهد ازدحاماً لافتاً في محال الحلويات، وفي العيد يبلغ الاستعداد أوجه بتحضير كافة أنواع المعمول والبقلاوة. فصيدا التي اشتهرت فيها عائلات كثيرة بصناعة الحلويات، وصار من العائلة نفسها فروع تنتشر داخل المدينة وفي شوارعها الجديدة التي يغلب عليها الطابع الفخم، لا تزال تُعرف أيضاً بأنها أم الفقير. ترحب بمحدودي الدخل. وفي أحيائها القديمة تدرك رأفتها بفقير الحال. في تلك الأزقة لا تزال محال الحلويات مزدهرة، وجذّابة باتكالها على الصناعة اليدوية. أما المحال الكبرى فصارت لها مصانعها الحديثة المتطورة.
قبل يوم من عيد الفطر كان لقاء مع أحد أعرق صانعي الحلويات في صيدا العتيقة، هو الحلونجي المعروف بـ «بْديع». كان في الصباح يتبادل أطراف الحديث مع الجيران وكل يستند إلى كرسيه مستفيداً نسمات لطيفة. هو محمد أديب حسن بْديع من مواليد 1936. يخبرنا بعمله في هذه «السهلة منذ 55 عاماً». كيف بدأت حكاية بْديع مع الحلويات؟ كان بعمر التسع سنوات يعمل لدى «فول الندّاف بزق الصواني مقابل ليرة يومياً و 35 قرشاً للطعام. وما أن ينتهي العمل حتى أسرع للسباحة والصيد». ويضيف: كنت ماراً من هنا، وإذا برجل له ذقن يناديني: عمي ابن مين أنت؟ ابن بْديع مرْني؟ هل تعمل معنا حلونجي؟ كان الحاج مصطفى الديماسي عائداً من فلسطين ترك محله في حيفا جديداً. استمهل بْديع سائله للوقوف على رأي والدته. محمد بْديع الذي أنهى دراسته عند صف «سعاد وأخيها الصغير»، كانت والدته ترغب بتعليمه «صنْعة». نصحته بالموافقة، بدوره وجدها فرصة تريحه من الاستيقاظ المبكر وتقشير الثوم. في اليوم التالي باشر، وبدأ الصغير محمد يتنشق رائحة الحلويات على أنواعها، ويتابع بدقة والهدف «بدي القط المصْلحة يحكون أحياناً بالإشارة لكني أحاول تسجيل المفيد في دماغي. في رأي الرغبان بصير حكيم من النظر»؟
يعرف محمد جيداً كم يتكتم أصحاب المصالح على أسرار مهنتهم. «كنت أغسّل، أمسّح وأجلي صدورا وزق ع الفرن، أما شغل بالحلو فلا. بعد أن ناديت على الكثير من أنواع الحلويات وبعتها لصالح المعلم وضعت نصب عيني صدر البقلاوة. قررت أن أصنعه في يوم قريب.» وسارع بْديع بإحضار النشّابة والمكبس اللذين اشتراهما يوم صنع صدر البقلاوة الأول في حياته. ويسّر لنا أيضاً «اخبأت صدرين قديمين من النحاس اتفرج عليهما وأعيدهما إلى مكانهما».
في حكاية اقتناء النشابة يروي بديع أن حفوضة طلب بدلها أربع ليرات وأخرى مماثلة للمكبس. من أين لي هذا المبلغ؟ وأكبر موظف في صيدا كان يتقاضى ثلاث ليرات يومياً. لكني وجدت مرادي في محل الأنتيكا، وبليرة لبنانية فقط. جئت إلى البيت بعد شراء الطحين، النشاء، الصنوبر والسمن الحموي. استغربت والدتي عودتي مبكراً. وغادرت هي بعد قليل، فبدأت الشغل. عجنت ورقيت وأنا أضحك من نفسي وأسأل «معلم أنا يا محمد؟» عمري عشر سنوات عجنت البقلاوة. كيف سأخبز صدر البقلاوة؟ حملته إلى فرن أبو سعيد حيث يخبز معلمي الديماسي. طلب مني القطر فرحت إلى المنزل لتحضيره، وكان قطراً أشقر. وعندما تذوق أبو سعيد القطر هزّ برأسه وراح يتأملني متسائلاً بسره وسقى الصدر به. عدت إلى المنزل وأخفيت صناعتي تحت التخت. نظفت المنزل من كل أثر. لكن أمي سألت عن «الريحة الحلوة»؟ وهي طبعاً من السمن الحموي. وفي اليوم التالي جئت إلى عملي كالعادة، فإذا بأحدهم يقول للحاج الديماسي: يا حاج بدناش نطلع بداديق مصلْحة. وبصريح العبارة ناداني الحاج الديماسي بالقول: أنت خبزت صدر بقلاوة مبارح؟ لم أنكر. وطلب بعضها، أسرعت إلى البيت وعندما سحبت صدر البقلاوة كانت المفاجأة لدى والديّ اللذان لم يبحثا عن مصدر الرائحة الطيبة. فاستغربا وتفاجأ، وعندما تذوقاها قال أبي «الله وأكبر». أحضرت الصحن لمعلمي وهو الأكبر في العالم في صناعة الحلويات. خرجت من المحل إلى حيث أبيع المشبك، وسمعته ينادي أبو علي الظريف لتذوق صناعتي على أساس أنها لأحدهم ويرغب بالعمل معهم؟ سمعته بأذني يقول: الله وأكبر من هو هذا المعلم؟ ثم دخل أحدهم من آل المجذوب وتذوقها، فطلب مباشرة صدراً يماثلها. وعندما قال له «الصبي اللي برّا عملها» رد عليه «وحد الله». ثم ناداني وقال: عالطاير تتعلم البقلاوة وعندي العكاوي بياع الحلو جاء معي من فلسطين إلى صيدا ومشبك ما بيعرف يصب؟
يعود محمد بْديع إلى صيدا وتاريخها مع الحلويات: في بداية الخمسينيات كان حسن عجرا ومحمد علي بورا وحدهما يصنعان البقلاوة أحدهما لآل السنيورة والآخر لآل الرملاوي. عندما وجد الحاج الديماسي أن حضوري كولد بين الشغيلة سيؤدي لزعل كبير، طلبت أجري واستأجرت محلا صغيراً في حي أبو نخلة في صيدا القديمة بليرتين شهرياً. وبدأت تحضير ما يلزم. لم اكن أملك بدل البلاط للرق، فرحت إلى الدف، ووجدته لدى البلولي في حارة اليهود. جمدته بلوح توتيا، وأحضرت سيبة لأتمكن من التبسيط على البحر. وهكذا صنعت الشعيبيات وكنا نبيعها الثلاثة بربع ليرة، وفي اليوم التالي النمورة. ومن ثم صنعت النوعين معاً. وصرت احصل في اليوم بين 7 و8 ليرات، «صرت خواجا» وأنا في عمر ال12 سنة.
هذا الخواجا الصغير لم يكن يبخل على نفسه يقول: صرت استأجر الحنطور وأذهب للنزهة على الكنايات. ومن ثم وسعت عملي وصار أخي يبيع أمام الحل في أبو نخلة وأنا على البحر. وعندما قال الكريم خود صارت لي عربة مدهونة ومرتبة، أبيع عليها يومياً بقلاوة وشعيبيات وأجول شوارع صيدا جميعها، وخواجات المدينة يشترون مني بالجاطات، جننت الناس بصناعتي بخاصة البقلاوة التي كنت احشوها بالكستنا. ويستطرد: هذا ليس بغش لأن البيع كان يتم على التذوق، والسمن الحموي الأصلي كان يطغى بطعمه ورائحته.
في سؤاله عن سيرة الحلونجية في صيدا يجزم محمد بْديع ان ابو محمد الديماسي وحده ورث المصلحة عن أهله. آل السنيورة لا يعرفون رق البقلاوة يصنعون المعمول فقط. البقلاوة، البرمة، الفيصلية تحتاج معلم يدق بالعجين ويشربه زيت زيتون وحليب ليوضع على الصاج. فقط ابو العبد الديماسي هو أصل الحلو. ويقول: بالمناسبة أرسل لي الرئيس فؤاد السنيورة سلام وهو لا يزال يتذكر اننا كنا نلعب الفوتبول معاً مع سمير حبلي وآخرين قرب الأمركان.
لم يصمد محمد بْديع طويلا عندما عمل لدى الصمدي في بيروت بعد أن نجح في الامتحان، واستحق راتباً كبيراً، لكنه افتقد صيدا والصيد في بحرها. من دوّخ عجينة البقلاوة منذ لمسها بقي بحر صيدا ساكناً فيه. جاءه سفر ليقبر الفقر إلى الدول العربية والأجنبية لكن بحر صيدا هو الأهم وبقلاوتها ايضاً. لا أخفي عنك «مولع بالقصبة».
وعندما أتوني «المرغين تاعول ابو فاعور» راهنت عليهم أن يجدوا صرصورا. فرحلوا خائبين «المواصفات عندنا أكثر من مطابقة»، قال لوزارة الصحة واثقاً.
زهرة مرعي