تونس ـ «القدس العربي»: يرى مختصون في الشأن التونسي أن أزمة الحزب الأغلبي (حركة نداء تونس) والإنقسامات التي شهدتها كتلته البرلمانية التي قد تتحول قريبا إلى أربع كتل، لن تؤثر على المشهد السياسي العام على المدى القريب. كما لن تشهد البلاد انهيارا لحكومة الحبيب الصيد مثلما توقع البعض ولا انتخابات مبكرة سابقة لأوانها كما ذهب إليه سياسيون ومحللون خاضوا في هذا الملف الذي بات مؤرقا للتونسيين ومثيرا لقلقهم.
فحركة النهضة صاحبة ثاني أكبر كتلة في البرلمان قبل انقسام كتلة نداء تونس، والتي باتت رسميا صاحبة أكبر كتلة نيابية، غير مستعدة لتصدر المشهد السياسي في الوقت الراهن وإعادة تجربة الترويكا في 2011. فمن مصلحة الحركة أن تبقى قريبة من صناع القرار في دوائر السلطة، لكن بعيدا عن الضغوط من أجل الإستعداد الجيد للمواعيد المقبلة في انتظار أن يتغير الظرف الإقليمي والدولي الذي يسمح لها بالعودة من أوسع الأبواب وذلك تأكيدا من بعض قيادات الحركة الإسلامية.
وفي هذا الإطار، جدد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ثقته في رئيس الحكومة الحبيب الصيد الذي يحظى بدوره بدعم رئيس الجمهورية الذي تعرض لانتقادات واسعة عند اختياره للصيد لترؤس الحكومة حتى من داخل حزبه (حركة نداء تونس). كما يحظى الصيد بدعم إحدى كتل حركة نداء تونس النيابية التي يتهمها البعض بالقرب من حركة النهضة وهي الكتلة المحسوبة على نجل رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي.
وتطال الكتلة المحسوبة على الأمين العام لحركة نداء تونس محسن مرزوق، والتي تجاوز عدد نوابها الثلاثين نائبا، اتهامات بالعمل على زعزعة استقرار الحكومة، والعمل أيضا من أجل ترشيح شخصية مقربة من هذه الكتلة لرئاستها عوضا عن الحبيب الصيد. ولعل ما يدعم هذا الرأي بالنسبة إلى البعض هي استقالة الوزير المكلف بالعلاقات مع مجلس النواب الأزهر العكرمي المحسوب على جماعة الأمين العام لحركة نداء تونس محسن مرزوق بالإضافة إلى الإتهامات الصريحة والمباشرة التي أطلقها حافظ قائد السبسي (نجل الرئيس) في إحدى القنوات التلفزيونية المحلية والمتعلقة بتآمر شق محسن مرزوق على الحكومة، وهي اتهامات لم يوجد ما يدعمها من الأدلة إلى حد الآن.
في المقابل يتهم شق الأمين العام محسن مرزوق شق حافظ قائد السبسي بأنه أداة طيعة في يد حركة النهضة تمكنت من خلاله من تدمير الحزب التونسي الوحيد الذي كان قادرا على منافستها من الداخل وشق صفوفه. ويضم فريق السبسي الإبن قرابة الخمسين نائبا إلى حد الآن إضافة إلى قيادات حزبية لعل أهمها رجل الأعمال، صاحب النفوذ القوي في أوروبا وخصوصا في ألمانيا، رؤوف الخماسي. والحقيقة أن قيادات ندائية هامة من الفريق المحسوب على السبسي الإبن بادرت إلى تأسيس مركز للبحوث والدراسات تحت مسمى «منتدى العائلة الدستورية» وذهب بعض مؤسسيه إلى اعتبار أن الشيخ عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الحر الدستوري سنة 1920 والذي جدده الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة سنة 1934 ويعتبر التجمع الدستوري المنحل مع انهيار نظام بن علي «أحد تجلياته» هو جد مشترك للدساترة والإسلاميين في تونس. ومن هذا المنطلق وجب العمل باستمرار على التوافق بين التيارين لما فيه مصلحة البلاد في هذه المرحلة الصعبة.
ويبدو أن النهضويين سائرون بتوجيهات الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس الحركة ونائب رئيس مجلس النواب، وإن كان بغير قصد منهم، أو ربما بقصد. فقد دعا مورو أبناء حركته التي كان أحد مؤسسيها الأوائل، حين كانوا في الواجهة زمن حكومة علي العريض إلى ترك السلطة والإنصراف إلى التكوين السياسي والتعلم واعتبرهم غير مؤهلين في الوقت الراهن إلى ممارسة الحكم.
لذلك فإن حركة النهضة التي تمارس السلطة من وراء الكواليس مستفيدة من خبرة الدساترة «المتمرسين» ( رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، رئيس مجلس النواب محمد الناصر، رئيس الحكومة الحبيب الصيد وآخرين ) تبدو في وضع تحسد عليه. فهي فاعلة في المشهد السياسي وتتعلم أبجديات الحكم وتشارك في صنع القرار لكنها في الآن نفسه بعيدة عن الضغوط وانتقادات وسائل الإعلام على وجه الخصوص، ولا يبدو أنها قد تغامر على المدى القريب لتفقد هذا الوضع المتميز لتعود إلى الواجهة وتسلط عليها الأضواء وتكون على مرمى النيران. لذلك فإن البعض يرى أن انقسام حركة نداء تونس وتفتتها ليس مصلحة نهضوية على الأقل في الوقت الراهن ومن الصعب تصور أن النهضة قد تتورط في تفتيت النداء. فالحركة الإسلامية التونسية بحاجة إلى حركة نداء تونس قوية قادرة على إدارة الدولة وتحمل الضغوط الإعلامية وتلك التي تصدر عن المعارضة لتشاركها في الحكم في انتظار أن تتوضح موازين القوى إقليميا وتحصل متغيرات تسمح بعودة الحركات الإسلامية إلى الواجهة.
كما أن هناك توافقا بين «الشيخين» الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي يقضي بالعمل معا على الخروج بالبلاد من أزمتها. وأن هناك وعيا من قبل الطرفين مفاده أن البلاد لا تتحمل المزيد من الأزمات وأن المركب إذا غرق، سيغرق بمن فيه ولن ينجو منه أحد، خاصة وأن هناك أزمة اقتصادية عاصفة تهدد بحصول الأسوأ خلال الأشهر المقبلة.
روعة قاسم