قبل أيام قليلة من انتهاء شهر رمضان، وهو أكثر الشهور قدسيّة في الإسلام، الشهر الذي نزّل فيه القرآن وشهد معركة بدر التي انتصر فيها المسلمون على أعدائهم ضرب تنظيم «الدولة الإسلامية» منطقة الكرادة التجارية وسط بغداد بسيّارة مفخخة فجّرت قرب مطعم كان زبائنه يتناولون وجبة السحور موقعاً أكثر من 213 قتيلا ومصيباً مئات آخرين بجروح. الحكومة العراقيّة المسؤولة عن حماية مواطنيها ردّت على الهجوم باتخاذ خطوتين، الأولى كانت أمراً من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لوزارة العدل بإعدام «إرهابيين» محكومين (فوراً)، والثانية أمراً آخر بسحب الأجهزة المزيفة للكشف عن المتفجرات (فوراً) من نقاط التفتيش الأمنية، وهي أجهزة كانت ثمرة صفقة فساد بين إحدى الشركات البريطانية ومتنفّذي السلطات الأمنية العراقية.
العبادي كان قد زار الكرادة بعد الانفجار وقوبل موكبه باحتجاجات شعبيّة شديدة ورمته الجماهير الغاضبة بالأحذية وطاردوه بالشتائم فاضطر لمغادرة المكان، وفي حدث آخر شديد الدلالة اخترق قراصنة الكترونيون موقع وزارة الداخلية العراقية (أي الموقع الذي يُفترض أن يكون ممثلاً لأمن البلد وليس الكترونيّا فحسب) ووضعوا عليه صورة لطفل من ضحايا التفجيرات وإلى جانبه جهاز مزيّف للكشف عن المتفجرات، كما تداول متابعو وسائل التواصل الاجتماعي صورة كاريكاتيرية لأربعة من كبار زعماء العراق وهم يلتقطون صورة «سيلفي» ووراءهم جثث القتلى المتفحمة وأبنية سوق الكرادة المتفجرة.
توجّه هذه الأحداث الرمزية إشارات الاحتقار والغضب والمسؤولية عن دماء العراقيين المهدورة في الكرادة (وقبلها في مدينة الصدر والنجف وكربلاء والفلوجة والرمادي ومئات المدن والبلدان والقرى والمناطق العراقية) إلى الزعماء السياسيين وإلى الحكومة التي تنطّع رئيس وزرائها لحلّ إشكاليّة العنف الدموي الذي دمّر أسس العراق وتاريخه وحضارته ونسيجه الاجتماعي بسفك دماء أشخاص هم أصلاً في قبضة يده (محكومون بالإعدام في بلد لا وزن للقضاء والقانون فيه) وبمنع استعمال أجهزة مزيّفة للكشف عن المتفجرات من دون أن يفسّر لماذا ما زالت هذه الأجهزة موجودة.
بأوامر مثل هذه لا تفعل الحكومة العراقية غير أن تؤكد أنها هي المسؤولة عن الخلل الأمني والاختراقات، وأنها لا تختلف في منظورها للتعامل مع البشر عن المجرمين الذين تحاربهم، سواء بقرارات الانتقام من محكوميها أو بإفلات الميليشيات الشيعيّة في المدن والمناطق السنّية التي تسيطر عليها لتنفذ إجراءات الانتقام الجماعيّ من السكان، سامحة لها برفع راياتها فتستبدل شعارات تنظيم «الدولة» بشعارات مثل «دولة الحسين باقية» لتقول إنها الوجه الآخر لعملة الطائفية والانتقام.
ليس هناك أسوأ من الفوضى الأمنية والعسكرية والسياسية التي تعبث بربوع العراق غير حكومة تحاول تبرير هذه الفوضى وتتعامل مع خصومها الأيديولوجيين بالأساليب الانتقامية التي يستخدمونها وبالدعايات الطائفية البشعة التي هي نسخ مقلوبة من دعاياتهم، وبالفساد الذي يجعل من أقطاب السياسة زبائن لمن يدفع أكثر، وبالتفاني في خدمة مصالح إيران في بلدهم أكثر من حفاظهم على مصالح العراق.
رأي القدس