يوظف سعيد يقطين مفهوم «التفاعل النصي» في النصوص السردية المعاصرة التي تتداخل أحداثها مع بعض النصوص التراثية القديمة كألف ليلة وليلة وتغريبة بني هلال وكليلة ودمنة وغيرها، ويسهم مفهوم التفاعل في إحياء تلك النصوص وإعادة تشكيلها بقالب سردي معاصر، يُراد من توظيفها التعبير عن قضايا الكاتب وتفسير بعض الجوانب الغامضة فيها، وتعد رواية «تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية « للروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي، من الأمثلة الجليّة على ذلك، ويتجلى تفاعل الكاتب مع التراث العربي ابتداء من عتبة العنوان، الذي يتألف من مكونين إيحائيين إلى الشكل السردي العام، الذي بنيت عليه أحداث الراوية، وصولا إلى المتن السردي المتضمن لعدد من الاقتباسات الدلالية المختلفة.
تنتمي رواية لحبيبي إلى السرد التضميني الذي يوحي إلى تفاعل النص مع غيره من النصوص الأخرى، وتضمينها وكأنها جزء من بنائه السردي العام، فتستوحي الرواية بعض فنون التراث العربي القديم، وتفسر من خلالها الواقع الذي يعيشه العالم العربي، فيعيدنا الكاتب عن طريق رحلة العبدي إلى واقع بعض المجتمعات العربية في القرن التاسع عشر، الذي كان قائما على الانتكاسات والهزائم، بالإضافة إلى زمنه، الذي أعاد الكثير من الأحداث إلى ما كانت عليه، يدون تقدم يُذكر، فجاءت الرواية لتحاكي تلك الفنون بهدف إحياء الموروث العربي من جهة، وسرد أحداث ذلك الزمن ومقارنته مع المجتمعات الأوروبية المتقدمة من جهة أخرى.
يتألف عنوان الرواية من مكونين: الأول مكون وصفي يوحي بمفردة «تغريبة»، وهي «مفهوم خاص، يوحي بنوع أدبي شعبي في الثقافة العربية الكلاسيكية»( سعيد يقطين) ويقصد به الترحال والتنقل من مكان إلى آخر، وتعد «تغريبة بني هلال» النص التراثي النموذجي الذي استحضر ذلك المفهوم، وقد اعتمد عليها الكاتب هنا في وصف الأفكار العامة الواردة في روايته، والقائمة على رحلة شخصية وهمية أطلق عليها اسم «العبدي بولد الحمرية»، الذي يمثل المكون الإسمي، الذي سيقوم بالترحال والتنقل من آسفي ـ مدينة في المغرب ـ إلى بلاد الحجاز، وسرد الوقائع التي حدثت له في تلك الرحلة الطويلة ملتقيا الكاتب بذلك مع المكون الإسمي الثاني من تغريبة «بني هلال»، وبالتالي فقد جاء عنوان الرواية متفاعلا معها، وموحيا إلى دلالة الأحداث فيها، وقد كان الروائي الجزائري واسيني الأعرج سبّاقا في استحضار هذا التفاعل في روايته «نوّار اللوز.. تغريبة صالح بن عامر الزوفري» التي درسها الناقد سعيد يقطين بالتفصيل وأدرجها في كتابه «الرواية والتراث السردي».
كما تكمن مظاهر «التفاعل» مع التراث في رواية لحبيبي من خلال البناء السردي العام في الرواية؛ والذي يقوم على مظهرين سرديين؛ الأول سرد مغامرات إحدى الشخصيات المعاصرة التي تعثر على مخطوط قديم في سوق العفاريت – سوق المستعمل – ومحاولة الحصول على موافقة أحد المشرفين الجامعيين للإشراف عليه في تحقيق ذلك المخطوط، إلا أن كل تلك المحاولات تبوء بالفشل؛ بسبب عدم وجود مرجع أصلي لذلك المخطوط، وعدم اهتمام مشرفه به وبمخطوطه، وفي هذا الجزء تتولد فكرة تأصيل التراث، وإحياء فروعه المختلفة، وبيان موقف الآخرين منه، والثاني سرد تضميني لذلك المخطوط وتفسير الجوانب الغامضة فيه، ويعد هذا الجزء القيمة الفنية الأساسية في الرواية؛ لأنه يشكل اللعبة الفنية التي اتكأ عليها الكاتب في تفسير أحداث واقعه المعاصر.
وتمثَّل السرد التفاعلي أيضا في متن المخطوط المتخيل، من خلال سرد الوقائع والمغامرات التي حدثت للعبدي أثناء رحلته إلى بلاد الحجاز؛ لأداء فريضة الحج، ويلتقي متن الرواية مع أدب الرحلات، وبيان تأثر الكاتب بشكل واضح برحلة ابن خلدون وابن بطوطة وابن جبير وغيرهم، ويتمثل ذلك التأثر في تضمين المخطوط للحواشي الشارحة، التي وضعها محقق هذا الجزء من الرواية، على اعتبار أنه قام بتحقيقها وتفسير الكلمات الغامضة فيها، وبمقارنة ذلك مع ما ورد في رحلة ابن خلدون – على سبيل المثال – نجد أن المخطوط المتخيل تضمن حواشي تفسيرية على الطريقة التي قام بها ابن خلدون في تفسير بعض المفردات في رحلته، وتوضيح بعض الأماكن فيها، وهذا يشير إلى تأثر الكاتب بأدب الرحلات، والتواصل مع بعض عناصرها الفنية في التعبير عن أحداث الرواية.
وتتجسد مظاهر التفاعل النصي أيضا في اعتماد سارد المخطوط على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تخدم أفكار الخطاب المعروض، والاتكاء على الأمثال الشعبية التي تعزز محورية الحدث النصي، كما خصص سارد المخطوط جزءا كاملا سماه «كتاب الفردوس المفقود» يتفاعل فيه مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وكتاب «الإسرا في مقام الأسرى» لمحيي الدين بن عربي، ليشكل من مخطوطه نصا سرديا جامعا لفنون التراث العربي المختلفة، التي تولد في نفس القارئ حب الاطلاع عليها ومعرفة جماليات مضمونها.
وتميزت رواية لحبيبي بقدرتها على محاكاة زمن الحدث للمخطوط من حيث اللغة ووصف الأماكن والشخصيات وتسلسل الأحداث، والتعبير عنها بأسلوب سردي معاصر من خلال توظيف الوقفات الوصفية، وعناصر الزمن الروائي، من استباق واستذكار وحذف ضمني وغيرها، وهي عناصر أساسية يحتاجها الكاتب لجعل النص مشوقا وحاضرا في ذهن القارئ، وهذا ما لا نجده في رحلة ابن خلدون – على سبيل المثال – لتكون هذه الرواية، رواية التفاعل مع التراث واستجماع عناصره بأسلوب كتابي معاصر.
٭ باحث فلسطيني / اسبانيا
حسني مليطات