تفجيران داميان يضربان تركيا أمنياً واقتصادياً وتنظيم كردي مسلح يتبنى

حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: ارتفعت حصيلة التفجير الانتحاري المزدوج الذي ضرب قلب مدينة اسطنبول التركية إلى 38 قتيلاً وقرابة 160 جريحاً في هجوم وجه ضربة أمنية وسياسية واقتصادية جديدة لتركيا التي لم تتعاف بعد من سلسلة هجمات إرهابية أدت إلى ضرب السياحة وتراجع الاقتصاد، ودفعت أنقرة للزج بقواتها العسكرية في معارك مباشرة مع تنظيم الدولة والوحدات الكردية داخل الأراضي السورية.
الهجوم الذي وقع أمام ملعب «فودافون أرينا» في منطقة بيشيكتاش على الضفة الأوروبية لمضيق البوسفور استهدف قوات مكافحة الشغب التركية بشكل مباشر ما يؤشر إلى مسؤولية المتمردين الأكراد عنه، فيما قال مسؤولون أتراك إن جميع الدلائل تشير إلى أن تنظيم «بي كا كا» هو من نفذ الهجوم الذي لاقى إدانات دولية واسعة من قبل عشرات الدول والمنظمات والهيئات.
ولا تظهر بصمات تنظيم الدولة على الهجوم الأخير، حيث اعتاد التنظيم مهاجمة أهداف للأكراد أو مناطق سياحية، وهو يشبه إلى حد كبير الهجمات التي ينفذها حزب العمال الكردستاني الذي نفذ مؤخراً سلسلة تفجيرات انتحارية بسيارات مفخخة ضد أهداف للجيش والشرطة التركية في إسطنبول وأنقرة خلفت مئات القتلى والجرحى.
وأُعلن، الأحد، يوم حداد وطني رسمي على ضحايا التفجيرين الإرهابيين، حيث نُكست الأعلام في جميع أنحاء البلاد التي بدأت بتشييع العديد من ضحايا الهجوم الدموي، وشارك أردوغان ويلدريم في مراسم تشييع رسمية لعدد من أفراد وضباط الشرطة جرت في مقر الأمن المركزي في حي الفاتح بإسطنبول.
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أكد أن بلاده «ستحارب الإرهاب حتى النهاية»، وقال: «أود أن اطمئن أمتي وشعبي بأننا سنحارب هذه اللعنة التي يشكلها الإرهاب حتى النهاية. لن يفلت المسؤولون عن الاعتداءين من العقاب. سيدفعون الثمن غاليا»، مضيفاً: «عندما انطلقنا في هذا الدرب ارتدينا الأكفان».
أردوغان، الذي أجل زيارة له كانت مقررة الأحد إلى كازاخستان، عقد اجتماعاً أمنياً موسعاً في قصر «مابين» باسطنبول بحضور يلدريم، ونوابه، ووزراء العدل بكر بوزداغ، والأسرة فاطمة قايا، والخارجية مولود جاويش أوغلو، والطاقة براءت ألبيرق، والداخلية سليمان صويلو، وغيرهم من كبار المسؤولين.
ورجح رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، أن تكون «منظمة «بي كا كا» الإرهابية الانفصالية تقف وراء الهجوم الإرهابي»، قائلاً: «لا شك لدينا أبدًا بأن الوقائع تشير إلى ضلوع منظمة «بي كا كا» الإرهابية في الهجوم».
وفي تطور لاحق، أعلن ما يسمى بـ«تنظيم صقور حرية كردستان» المرتبط بحزب العمال الكردستاني مسؤوليته عن الهجوم، ما يعزز اتهامات الحكومة الرسمية للتنظيم.
موقع صحيفة «دايلي صباح» التركية الناطقة بالإنجليزية نقل، الأحد، عن «مصادر استخبارية» قولها إن أحد الانتحاريين الذين نفذوا هجوم اسطنبول دخل إلى تركيا على الأغلب من مناطق سيطرة الوحدات الكردية في شمال سوريا، لافتاً إلى أن تنظيم وحدات حماية الشعب الكردي السوري سبق وأن هدد بتنفيذ هجمات ضد تركيا.
ويتوقع أن تتجه تركيا إلى اتخاذ قرارات تتعلق بتوسيع العمليات العسكرية ضد المتمردين الأكراد في داخل البلاد وفي الأراضي السورية، حيث يتوقع أن يتجه الجيش التركي الذي بدأ بدخول مدينة الباب لتحريرها من تنظيم «الدولة» إلى مدينة منبج التي تسيطر عليها الوحدات الكردية حسب ما هدد أردوغان في أكثر من تصريح سابق وهو ما قد يؤشر لأزمة جديدة بين تركيا والولايات المتحدة.

تفاصيل الهجوم

وقع التفجير المزدوج بعد قرابة الساعة من انتهاء مباراة لكرة القدم بين ناديي بيشيكتاش وبورصة سبور، حيث انفجرت سيارة محملة بكميات كبيرة من المتفجرات وسط حافلات نقل كبيرة كان يستقلها ويقف إلى جانبها العشرات من أفراد مكافحة الشغب المكلفين بحماية الجماهير ومنع حدوث شغب عقب المباراة، وذلك على إحدى جنبات ستاد «فودافون أرينا» التابع لنادي بيشيكتاش.
وبعد أقل من دقيقة فقط هز انفجار آخر حديقة «ماتشكا» الملاصقة للملعب ومكان التفجير الأول، استهدف مجموعة أخرى من قوات الشرطة، ونفذه انتحاري حسب اعتقاد واسع لدى الأوساط الأمنية التركية التي لم تتأكد بعد إن كان هناك انتحاري آخر نفذ الهجوم الأول بالسيارة المفخخة أم أن منفذ التفجير الانتحاري هو من ركن السيارة هناك وفجرها عن بعد قبل تفجير نفسه في نقطة قريبة.
وتشير طريقة التنفيذ إلى أن المهاجمين استهدفوا بالدرجة الأولى قوات الشرطة التركية، وعلى الرغم من وجود عشرات المدنيين في الحديقة التي وقع فيها التفجير حيث قتل 7 منهم في الهجوم إلا أن توقيت تنفيذ العملية بعد انتهاء خروج المشجعين من الملعب منع وقوع مئات القتلى والجرحى من المدنيين.
والمكان الذي نفذ فيه الهجوم يقع في منطقة إستراتيجية حيوية في الجانب الأوروبي من المدينة ويعتبر مركزا أمنيا وسياحيا هاما، حيث يبعد قليلاً عن قصر «دولمة بهتشي» التاريخي والذي يضم مكاتب لرئيس الوزراء، وعلى بعد كيلومتر واحد من ميدان تقسم وشارع الاستقلال مركز السياحة الأجنبية في تركيا.
وأدى التفجير إلى تفحم عدد كبير من سيارات الشرطة والسيارات المدنية، كما أحدث أضراراً بمباني تابعة للملعب وقذفت قوة التفجير إحدى الجثث إلى سطح الملعب الذي تلطخ بآثار الدماء وقتل اثنين من العاملين فيه حسب بيان نعي أصدره نادي بيشيكتاش.

اتهامات لتنظيم «العمال الكردستاني»

وحسب آخر إحصائية أعلنها وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، ارتفع عدد القتلى في الهجوم إلى 38 بينهم 30 من رجال الشرطة و7 مدنيين، في حين لم يتم بعد تحديد هوية شخص واحد، موضحاً أن عدد الجرحى بلغ 155 شخصًا، نقلوا جميعًا إلى المستشفيات، بينهم 14 شخصًا في العناية المركزة، فيما يخضع 5 آخرون لعمليات جراحية، وجميعهم من المواطنين الأتراك.
وأكد الوزير التركي أن «المعلومات الأولية التي تستند لتقييمات الجهات المختصة وكيفية تنفيذ العملية، تشير إلى أن منظمة بي كا كا الإرهابية هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ هذا الاعتداء»، مفضلًا عدم تقديم المزيد من التصريحات في هذا الخصوص حتى استكمال التحقيقات، لافتاً إلى أن عدد الموقوفين في إطار التحقيقات بلغ 13 شخصاً.
وقال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية، نعمان قورتولموش، إن الدلائل الأولية حول التفجير المزدوج تشير لضلوع منظمة «بي كا كا» فيه، وقال: «عند النظر إلى السيارة المفخخة، فإن كافة الأدلة تتجه صوب منظمة «بي كا كا»، وسنعلن للرأي العام المعلومات المتوفرة حال التأكّد منها بالكامل».
وأضاف: «المعلومات المتوفرة حاليًا تؤكّد أن سيناريو التفجيرين كان مخططا له سابقًا، والخبراء يشيرون إلى استخدام ما بين 300 ـ 400 كلغ متفجرات على الأقل في تفجير السيارة المفخخة»، منوهاً إلى أن «الهجوم استهدف عناصر الشرطة بشكل مباشر.. قوة التفجير شكلت حفرة عميقة في مكان الحادث، فضلا عن اختفاء السيارة المستخدمة في العملية، ما يعني أنها تحطّمت بالكامل جراء الانفجار».
وأكد على وجود «أطراف تتحكم بجميع المنظمات الإرهابية وتستخدمها في الحروب بالوكالة، وأن هجوم إسطنبول نفّذه أحد مطايا تلك الأطراف»، وقال: «المرجّح حاليًا هو مسؤولية «بي كا كا»، لكن الأهم من ذلك هو الطرف الذي استخدم هذه المطية؟ ولماذا؟ وكيف؟».

المعارضة تدعم الحكومة في الحرب على الإرهاب

زعيم حزب الحركة القومية المعارض، دولت باهجه لي، شدد على أن «الإرهاب لن يصل إلى مبتغاه أبدا، وسيتم تدمير البؤر الداخلية والخارجية التي تخطط لتفتيت وتفكيك تركيا»، مضيفاً: «يجب ألا نعتبر سرعة تدخل الأيدي الظلامية ومثيرو الفوضى، والأزمات في هذه الأيام التي بدأت فيها بلادنا دخول ممر التوافق السياسي والاجتماعي».
في حين أكد رئيس حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية، كمال قليجدار أوغلو، استعداد حزبه تقديم كافة أشكال الدعم فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، وقال: «على الحكومة أن تتقبل حاجة بلادنا إلى سياسة مكافحة إرهاب عقلانية، علمية، مستدامة ووطنية، دون إضاعة الوقت».

إدانات عربية ودولية واسعة

ونددت عشرات المنظمات والهيئات الدولية والأحزاب والدول بالهجوم الذي استهدف مدينة اسطنبول، وبينما قالت واشنطن إنها «في حالة تضامن تامة مع تركيا شريكنا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ضد كافة أشكال الإرهاب الذي بات يهدد أنقرة وواشنطن والاستقرار والسلم الدوليين»، أكدت بريطانيا أنها «منوطة بالعمل مع تركيا في مجال مكافحة الإرهاب»، فيما قال وزير الخارجية الكندي، ستيفين ديون: «قلوبنا مع ذوي الضحايا والمصابين، ومع الشعب التركي عامة». ووصفت ألمانيا ما حدث بـ«عمليتين إرهابيتين وحشيتين».
وقال ينس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو): «نتضامن مع حليفتنا تركيا، وعازمون على محاربة كافة أشكال الإرهاب»، في حين أعرب أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، عن أمله في ضبط الجناة بأسرع وقت، وتقديمهم للعدالة. كما استنكر مجلس أوروبا الهجوم، مؤكداً تضامن ودعم الحكومات الأوروبية ومجلس أوروبا لتركيا.
ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تعزية أرسلها لأردوغان هجوم اسطنبول بـ«الدنيء». وأكد على ثقته الكاملة بـ«أن منفذي هذه الجريمة ومن حرضوهم على ارتكابها سوف يُحاسبون عنها»، فيما أدانت مصر الهجوم ودعت إلى استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب.
وبعث أميرا قطر تميم بن حمد آل ثاني، والكويت صباح الأحمد الجابر الصباح ببرقيات تعزية، إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأكد الصباح أن الهجوم «يتنافى مع كافة الشرائع السماوية والقيم الإنسانية»، وأيد «كافة الإجراءات التي تتخذها تركيا لمواجهة الأعمال الإرهابية الرامية لزعزعة أمنها واستقرارها».
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أدان التفجيرين في اسطنبول استغل الموقف لمطالبة تركيا بأن تستنكر «كل عملية إرهابية تقع في إسرائيل»، معتبراً أن «مكافحة الإرهاب يجب أن تقوم على التبادلية». وأعربت إيران عن مواساتها لتركيا حكومةً وشعبًا، وقالت إن «استمرار الأعمال الإرهابية في تركيا البلد الصديق، مدعاة للأسف والقلق الشديد، وتستلزم مواجهة ورد حازمين من قبل جميع دول المنطقة والعالم ضد الإرهابيين مثيري العنف»، وقالت إنها «مستعدة دائمًا للتعاون مع جميع الدول، بغية المواجهة الشاملة للإرهاب والتطرف».
ولفت الأردن إلى أن تفجيرات اسطنبول «تؤكد من جديد ضرورة تكاتف المجتمع الدولي في التصدي للإرهاب».
وأكد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس «تضامن فلسطين مع تركيا وشعبها في مواجهة الإرهاب»، فيما صدرت بيانات إدانة عن الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، وجماعة الإخوان المسلمين في سوريا والأردن، وكازاخستان وجمهورية شمال قبرص التركية.
وفي السياق ذاته، أعرب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، عن إدانته للهجوم، مؤكداً تضامنه مع الاتحاد التركي لكرة القدم وناديي بشيكطاش وبورصة سبور، حيث وقع الانفجار عقب مباراة جمعت بين الناديين.

تفجيران داميان يضربان تركيا أمنياً واقتصادياً وتنظيم كردي مسلح يتبنى

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية