إسطنبول ـ «القدس العربي»: من مطار أتاتورك الدولي الذي يهبط فيه معظم السياح القادمين إلى تركيا، إلى مقربة من مسجد الفاتح التاريخي وسط اسطنبول وفي قلب ساحة السلطان أحمد مركز السياحة وصولاً إلى ميدان تقسيم وشارع الاستقلال الشهير، ضربت التفجيرات الانتحارية الإرهابية مفاصل السياحة مبددة الأمن الذي ساد طوال السنوات الماضية وجلب 40 مليون سائح سنوياً يُدخلون عشرات المليارات لخزينة الدولة.
هذه الهجمات التي اتهمت السلطات التركية تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بتنفيذ معظمها لم يتبنها التنظيم بشكل رسمي على غرار ما فعله في جميع الهجمات التي نفذها في العواصم الغربية، حيث لم يسبق للتنظيم أن تبنى هجوماً انتحارياً داخل الأراضي التركية على الرغم من أن جميع الدلائل والمعطيات والتحقيقات صبت في هذا الاتجاه.
ومن طبيعة الهجمات التي ضربت اسطنبول المدينة التي يقطنها 15 مليون تركي ويزورها ملايين السياح سنوياً يتضح جلياً أن التنظيم الذي حيد لفترة طويلة تركيا عن هجماته اتخذ من ضرب السياحة هدفاً استراتيجياً له بعد قراره بتوجيه ضربات داخل البلاد بعد أن فتحت الحكومة التركية قاعدة إنجيرليك الجوية أمام طائرات التحالف لتوجيه ضربات ضد التنظيم في سوريا.
نهاية الشهر الماضي، نفذ ثلاثة مهاجمين انتحاريين قالت السلطات إنهم ينتمون لـ»الدولة» هجوماً بالأسلحة الرشاشة والمتفجرات في مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، أدى إلى مقتل 43 شخصاً وإصابة قرابة 250 آخرين بينهم مواطنون أتراك وأجانب وعرب، لتكون بذلك الضربة الأقوى من حيث رمزية المكان وأثره على السياحة والاقتصاد.
وسبق ذلك بنحو أسبوعين، شن هجوم انتحاري بسيارة مفخخة استهدف حافلات نقل عناصر من الشرطة في منطقة قريبة من مسجد الفاتح التاريخي وسط اسطنبول، أدى إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وزرع مزيد من الخوف لدى السياح الذين يزورون هذه المنطقة من اسطنبول، لكن السلطات اتهمت حزب العمال الكردستاني «بي كا كا» بتنفيذ الهجوم.
التاسع عشر من آذار/مارس الماضي شهد تفجيرا انتحاريا في وسط شارع الاستقلال بالقرب من ميدان تقسيم أشهر معالم اسطنبول، واستهدف مجموعة من السياح الأجانب والإسرائيليين وأدى إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة آخرين، واتهمت السلطات تنظيم «الدولة» بالمسؤولية عنه. جاء ذلك بعد نحو شهرين فقط من هجوم انتحاري للتنظيم استهدف مجموعة كبيرة من السياح الألمان في وسط ساحة مسجد «السلطان أحمد» أبرز المعالم السياحية في المدينة وأدى إلى مقتل 12 وإصابة العشرات وأدى إلى تراجع كبير جداً بأعداد السياح الألمان إلى تركيا.
وخلال العام الأخير ضربت عدة تفجيرات انتحارية وسط العاصمة أنقرة ومدن جنوب وشرق البلاد وأدت إلى مقتل وإصابة المئات وخلقت حالة من الخوف لدى السكان بالإضافة للسياح وتسببت في تراجع الاقتصاد وسعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار.
هذه السلسلة الطويلة من الهجمات الدامية نجحت إلى حد كبير في تحقيق غايتها الأساسية التي اتضحت من نوعية الأهداف المنتقاة، فضربات المطار والفاتح وسلطان أحمد وتقسيم استهدفت عناوين السياحة الرئيسية وبالتالي كانت الخسائر الأكبر في هذا القطاع الحيوي الذي يعتبر من أبرز روافد الاقتصاد التركي الصاعد.
وعلى الرغم من أن الإحصاءات الرسمية اعترفت بأن أرقام السياح انخفضت بنسبة 30٪، إلا أن النقابات وأصحاب الفنادق والمنتجعات والمطاعم يقولون إن هذه النسبة غير حقيقية وأن الانخفاض في أعداد السياح أكبر من ذلك بكثير وأنهم تكبدوا خسائر قاسية جداً لا سيما وأن باكورة الهجمات وأصعبها «تفجيرات المطار» جاءت في بداية موسم السياحة الصيفي الأبرز.
ويبدو أن أرقام وتقديرات النقابات أدق من البيانات الرسمية، فجولة سريعة في مركز اسطنبول السياحي خلال أيام عيد الفطر كفيلة
بأن تُظهر ضعف تواجد السياح الذين كانت تغص بهم المدينة في مثل هذا الوقت من كل عام، فلا ازدحام في وسائل المواصلات العامة، وسلاسل طويلة من المطاعم لا تجد من يرتادها، وأسواق سياحية مشهورة تعاني من ضعف كبير في الحركة الشرائية.
وما زاد من الآثار السلبية لهذه الهجمات، تصادفها مع الأزمات السياسية التي دخلت فيها الحكومة التركية مع العديد من الدول حول العالم، لا سيما روسيا وألمانيا، حيث يشكل سياح البلدين قرابة 25٪ من إجمالي السياح الذين يزورون البلاد وأدى انقطاع السياح الروس وتقلص أعداد السياح الألمان لتفاقم الأزمة بشكل أكبر.
كل هذه الآثار السلبية دفعت بالحكومة التركية الجديدة برئاسة بن علي يلدريم وبتوافق مع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى القيام بتحولات استراتيجية متسارعة في السياسة الخارجية من أجل تلافي مزيد من الآثار الكارثية على كافة الصعد سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
فخلال أيام فقط وقعت تركيا اتفاقاً هاماً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقدم أردوغان اعتذاراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهاتفه للاتفاق على إعادة تطبيع العلاقات وإعادة السياح الروس لتركيا، وقدم رئيس الوزراء التركي إشارات كبيرة على نية بلاده تحسين العلاقات مع مصر في أقرب فرصة ممكنة وبأي طريقة.
ولاحقاً اعتبر أردوغان أن تحسين العلاقات مع روسيا سيساعد في إيجاد حل للأزمة السورية وسط توقعات بتحولات في السياسة التركية تجاه سوريا خلال الفترة المقبلة للوصول إلى حل وسط يساعد أنقرة في ضبط الحدود وتقليل خطر الهجمات الإرهابية وضربات الصواريخ على مدنها الحدودية، في مؤشر يرى فيه البعض تراجعاً تركياً تحت ضغط ضربات تنظيم «الدولة».
إسماعيل جمال