تفكيك زمن التأسيس

حجم الخط
0

الدقة المراحلية المتخيلة عند منظري التاريخ الإسلامي تثير الحسد نظرا للميل إلى الدعة الفكرية والركون إلى اليقين الدوغماتي الذي يفضي إلى تجنب مشقة البحث بالتفكيك والتركيب وغيره من أدوات البحث العلمي ، هذه الدقة المراحلية تم ربطها بالسماء في بواكير التاريخ الإسلامي ..
خلافة راشدة اثنين وثلاثون عاما …
ثلاثة قرون خيرية ..
هنا يصبح لا مجال للمناقشة ولا لتقييم تجربة سياسية حقيقية .. لا مجال لمناقشة التخبط السياسي في أواخر عهد عثمان (رضي الله عنه ) ولا سيطرة أقاربه على مقاليد الأمور فيما يمكن تسميته بالدولة الأموية الأولى .. هنا تحت وطأة النص المراحلي يصبح الثوار دعاة فتنة وعملاء (قالها معاوية بالنص حين وصفهم بفعلة فارس )
تحت وطأة النص المراحلي لا يمكن أن تتساءل ولا تفند آي خيرية في قرون المذابح الجماعية ووأد التجربة السياسية الإسلامية بملك جبري لا يختلف عن الأكاسرة والقياصرة ..ملك جبري لم يتورع عن هدم الكعبة واستباحة المدينة المنورة ..النص المراحلي الفوقي المهيمن ينـــص بخيرية هذه القرون فلا مجال للمناقشة .
الدقة المراحلية هذه تعني أن التاريخ زمن سكوني مقدس يتحرك الأفراد بداخله وفق سيناريو سماوي معد سلفا لا محصلة أفعال بشرية قابلة للصواب والخطأ ،الدقة المراحلية هذه ألقت بظلالها على أغلب منجز الفكر الإسلامي بعد ذلك وجعلت من الماضي تابو ثابتا لا يقبل التحول وعليه فقد تأسست بنية العقل الجمعي الإسلامي على أسس ماضوية لا تقبل بغير النسق المعرفية الخاصة بالقرون الثلاثة الأولى ، هذه النسق يمكن تسميتها بالنسق الأصلية المؤسسة والتي خرج من رحمها كهنوتان آساسيان كهنوت فقهي وكهنوت سياسي كانا ولا يزالا مهيمنان على منجز الفكر الإسلامي التقليدي ، فالكهنوت السياسي لم يسمح بإنتاج لا شكلا فكريا ولا مؤسساتيا ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويضع آليات مباشرة وواضحة للحريات العامة والخاصة ولم يضع كذلك لا طريقة ولا تصور لتوزيع عادل للثروات ، كان شغل هذا الكهنوت الشاغل هو فبركة ولوي عنق النصوص لصالح الديكتاتوريات الحاكمة التي صبغ عليها لقب ظل الإله وغيرها من الألقاب المرهبة لعل أبرزها لقب السلطان المتغلب الذي لا يجوز الخروج عليه لأن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر حسب تعبير الفقيه الشافعي الأشهر أبو حامد الغزالي .
في ظل هذه المنظومة الجبرية تصبح معايير الفرد الصالح هو من لا حرية له ولا اختيار فهو كالجمل الآنف أينما قيد انقاد والصبر على الظلم هو فعل تعبدي يثاب المرء عليه وإن ضرب الحاكم ظهرك وأخذ مالك ، أما الصوت المغاير والداعي للثورة فجزاؤه القتل لخروجه عن صف الجماعة المستكينة .
هذا الكهنوت السياسي لم يكن فقط وسيلة لإخضاع المحكومين باسم السماء بل كان أيضا ثورة مضادة على جوهر الإسلام ذاته الذي دعا إلى التحرر الكامل من كل أشكال وصور العبودية والكهنوت
الكهنوت الأخر الذي تأسس في القرون المراحلية الأولى هو الكهنوت الفقهي ، هذا الكهنوت وضع آلية لتأويل النصوص المقدسة القرآن والسنة عبر قواعد يختلف ويتفق عليها داخل المنظومة الفقهية لكن لا يمكن الخروج عن أطرها (القياس والإجماع والمصلحة المرسلة والعرف والاستحسان والاستصحاب وعمل أهل المدينة ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا ما لم يخالف شرعنا)
عبر هذه القواعد المحددة والثابتة تم استنباط أحكام المذاهب سواء المذاهب المنقرضة أو المشهورة وأصبح أتباع هذه المذاهب والمجتهدين داخلها أسارى هذه الدائرية الفكرية التي كان من نتيجتها الحتمية إغلاق باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري .
من هنا أضحت أي وسيلة أخري لتأويل النص المقدس والقفز على أسوار هذه القواعد هي هرطقة دينية يلاحق أصحابها فكريا وجسديا وغدت كل الفرق الكلامية التي تعلي من شأن العقل كقيمة فاعلة وركيزة أساسية في عملية الفهم والتأويل مدانة عقائديا حتى يومنا هذا ، وغدا كل مشتغل بالفلسفة والمنطق زنديقا فمن تمنطق نزندق بحسب بن الصلاح الفقيه والقول بكفر الفلاسفة واجب بفتوى أبي حامد الغزالي الواردة في نهاية كتابه الشهير تهافت الفلاسفة .
ولعل أبرز مثال تاريخي تتجلى فيه سلطة وهيمنة هذان الكهنوتان السياسي والفقهي هو حالة الفيلسوف بن رشد الحفيد الذي أدين عقائديا وسياسيا لاشتغاله بالتأويل وحرقت كتبه في ميادين قرطبة .. لنحرم نحن الأمة التي أنجبته من نتاج فكره وندخل في طي عصور التخلف والرجعية الفكرية بينما استنارت أوربا بمؤلفاته فخرجت من عصور جهلها وظلامها .. ودخلنا نحن في سبات، سبات طويل .

إعلامي مصري

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية