لم يجانب الصواب سير ريتشارد ديرلاف، مدير الإستخبارات البريطانية (أم أي -6) السابق عندما قال إن التهديد الإسلامي ومكافحة الإرهاب قد بولغ فيه في الغرب سواء من قبل وكالات الإستخبارات أو من الإعلام. وتحدث عن الطريقة التي واجهت بها المخابرات الغربية الخطر الشيوعي حيث لم ترصد له سوى 38٪ من الميزانيات السنوية فيما يأخذ التهديد الإسلامي ومكافحة الإرهاب نصف الميزانيات ويحول لقضة محلية تخصص المخابرات الداخلية معظم إن لم تكن جل جهودها في متابعة خطر الراديكاليين المسلمين، ومتابعة الجاليات المسلمة في الغرب. وهكذا أصبح حجم ما يكتب عن التطرف الديني أضعاف ما كتب عنه في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وتحولت مكافحة الإرهاب لصناعة تقوم من خلالها مراكز البحث «ثينك تانكس» بإعداد بحوث ودراسات تؤكد خط الحكومات ومواقفها من التطرف. كما وأطلقت الحكومات يد المؤسسات الأمنية في ملاحقة ومتابعة المسلمين في الدول الغربية، وما كشفت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» عن محاولات شرطة نيويورك تجنيد المسلمين للعمل كمخبرين لها وجواسيس على المصلين أو مرتادي المقاهي التي يملكها المهاجرون المسلمون صورة عن الهوس بكل ما هو مسلم وله علاقة ببرامج مكافحة الإرهاب.
وفي هذا السياق يبدو كتاب أرون كونداناني الباحث في شؤون الإعلام والثقافة والإتصالات في جامعة نيويورك، واستاذ دراسات الإرهاب بكلية جون جي، وعنوانه «المسلمون قادمون: إسلاموفوبيا، التطرف والحرب المحلية على الإرهاب»، من الكتب المهمة التي حللت الأرضية التي انطلقت منها مفاهيم مكافحة الإرهاب التي أضحت مرتبطة بالمسلمين وعلاقتها بالنظريات المحافظة ورؤى المثقفين الغربيين على جانبي اليمين المحافظ والليبراليين، وكيف استعادت أدبيات مكافحة التطرف الإسلامي النمطيات والرؤى الإستشراقية القديمة عن الإسلام، وتم إحياء نظريات مكافحة الشيوعية القديمة وطبقت على التطرف الإسلامي. وحلل كونداناني ما يراه «أسطورة» التطرف ومعركة «كسب العقول والقلوب» التي تعود إلى الحرب الملايوية والتجربة البريطانية في قمع التمرد هناك ضد الوجود البريطاني. ويركز الكاتب على الجبهات الداخلية في مكافحة الإرهاب في كل من بريطانيا والولايات المتحدة. ويرى أن فكرة التطرف/ الراديكالية أصبحت العدسة التي نظرت من خلالها المجتمعات الغربية للمسلمين البريطانيين والأمريكيين في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وأصبحت نظريات التشدد والأسباب التي تدفع الشبان المسلمين نحو التشدد مركزية في سياسات مكافحة الإرهاب على جانبي الأطلنطي. ولكن مشكلة هذه النظريات أنها تقوم على فرضية غير موجودة وهي أن أيديولوجية «الإسلاميين» هي السبب الرئيسي للتشدد. وبهذا يقوم الباحثون بنقل الرؤية إلى مجال «الثقافة» الإسلامية حيث يصبح المسلمون حسب تعبير صمويل هانتنغتون «العدو الحقيقي» أي جماعة مختلفة بشكل كبير ثقافيا وعرقيا وذات أيديولوجية معادية للمجتمع الذي تعيش فيه.
ويحلل كونداناني في هذا السياق مزاجين أو رؤيتين تسيدتا مجال البحث في جذور التشدد، واحدة سادت المعسكر المحافظ وثانية برزت في مقترحات المعسكر الليبرالي. فالأول يموضع الإرهاب في الثقافة الإسلامية التي رفضت حسب رؤية هذا الفريق التكيف مع الحداثة، أما الفريق الثاني فيرى أن الإرهاب ليس جزءا أصيلا في الإسلام ولهذا يذهب ويبحث في الأيديولوجيات التي سادت في القرن العشرين ومحاولة المنظرين الإيديولوجيين المسلمين إنتاج ايديولوجية – إسلامية شمولية – على غرار الأيديولوجية الشيوعية، ومن هنا قاموا بتشويه صورة الإسلام حسب هذا الفهم. ومشكلة هذين المدخلين كما يرى المؤلف أنهما يتجنبان البحث في الظروف السياسية والإجتماعية ودورها في تشكيل رؤية الناس ورؤيتهم للعالم، وكلاهما يمأسس لممارسات الحرب على الإرهاب التي يقوم عليها أشخاص ومؤسسات لديهم المصادر الكافية وتعكس في النهاية السياسة الثقافية للإمبريالية. وكلاهما يعطي فكرة أن جذور الإرهاب هي الثقافة الإسلامية أو الأيديولوجية الإسلامية، ويحملان بالضرورة في طياتهما رؤية معادية «إسلاموفوبيا» للمشكلة الإسلامية، وهي رؤية يشترك فيها الجميع في المجال السياسي. وعليه اشتملت السياسات أو جزء منها على محاولة لإحداث تغير في مواقف المسلمين في الغرب، في الوقت الذي تتجاهل فيه الحكومات الغربية أنها نفسها أصبحت راديكالية ومستعدة لاستخدام العنف في أكثر من مجال.
ويشير الكاتب للعداء للمسلمين «إسلاموفوبيا» أو فيروس الكراهية الموجود في الثقافة الغربية منذ الحروب الصليبية. فيما يرى البعض إنها رد سريع على الإرهاب، ويرى أخرون أنها ليست موجودة ويصر البعض على انها شكل بنيوي من العنصرية الموجهة ضد المسلمين، وكفعل استمر نتيجة لعلاقاتها بالتفكير الرسمي وممارسات الحرب على الإرهاب. ويكمن أثر إسلاموفوبيا ليس من نتائجها الفردية والتحيزات داخل الأفراد بل من آثارها السياسية، أي من كونها تسمح لإنتهاكات واسعة لحقوق المسلمين وشيطنة أي فعل يحاول التصدي للإنتهاكات. ويقول الكاتب هنا أن الحرب على الإرهاب لم تكن لتستمر لولا الشيطنة الراديكالية للضحايا المسلمين. ومع أن المسلمين ليسوا عرقا لكنها تسمح بوصف الممارسات ضدهم من خلال هذا المفهوم لان الممارسات العنصرية في أصلها هي بنى نابعة من الوضع السياسي والإجتماعي ولا تعتمد بالضرورة على واقع الفرد أي عرقه. ومن هنا فالنظرة المتشددة للمسلمين لا تختلف عن العداء للسامية وليست منفصلة عن التاريخ العنصري للولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
ويرى كونداناني أن معظم نظريات مكافحة التشدد التي قدمها خبراء وأكاديميون والتي كانت جزءا مركزيا من سياسات مكافحة الإرهاب المحلية تعتمد على محاولة منع التطرف، أي مراقبة الفرد غير المتشدد اليوم ولكنه قد يصبح عرضة للتشدد غدا، ولكن كيف يمكن تحديده؟ ويشير هنا لدراسة أعدتها شرطة نيويورك حول الراديكالية والتي تشتمل على ما تراه مراحل تطور الأيديولوجية الجهادية وهي أربع: مرحلة ما قبل التشدد، التعرف، والتلقين الأيديولوجي ومن ثم التحرك. فإطلاق اللحية وارتداء الزي الديني هو علامة عن المرحلة الثانية، والمشاركة في نشاطات الإسلاميين هو علامة عن المرحلة الثالثة. ولكن كيف يمكننا تحديد نشاطه في المرحلة الرابعة «فعل إجرامي» لم تستطع ورقة شرطة نيويورك الإجابة على هذا السؤال.
يناقش الكتاب إشكالية جعل الراديكالية مركزا رئيسيا لشن الحرب الداخلية ضد الإرهاب لأن هذا له آثار على الحرية الشخصية، حيث تتعدى السلطات الأمنية على هذه الحقوق المحفوظة بالدستور باسم حماية الأمن الوطني وعندها يصبح التنصت وحيازة مواد فكرية وتبرعات لجماعات أيديولوجية «دعما للإرهاب» كما يستدعي هذا المدخل الذي يربط الأيديولوجيات المنتشرة بين السكان المسلمين بالإرهاب أن هؤلاء وحدهم يعانون من مشكلة خاصة مع التطرف. ويظهر من تحليل الكاتب أن ربط الايديولوجية الإسلامية بكونها أساس التشدد، ينتج عنه قبول مشروط للمسلمين كمواطنين كاملين في المجتمع، طالما توقفوا عن ربط أنفسهم بأيديولوجيتهم وتوقفوا عن انتقاد السياسة الخارجية لبلادهم والظلم الذي يعاني منه أبناء جلدتهم.
ويخرج القارىء لكتاب كونداناني برؤية تؤشر لتناقض الغرب الذي يدعي حماية الحرية الشخصية وفي الوقت نفسه ينتهكها باسم شن حرب داخلية على الإرهاب. فمن خلال تكريس مليارات الدولارات لمواجهة تهديد إرهابي في معظمه متخيل تجاهلت الولايات المتحدة وبالتبعية بريطانيا بناء مجتمع سلمي. وكما يرى الباحث السياسي جون موللر، فان مفهومنا عن التهديد الإرهابي قائم على الأيديولوجية لا الموضوعية، فعدد الذين يقتلون حول العالم نتيجة لعمليات إرهابية ليس أكثر من الذين يموتون سنويا في أمريكا غرقا في حمامات البيت. وفي بريطانيا فعدد الذين قتلوا نتيجة لعنف طائفي في أيرلندا الشمالية ما بين 2001-2011 وصل 62 شخصا، مقابل 53 قتلوا في عمليات إرهابية للقاعدة في نفس الفترة. وقارن عدد الذين قتلوا في هجمات 9/11 بعدد القتلى الذين سقطوا في حروب أمريكا في العراق وأفغانستان واليمن والصومال. وأخيرا فأهم ما يطمح له الكتاب هو التأكيد على أن تركيز الحكومة على التطرف هو في النهاية نتاج حروبها، ومن أجل فهمه علينا الإلتفات لعنف الدولة في الغرب والهوية السياسية التي تعمل على استمراره وليس متعلقا بالضرورة بالأيديولوجية الإسلامية.
Arun Kundnani: The Muslims Are Coming: Isalmophbia, Extremism and the Domestic War on Terror.
Verso, London 2014
336 pages.
إبراهيم درويش