تغييرات جذرية تاريخية في هيكلية الجيش التركي… هل تقضي على خطر الانقلابات العسكرية للأبد؟

حجم الخط
11

إسطنبول ـ «القدس العربي»: واصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته اتخاذ سلسلة من القرارات التي وصفت بـ»التاريخية» وأحدثت تغييراً جوهرياً وجذرياً في تركيبة وهيكلة الجيش التركي وتبعيته، في تحول نحو «مدنية الدولة» سيقلص خطر الانقلابات العسكرية في المستقبل لدرجة كبيرة جداً، بحسب محللين ووسائل إعلام تركية متعددة. فبعد إلحاق جهازي الجاندرما وخفر السواحل بوزارة الداخلية، تم إلحاق قادة القوات البرية والبحرية والجوية بوزير الدفاع، في خطوات تنقل السيطرة على جميع وحدات الجيش الرئيسية لقيادات مدنية، بالتزامن مع مساعي أردوغان لضم رئاسة الأركان والاستخبارات لسلطته المباشرة.

مجلس الشورى العسكري الأعلى

القرار الأبرز ضمن سلسلة المراسيم التي صدرت، الأحد، استناداً على حالة الطوارئ المطبقة في البلاد منذ محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف الشهر الماضي، يتعلق بالتحولات الكبيرة في تركيبة «مجلس الشورى العسكري الأعلى» وهو أبرز وأعلى هيئة عسكرية في البلاد.
ولأول مرة في التاريخ سيكتسب نواب رئيس الوزراء، ووزراء العدل والخارجية والداخلية عضوية مجلس الشورى العسكري الأعلى، بعد أن كان يخلو المجلس من أي شخصية قيادية مدنية عدا رئيس الوزراء الذي كان يترأس الاجتماع العسكري الأبرز والذي يعقد مرتين سنوياً.
وكان مجلس الشورى يتكون قبل التعديل من، رئيسي الوزراء، وهيئة الأركان العامة، ووزير الدفاع، وقادة القوات والجيش، والقائد العام لقوات الدرك، وقائد الأسطول، وجنرالات وأدميرالات في القوات المسلحة.
وجرى تعديل المادة المتعلقة بمهام أعضاء المجلس من «يمكن لرئيس الوزراء، ورئيس هيئة الأركان العامة، أو وزير الدفاع أن يبدوا رأيهم في القضايا الأخرى حول القوات المسلحة في حال رأوا ذلك ضروريًا»، إلى «يمكن لرئيس الوزراء، أن يبدي رأيه في القضايا الأخرى المتعلقة بالقوات المسلحة في حال رأى أن هناك حاجة لذلك». وسبق ذلك بأيام فقط، انعقاد المجلس لأول مرة في مقر مجلس الوزراء في العاصمة أنقرة، بعد عقود من انعقاده في الغرف السرية التابعة لرئاسة هيئة الأركان، وذلك في إطار الإجراءات المضادة المتسارعة ضد المتهمين بالمشاركة في محاولة الانقلاب الفاشلة، وهي خطوة عجز أردوغان عن القيام بها طوال 14 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية.
وتمكن أردوغان من عزل 3 من كبار جنرالات الجيش من أصل 16 لديهم عضوية المجلس، قبيل انعقاده بدقائق، حيث قدم الفريق أول كامل باش أوغلو رئيس أركان القوات البرية، والفريق أول إحسان أويار قائد بوحدات التدريب والشؤون المعنوية بالقوات المسلحة التركية استقالتهما، كما غاب أيضاً أقين أوزتورك، قائد القوات الجوية السابق والعضو الحالي في مجلس الشورى العسكري، بسبب توقيفه على ذمة التحقيق في قضية محاولة الانقلاب الفاشلة. ويرى مراقبون أن من شأن التغييرات الأخيرة في المجلس أن تؤدي إلى اطلاع الحكومة والرئاسة الدائم على أنشطة كبار جنرالات الجيش وما يدور من خفايا ظلت لعقود بعيدة عن الحكومة، الأمر الذي سيؤدي إلى تصعيب مهمة أي جهة تسعى لتشكيل أقطاب من داخله تمهيداً للقيام بانقلاب عسكري مستقبلي.

وضع رئاسة الأركان والاستخبارات تحت سلطة الرئاسة

في مقابلة تلفزيونية، مساء السبت، أفصح أردوغان عن نيته وضع أجهزة الاستخبارات ورئاسة أركان الجيش تحت سلطته المباشرة، وذلك على الرغم من أن الجهاز الذي يترأسه «هاكان فيدان» يكن ولاءا كبيرا للرئيس وساهم في إفشال محاولة الانقلاب بعد فشله في الكشف عن مخططاتها مبكراً.
وقال أردوغان: «سنطرح مجموعة صغيرة من الإصلاحات الدستورية (في البرلمان) من شأنها، إن تم إقرارها، أن تضع وكالة الاستخبارات الوطنية ورئاسة الأركان تحت سلطة الرئاسة».
ويتطلب التعديل الدستوري الذي يعزز صلاحيات الرئيس أكثرية الثلثين في البرلمان مما يعني أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يحتاج إلى الحصول على تأييد بعض من أحزاب المعارضة التي رفضت في السابق مساعي أردوغان لتحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي.

إلحاق فروع الجيش بوزارتي الدفاع والداخلية

وفي خطوة تهدف إلى إحكام سيطرت وزارة الدفاع على الجيش بشكل غير مسبوق، أعلن مرسوم حكومي، الأحد، إلحاق قيادات القوات البرية والبحرية والجوية في تركيا بوزارة الدفاع، فيما أكد المرسوم على أن «القوانين واللوائح ذات الصلة التي لا تتعارض مع القانون، والمتعلقة بواجبات وصلاحيات هيئة الأركان العامة ستبقى سارية المفعول».
وتضمن القرار «تخويل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إذا لزم الأمر، الحصول على معلومات تتعلق مباشرة بقادة القوات المسلحة، ومدى ولائهم، والتأكيد على صلاحية الرئيس ورئيس الوزراء في توجيه أوامر مباشرة لقادة القوات، وضرورة تنفيذ القادة الأوامر مباشرة دون الحصول على موافقة من أي سلطة أخرى».
وسبق ذلك بأيام، إعلان رئيس الوزراء بن علي يلدريم، أن مجلس الوزراء قرر «إلحاق القيادة العامة للدرك وقيادة خفر السواحل، بوزارة الداخلية بشكل كامل»، حيث تكون بذلك جميع أفرع الجيش والقوات المسلحة المركزية تحت سيطرت وزراء مدنيين في الحكومة.
وفصلت القوات المسلحة التركية، الأحد، 1389 من الجيش، بتهمة الانتماء إلى «منظمة فتح الله غولن» التي تتهمها الحكومة بالوقوف خلف محاولة الانقلاب، من بينهم العقيد علي يازجي، المستشار العسكري لرئيس الجمهورية، والمقدم ليفينت تورك قان، مساعد رئيس هيئة الأركان، والعقيد توفيق غوك، مدير مكتب وزير الدفاع. وتشمل القائمة أكثر من 100 ضابط وضابط صف من قيادة القوات الخاصة في هيئة الأركان، فضلًا عن ألف و119 عسكريًّا من القيادة العامة للدرك، بينهم 9 جنرالات.
وسيتم تجريد العسكريين المذكورين من رتبهم ووظائفهم، دون الحصول على قرار من المحكمة، ولن يُسمح بعودتهم إلى القوات المسلحة أو الدرك مرة أخرى. كما سيتم إلغاء رخص حمل السلاح والطيران الخاصة بهم، وإخراجهم من المساكن الحكومية التي يقيمون فيها.
وفي وقت سابق، أصدرت الحكومة التركية مرسوما يقضي بفصل 1684 عسكريا من القوات المسلحة، بينهم 87 جنرالا في القوات البرية، و32 أدميرالا في القوات البحرية، و30 جنرالا في القوات الجوية.

إغلاق الأكاديميات الحربية والثانويات العسكرية

نشرت الجريدة الرسمية التركية، الأحد، قرارا يقضي بإغلاق الأكاديميات الحربية والثانويات العسكرية ومدارس إعداد صف الضباط، في البلاد، التي يعتقد على نطاق واسع أن أنصار غولن يسيطرون عليها بشكل واسع.
وبموجب المرسوم الصادر في إطار حالة الطوارئ، فإن «الطلاب الذين يدرسون في المدارس الحربية، والكليات والمعاهد العليا، إلى جانب معاهد مهنية عليا لإعداد صف الضباط، سيجري نقلهم إلى كليات ومعاهد، بعد الأخذ بعين الاعتبار العلامات (الدرجات) التي حصلوا عليها في امتحان دخول الجامعات». وينص المرسوم الجديد، على «الأخذ بعين الاعتبار علامات طلاب مدارس إعداد صف الضباط، والثانويات العسكرية، التي حصلوا عليها في امتحان التعليم المتوسط، في امتحانات القبول التي تجريها وزارة الدفاع». ووفقا للقرار، فإن «الطلاب العسكريين الذين سيتخرجون اعتبارًا من 30 أغسطس/آب المقبل، سيطبق عليهم القرار الجديد ولن يتم منحهم رتب ضباط وصف ضباط».
وعوضاً عن ذلك قررت الحكومة تأسيس جامعة جديدة باسم «الدفاع الوطني» تابعة لوزارة الدفاع، تتشكل من معاهد تهدف لتقديم خدمات التعليم العالي، وتخريج ضباط ركن، إضافة إلى أكاديميات حربية وبحرية ومدارس إعداد ضباط صف.
وينص المرسوم على «اختيار رئيس جامعة الدفاع الوطني من قبل رئيس الجمهورية، من بين 3 مرشحين يقترحهم وزير الدفاع، ويوافق عليهم رئيس الوزراء، فضلا عن تعيين 4 مساعدين له كحد أقصى، يختارهم وزير الدفاع».
كما جرى نقل تبعية أكاديمية «غولهانه» الطبية العسكرية (غاتا) والمستشفيات العسكرية الأخرى، والعقارات المخصصة لها، إلى وزارة الصحة، ونص القرار على أنه جرى نقل «المستشفيات التعليمية التابعة لأكاديمية، غولهانة، ومراكز العناية التأهيلية للقوات المسلحة، والمستشفيات والمستوصفات العسكرية، والوحدات الصحية المشابهة، والمؤسسات الصحية التابعة للقيادة العامة للدرك» إلى وزارة الصحة.
وتكرس جميع القرارات السابقة سلطة الوزارات على الكليات والجامعات والمستشفيات العسكرية وبالتالي تصبح تحت سيطرت ورقابة الحكومة بشكل مباشر بعدما كانت هيئات مستقلة يحكم جنرالات الجيش سيطرتهم ورقابتهم عليها، الأمر الذي ساعدهم بشكل كبير في التخطيط والقيام بمحاولة الانقلاب الأخيرة، وهو ما سيجعل من التخطيط لأي محاولة انقلاب جديدة من داخل الجيش أمراً عسيراً.

تغييرات جذرية تاريخية في هيكلية الجيش التركي… هل تقضي على خطر الانقلابات العسكرية للأبد؟

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية