كان الفن زمان، إختصاصا وتخصصا. بمعنى أنك مطرب، فمجالك هو الغناء والموسيقى والطرب، ونجوميتك هي الإبداع بتخصصك الفني، إن كنت ممثلا، فطريقك لإثبات نفسك لتصبح مشهورا أن تمثل جيدا. حتى الرقص الشرقي كانت سامية جمال واضحة بتقديم نفسها أنها راقصة مع تمثيل لا يتعدى على التخصص الأصلي، وتحية كاريوكا مثلت، لكنها بقيت راقصة محترفة ومميزة إلى حد أن الراحل إدوارد سعيد كتب عنها ما يشبه التشخيص الأدبي.
طبعا هناك مطربون قاموا بالتمثيل، وممثلون أقل نجحوا في الغناء وفنانون رقصوا وغنوا ومثلوا وقاموا بالتأليف أيضا، وهؤلاء عمالقة يجود بهم الزمان أحيانا (الله يذكر بالخير الفنان عبدالحسين عبدالرضا مثلا).
هذا كله، حصل ويحصل في عالم الفنون، لكن السيدة أحلام، خطت منهجية جديدة ومدرسة مبتكرة في التواجد تحت الضوء أطول مدة ممكنة، لتشغل الناس وتملأ الدنيا بالضجيج، من خلال افتعال الأزمات والمشاكل تلو المشاكل، ومثل صنوها بالمفهومية الرئيس دونالد ترمب، فإن أحلام تؤمن بان التويتر منصة صواريخ موجهة لا تغريدات معلوماتية وحسب.
قبل أسبوع، استضاف ممثل التقديم التلفزيوني عمرو أديب، الفنان اللبناني راغب علامة، الذي فتح شيئا من مكنونات قلبه ليتحدث عن أزمته الأولى مع أحلام في أول مواسم «آراب أيدول»، الرجل تحدث بما يكفي لبرنامج يبحث عن مادة من هذا النوع أصلا.
عمرو أديب، وجه دعوة بعد ذلك لأحلام كي تكون ضيفته في برنامجه، فكان رد أحلام على منصة إطلاق صواريخ «تويتر»، حزمة باتريوت خارق حارق موجهة لعمرو أديب.. وهات حلها الآن.
أتابع عبر المواقع و«تويتر» أحـلام نفسـه منذ فترة طريقـتها، لأكتشـف أنها فعلا تعيش على الأزمات، وخلو حياتها من أزمات تفتعلها سيجعلها خلف الضوء، رغم أنها فعلا حققت نجومية في عالم الغناء، لكن يبدو أن افتعال الأزمات طريقة أسرع وأقل كلفة إنتاجيا من ألبوم غنائي محترم.
شيرين الجميلة في الغناء فقط!
لكن، نجمة «أم بي سي» الثانية في أحد برامج الترفيه الأشهر، شيرين عبدالوهاب، كانت أيضا نجمة فضيحة جديدة، لكن هذ المرة في عرس عمرو يوسف والسورية المبدعة الرقيقة كندة علوش.
لا أحد يملك الحقيقة إلا شيرين أو ربما من يعرفها جيدا، لكن من شاهد الفيديو المنتشر في كل مكان سيتكهن أنها كانت خارج منطقة الوعي الطبيعي، وما قالته لا يمكن أن يكون نشوة سعادة غامرة بسبب الحفل، وهجومها على زملائها بهذا الشكل كان كافيا لشخص «نوستالجي» أن يعود إلى زمن الفن الجميل، حيث كانت أكثر إساءة قد تصدر عن فنان إلى فنان آخر، تبدأ بعبارة «إنت يا أستاذ فلان، كذا وكذا». بألفاظ مؤدبة ومهذبة.
شيرين، من الجيل الفني لأنغام، ومقارنة، أستذكر مرة أخرى أنغام، التي كانت مستعدة للوقوف على مسرح جرش عام 2000 مع علي الحجار وأمام مشاهدين معدودين إحتراما للمسرح ولتوفيق الحكيم كاتب المسرحية.
القنوات الفضائية، تبحث عن مثيرة جلبة مثل شيرين، وتترك سيدة مبدعة وذكية مثل أنغام، فصناعة الترفيه لا تتطلب فنا… بل ضجيجا أكبر وأكثر.
أحمد موسى و«تآمر» الإخوان على ترامب!
لكن، في الفضائيات، هناك نجوم لا يمكن تصنيفهم بالإعلاميين، احتراما للإعلام، رغم ادعائهم تلك الصفة، ولا هم ممثلون مصنفون رسميا، رغم أنهم الأكثر إبداعا في التمثيل من زاوية التدليس، وهم أيضا حواة ماهرون ومشخصاتية يجعلونك على يقين لو انزلقت معهم بأنهم رجال محترمون فعلا.
من هؤلاء، أحمد موسى، والذي يتحفنا كل أسبوع ونيف بتقليعة من تقليعاته.
آخر إبداعات موسى، حين ألقى عصاه السحرية وقال إن المظاهرات الأمريكية التي تجري ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، هي صنيعة الإخوان المسلمين وهم من يقوم بها! مؤكدا أن السلطات الأمريكية اكتشفت وجود عصابة من (الإخوان الإرهابيين) شاركوا في المظاهرة، ومؤكدا أيضا – لا فض فوه – القبض على البعض منهم.
وريث توفيق عكاشة أكد أن أجهزة الأمن الأمريكية قالت إن معظم المتظاهرين من دول من خارج الولايات المتحدة، وبالتحديد من دول شرق أوسطية ودول أمريكا اللاتينية، وطبعا هنا سرحت قليلا، في مكونات الشعب الأمريكي المتعدد العناصر، وزاوية رؤية موسى الضيقة والتي تعكس في أعماق أعماق عقله الباطن، نظرية السيد والعبد… أزمة العلاقة بين الرجل الأبيض ذي الوطن النقي الخالي من أي سمرة، وغير الأبيض من باقي الألوان، الذي لا يعرف إلا دونيته أمام تفوق الأبيض.
كم تغير الإعلام!
أتابع أحيانا برنامج اسمه «إي تي بالعربي»، وهو النسخة المعربة طبعا كالعادة من برنامج هوليودي إسمه «إي تي» يتعلق بالفضائح الفنية وأخبار المشاهير، يعني «تابلويد» تلفزيوني.
قبل فترة، استذكرت زمن الصحافة الجميل في عالمنا العربي، ومن ضمن ما تذكرت، المجلات الفنية اللبنانية خاصة، فقد كانت «الشبكة» و»الموعد» أيامها شبه خادشة للحياء، لأن منسوب الحياء نفسه كان مرتفعا جدا.. وكنت أحب مذكرات ناشر الموعد محمد بديع سربيه وصوره مع الفنانين… غلافا «الشبكة» و«الصياد» كانا يثيران حمرة الخدود وهرمون التستترون في مراهقتنا.
أما في مصر فكانت طريقة «صباح الخير» المصرية في الرسومات بدل الصور، لافتة وتعكس جهدا أسبوعيا كبيرا يحترم القارىء، وكانت «الكواكب» مجلة فنية مصرية تحاول تتبع أخبار الفنانين.
كان برنامج «إي تي» آنذاك مطبوعا، وكان رائد تلك الصحافة قبل ذلك بكثير تاريخيا صحافي مصري قديم اسمه «محمد التابعي» وكان يكتب بالسياسة، وللمفاجأة كان أحد أساتذة الراحل محمد حسنين هيكل، بالإضافة إلى أن إحسان عبدالقدوس تخرج من مدرسته الصحافية.
تلك ثورة تكنولوجيا المعلومات… عصفت بكل شيء.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة