منذ أزمة اللاجئين التي فاجأت القارة الأوروبية بشرقها الممانع وغربها المرحب بحذر، والجدل يدور على كل المستويات الأوروبية الرسمية والأكاديمية والشعبية عن هذا الدفق البشري الهائل القادم من الشرق.
اللجوء فكرة إنسانية أقرتها القوانين الدولية كما أنها تتماهى مع منظومة القيم الأوروبية الحديثة وهو ما تجلى بالقبول الشعبي للاجئين والذي تغلب على موجات الرفض العنصرية لهم.
لكن الحديث الآن يدور حول ما بعد مرحلة قبول اللاجئين، وتحولهم إلى مقيمين ومهاجرين كمشاريع مواطنة في المستقبل القريب حسب قوانين الهجرة في الدول التي يلجأون إليها.
وأول ما يواجهه المهاجر أو المقيم الجديد في دول المهجر، برامج الإندماج الاجتماعي والاقتصادي فيها، خصوصا في دول الغرب الأوروبي التي وضعت أسسا قديمة لبرامج تنفق عليها الدولة لغايات دمج القادمين الجدد إليها بهدف استيعابهم واحتوائهم في المجتمعات المحلية.
بين الاحتواء والاستيعاب
فكرة الإندماج، فكرة احتوائية أكثر منها استيعابية كما يقول الإعلامي البلجيكي من أصل فلسطيني إياد بيومي وقد عمل في الخدمة الإجتماعية في مدينة لييج سابقا.
ويضيف: منذ بدايات تشكل مفهوم الهجرات في العصر الحديث، خصوصا إلى العالم الغربي، كانت دول المهجر الجاذبة للمهاجرين، منقسمة بين تيارين لاستيعاب المهاجرين إليها..تيار التعددية الثقافية وتيار الإندماج.
وحسب بيومي فإن مصطلح التعددية الثقافية هو الأحدث نسبيا وقد عرفت تلك الصيغة أن تجد مكانها في مجتمع مثل كندا هو أصلا مجتمع مهاجرين قائم على جيوب الاستيطان السكاني أساسا، مثله مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن يضيف الباحث أن التعددية الثقافية لم تجد مكانها كصيغة للتعاطي مع القادمين الجدد إلى أوروبا الغربية خصوصا، فالمجتمعات الأوروبية تاريخيا ليست مجتمعات مهاجرين، وهي مجتمعات عريقة وصلت هوياتها الثقافية والاجتماعية إلى البلورة النهائية منذ قرون.
ويقول: أن الاختلاف بين دول أوروبا الغربية يجد مكانه في مدى تهجين مركباتها الاجتماعية حسب التاريخ الاستعماري لتلك الدول، ففرنسا وبلجيكا وهولندا على سبيل المثال كانت ذات تاريخ استعماري أفضى في نهايته إلى هجرة أبناء المستعمرات إلى المركز، مما أجهز على تفوق العرق الأصلي فكان الإندماج يعني مسألة هوية وطنية جامعة! ويرى بيومي أن ألمانيا حالة أكثر تعقيدا وهي الآن الأكثر استقبالا للاجئين، فتاريخها الاستعماري قصير ومجالها التوسعي كان في أوروبا نفسها، فلم تقع تحت وطأة تهجين مركبها الاجتماعي لذا يصبح أمامها تحد واسع في مواجهة كل تلك الثقافات الجديدة القادمة إليها تماما كما كان تحدي مواجهتها للهجرات التركية معضلة بلا حل حتى اليوم.
من هنا يخلص إلى أن برامج الإندماج بحاجة إلى أن تقترب من معادلة الهوية الوطنية الجامعة للجميع.
حديث بيومي حول الفهم المتباين لاستيعاب المهاجرين بين الدول الأوروبية قد يجد صداه في توقعات إحصائية أصدرتها مؤسسة بروغنوس الألمانية التي توقعت نقصا في العاملين في جميع قطاعات الاقتصاد الألماني يقدر بـ 1.8 مليون شخص عام 2020 إذا لم تحصل تبدلات ديموغرافية، وهي دراسة سابقة أجرتها المؤسسة قبل عام تقريبا، أعقبتها تصريحات أصدرها وزير الداخلية الألماني توماس ميزير بعد ستة أشهر من الدراسة قال فيها أنه يجب العمل على رفع أعداد «الكفاءات» المهاجرة إلى ألمانيا عبر الترويج والدعاية للحوافز التي يمكن ان تقدم!!
هذا الاستعداد للدمج الاقتصادي في ألمانيا لا يقابله الحماس نفسه للمهاجرين في بلجيكا وهولندا مثلا، فبلجيكا مثلا وعقب صعود الحزب الليبرالي اليميني إلى الحكم منذ حزيران/يونيو 2014 لم تخف تصريحاتها المعادية للمهاجرين، والتي وصفت بالعنصرية أحيانا مثل تصريحات وزير الهجرة واللجوء البلجيكي على صفحته الفيسبوكية حين قال « .. أتفهم القيمة المضافة التي يمثلها المهاجرون ذوي الأصول اليهودية أو الصينية للاقتصاد البلجيكي، لكن لا أجد قيمة مضافة يقدمها ذوو الأصول المغربية أو الجزائرية». وهو ما يعكس الجدل الدائم في بلجيكا حول نسبة العاطلين عن العمل من ذوي الأصول العربية في بلجيكا وهي نسبة كبيرة تستفيد من برامج المساعدات الاجتماعية دون ان تقبل هي بالإندماج الاقتصادي أو الاجتماعي.
ثقافات القادمين الجدد
فهل يرفض العرب والمهاجرون المسلمون الإندماج في المجتمعات التي قبلتهم بناء على تعاقد يفترض هذا الإندماج؟
توجهنا بالسؤال إلى أحد الموجهين الاجتماعيين في مدينة غنت البلجيكية، ذات الطابع الفلاماني اليميني، وليد بوكر، وهو بلجيكي من أصول تونسية، الذي أفاد لـ «القدس العربي» ان المشكلة الأكبر تكمن في المفاهيم المسبقة في ثقافات القادمين الجدد، في تقبل فكرة الإندماج الاجتماعي تحديدا.
ويضيف، أنه ومن ملاحظاته الشخصية على مدار سنوات خبرته العملية فإن القادمين من افريقيا مثلا، يأتون إلى المهجر بحالة مادية صعبة ويطمحون للأفضل، وعليه فهم متقبلون لفكرة الإندماج الاجتماعي لكي يصلوا إلى الإندماج الاقتصادي، لكن غالبية المهاجرين العرب، عموما وهناك استثناءات قليلة كما يقول، يأتون إلى بلجيكا في حالة من الاكتفاء الذاتي للعيش، وهو ما يجعلهم يحجمون عن الإندماج غالبا لكن هذا لا يمنعهم من الاستفادة من المزايا المادية للمساعدات التي تقدمها الدولة.
وعن سر هذا الرفض للإندماج في المجتمعات الأوروبية، يقول وليد بوكر، أن الثقافة العربية والفهم الخاطئ للثقافة الإسلامية ينتقلان مع المهاجر العربي الذي يعتقد أنه أفضل ثقافيا من سواه في العالم، وهذا الإحساس النخبوي الزائف يجعله يعتقد بأحقيته في المكان، مع انعزاله عن المحيط حوله.
ويؤكد وليد بوكر، وهو ممن يطبقون برامج الإندماج على مدار سنوات طويلة في بلجيكا، أن برامج الإندماج الاجتماعي لا تتعارض مع أي ديانة ولا عقيدة بما فيها العقيدة الإسلامية، وأن عمله ببساطة يبدأ بتوضيح فكرة بسيطة لكل مهاجر يرغب بالإندماج أنه قادم من حضارة إلى حضارة أخرى..عليه ان يتفهمها لا ان يرفضها.
ويرى ان موجة الهجرة واللجوء الأخيرة القادمة من الشرق تتطلب تغييرا جذريا في برامج الإندماج يتناسب مع ثقافة وعقليات هؤلاء القادمين مبينا مخاوفه ممن سماهم بالمغسولين دماغيا على حد قوله من متطرفين يخفون في دواخلهم فكرا متطرفا قد يتطور إلى سلوك إجرامي فيما بعد ما لم يتم العمل على دمجهم، وهو يرى أن تشديد القوانين الأمنية ضرورة مرافقة لبرامج الإندماج.
وحول مراكز الإندماج كشف انها زادت من تعاونها الأمني مع السلطات الأمنية والبوليس السري في بلجيكا بعد موجة اللاجئين الأخيرة، وان تقارير يومية ترفع إلى السلطات حول أي حالات مشكوك في أمرها خصوصا ممن يرفضون الإندماج.
وختم المختص بالإندماج الاجتماعي بالقول أن تعليمات جديدة قيد الصدور قريبا ربما في أوروبا كلها حول ربط مؤسسات الدولة كلها ببرامج الإندماج للتأكد من سير العملية في مسارها الصحيح.
إندماج أم هضم؟
نادين نفاع، ناشطة اجتماعية في شؤون اللاجئين وإندماجهم، وتعمل على مدار اليوم ميدانيا مع موجة القادمين الجدد في بروكسل العاصمة البلجيكية، التقتها «القدس العربي» لأخذ رأيها حول مفهوم الإندماج عمليا على أرض الواقع، مع طرح تساؤل حول لماذا ترفض المجتمعات العربية تاريخيا الإندماج في المجتمع الأوروبي، فقالت أنها وحسب رأيها الشخصي كناشطة وخبيرة في الميدان، فإن ما تقدمه الدولة ليس برنامج إندماج بقدر ما هو برنامج «هضم» للمهاجرين بحيث يتم إجبارهم على قبول الثقافة الجديدة بدون حق الاعتراض. لكنها أضافت أن الجواب على السؤال يحمل شقين أحدهما يتعلق بالجيل الثاني والثالث ممن ولدوا في بلجيكا مثلا أو هولندا وألمانيا، وهؤلاء رغم أنهم يحملون المواطنة إلا انهم فعليا تعرضوا لتمييز ممنهج في الدولة، أقصاهم عن المواطنة حسب قولها، وهي ترى مثلا ان الدولة البلجيكية تؤيد التمييز في بعض الحالات خصوصا في الوظائف، وهذا يؤدي بهؤلاء إلى حالة اغتراب داخلي، مشيرة إلى أن هناك دراسات (لم تذكرها) أثبتت أن طلابا بلجيك من أصول مغاربية حققوا علامات أكاديمية مرتفعة تؤهلهم لكليات عملية رفيعة في الجامعات، تم تحويلهم قسرا إلى مراكز مهنية ..مؤكدة انها نظرة بلجيكية عامة عنصرية تجاه هؤلاء، تؤدي إلى إحباط..فعن أي إندماج نتحدث؟ تتساءل نفاع.
وحول برامج الإندماج للقادمين الجدد، وهو الشق الثاني من الإجابة حسب قولها، فالأمر أيضا يتعلق بنظرية ومفهوم القصاص المالي، فكل من يتخلف عن حضور برامج الإندماج يتم بمنع المساعدات المالية عنه وهي مصدره الوحيد للعيش ربما. وترى أن بعض هؤلاء يحتاجون إلى مساعدة نفسية خصوصا القادمين من كوارث الحروب، وبعضهم غير مؤهل لبرامج الإندماج نظرا لأنهم أميون قادمون من بيئات معدومة ثقافيا وتعليميا، مما يجعلهم قاصرين عن استيعاب حجم المعلومات في تلك البرامج.
نفاع، التي انتقدت المؤسسات الرسمية، وجهت نقدها أيضا لفئة من القادمين من هؤلاء اللاجئين لرفضهم الإندماج، فبعضهم تم إجبارهم على ترك أوطانهم وبيوتهم، وكردة فعل نفسية حملوا معهم عاداتهم ومخاوفهم النفسية إلى مهاجرهم القسرية، مما أدى بهم إلى رفض قبول فكرة الإندماج والتوجه نحو الانعزال عن محيطهم الجديد.
وهي ترى ان الدول والمؤسسات الرسمية الأوروبية بحاجة إلى التعاون مع مؤسسات مجتمع مدني فيها أصول عربية للوصول إلى فهم مشترك يصل إلى حلول عملية تجنب الجميع من المخاوف، وترى مثلا أن الدولة في أوروبا عليها أن تتبنى اللغة العربية كلغة إختيارية تستحق الدعم في التعليم، وهذا يؤدي بالمهاجرين إلى خيار آخر غير الخيار الوحيد بإرسال أولادهم إلى الجوامع والمراكز الدينية التي تحتكر تلك الميزة، فتعمل على غسل أدمغة الصغار وتنتج متطرفين في النهاية.
فرز المهاجرين
فكرة التعاون والاستعانة بموادر بشرية من أصول عربية في عملية دمج المهاجرين وتعليمهم، فكرة طرحتها أيضا لطيفة بو شتروش، وهي مدرسة بلجيكية من أصول مغربية في التوجيه الاجتماعي في حكومة الفلاندرز المحلية في بلجيكا. حيث ترى ضرورة زيادة الموارد البشرية من أصول عربية في مراكز الإندماج بل في كل مؤسسات الدولة الملامسة لحياة هؤلاء المهاجرين، وهذا يتطلب مبادرة رسمية من الحكومات، خصوصا اليوم بعد هذا الدفق الجديد من المهاجرين القادمين من المشرق العربي.
لكنها، وعلى عكس نادين نفاع، تضع اللوم الأكبر على مجتمع المهاجرين العرب نفسه، فهي ترى أن العربي بحكم ثقافته منغلق على نفسه لكنها تعترف أن مقابل ذلك هناك مزاج أوروبي صعب في تقبله للقادمين الجدد إليه، وهو ما يتطلب حسب رأيها جهدا من الطرفين للوصول إلى عيش مشترك.
بو شتروش لم تخف مخاوفها من قادمين منغلقين وقد يكونوا متطرفين بين القادمين الجدد، وطالبت أن تعمل الدول في أوروبا على تفعيل دورها الأمني بفرز المهاجرين قبل إلحاقهم بمراكز الانماج وذلك حماية لأمن المجتمع.
أما عن ربط المساعدات المالية بالإندماج وبرامجه الممنهجة، فلا ترى فيه قصاصا بقدر ما هو ضغط ضروري لكي ينظر المهاجر الجديد في حياته ومعيشته ويصبح منتجا لا عالة على الدولة والمجتمع الذي يدفع ضرائب لإعالته.
الأمان أولا
وفي محاولة من «القدس العربي» لاستكمال جوانب الموضوع، التقت بالدكتور عمار دعاس، وهو بلجيكي من أصول فلسطينية، مهاجر ويحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة المائية لكنه لم يجد عملا داخل بلجيكا يناسب مؤهلاته، فاستثمر في مطعم في مدينة غنت البلجيكية.
وهو يرى بداية أن العربي عموما يأتي إلى المهاجر بحثا عن الأمان ولا يهمه الإندماج بقدر ما يهمه الشعور بالأمان.
وحول برامج الإندماج يرى ان نظام اللامركزية الإدارية يجعل من الصعب التعميم في الرأي، ويطرح مثالا ان بلدية مدينة غنت مثلا ترحب باللاجئين وتستقبلهم بينما بلدية مدينة أنتويرب أعلنت إغلاق أبوابها أمام اللاجئين، وهو ما يضع فكرة الإندماج في مهب المزاجية الإدارية لا الثبات القانوني.
ويرى ان الأهم من برامج الإندماج هو تأهيل وفرز اللاجئين قبل إلحاقهم بتلك البرامج مقترحا جلسات توعية تنظمها مؤسسات مجتمع مدني فيها أصول عربية، للتوعية بالمجتمعات الجديدة، ونبذ الأفكار المتطرفة المحمولة مسبقا لدى البعض، مؤكدا ان هناك متعلمين يحملون أفكارا متطرفة وكما يوجد غير متعلمين يحملون تلك الأفكار ولا بد من فرز الطرفين، والتعامل معهما بشكل متفاوت.
ما سبق آراء أجملتها «القدس العربي» في تقرير واحد، ومع تفاوت الرؤى والمنطلقات بين أصحابها إلا أن من الملاحظ ان هناك حذرا حقيقيا يتواجد من خطر التطرف الذي يحمله بعض المهاجرين، وهو ما يضع فكرة الإسلاموفوبيا في صدارة المشهد من جديد في أوروبا لا بين اليمين الأوروبي وحسب، بل بين كل الأوساط بكل مستوياتها خصوصا في ظل ما يراه الجميع من عنف ديني قادم من الشرق الأوسط، قد يكون شيء منه كما يرى مراقبون، قد انفلت بين المهاجرين ليزرع بذوره في القارة البيضاء.
مالك العثامنة