تفوق حزب العدالة يعود لقدرته على اجتذاب أصوات شريحتين متناقضتين   

حجم الخط
0

تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق نصر جديد وعريض في الاستحقاق التركي الانتخابي الأخير، لكنه مدين بقدر من هذا الانتصار لأصوات طرفين متنافسين، هما القوميون الأتراك والإسلاميون الأكراد، والمفارقة انهما نقيضان اجتمعا فقط في توليفة حزب العدالة.
فبالنسبة للجزء الذي يناصر حزب العدالة من القوميين الأتراك(يمين)، فهم يعتبرون قوته ضمانة لتركيا بوجه خصومهم المشتركين في القوى القومية الكردية ذات الصبغة اليسارية، أما الأكراد من المحافظين، فهم يعتبرون استمرار امساك حزب العدالة، هو صمام أمان لهم من سيطرة القوميين الأتراك أو العلمانيين الأتاتوركيين. والطرفان سبق ان اضطهدا الأكراد ان كانوا من المحافظين الإسلاميين، كالشيخ الكردي الصوفي سعيد بيران الذي أعدمه أتاتورك، أو مدينة تونجلي التي كانت تعرف بدرسين، إذ تعرضت لمجزرة قصف بالطائرات في عهد الأتاتوركيين أيضا، اعتذر عنها اردوغان لاحقا، كما ان القوميين الأتراك يمثلون عصب الجيش والأجهزة الأمنية التي تحارب الأكراد في جنوب شرق تركيا منذ أربعين عاما، وهم أكثر الرافضين لمنح الأكراد حقوقا ذاتية ثقافية كما فعل حزب العدالة منذ هيمنته على السلطة.
هكذا بات حزب العدالة والتنمية، التركي ذو الجذور الإسلامية السنية، قادرا في اللحظات الحاسمة على اجتذاب شريحتين وازنتين من الكتل الانتخابية المنتمية لمنافسيه، الأولى قوميين من كتلة الأتراك السنة، والثانية إسلاميين من كتلة الأكراد السنة الذين يصل تعدادهم لنحو 15 إلى 20 في المئة من تعداد تركيا.
 وحسب جولات الانتخابات في السنوات الخمس الأخيرة، فان كلا الكتلتين لعبتا أدوارا هامة في تصدر حزب العدالة استحقاقات مصيرية، كانت ذروتها في انتخابات الإعادة عام 2015 إذ أعطى جمهور الحزب القومي نصف مقاعده لحزب العدالة، ومنح الأكراد نحو ثلث أصواتهم التي تنتمي للتيار المحافظ الذي يشترك مع المرجعية الصوفية، للتيار التركي المحافظ الداعم بقوة لحزب العدالة الذي حقق في تلك الانتخابات، منفردا، أكبر انتصاراته بنسبة تصل إلى 50 في المئة من أصوات الناخبين في تركيا.
وفي الانتخابات الأخيرة، تحالف الحزب القومي رسميا مع حزب العدالة، ورغم ان معظم الأكراد صوتوا لحزب الشعوب الكردي ليدعموه لتجاوز حاجز العشرة في المئة من الأصوات اللازمة لدخول البرلمان، فان نسبة غير قليلة من الأكراد منحوا أيضا أصواتهم لحزب العدالة، ان كان في المحافظات الكردية جنوب شرق تركيا أو في التجمعات الكردية الأخرى كما العاصمة اسطنبول، وتقدر الشريحة الكردية التي صوتت لحزب العدالة هذه المرة بنحو خمسة وعشرين مقعدا على الأقل. 
لذلك قد يجوز القول ان شريحتي الأكراد والقوميين المنحازتان لحزب العدالة، تريد كل منهما ان تمثل «بيضة قبان» كي تلعبا دورا في توجيه سياسات حزب العدالة نحو مصالحها، وهذا ربما ما دفع نائب رئيس الحركة القومية لإطلاق تصريحات مستفزة قبل أيام، قال فيها ان الحركة القومية باتت تتحكم بسياسات البرلمان، ليضطر زعيم الحزب القومي بهجتلي لطرده من موقعه. 
الكاتب الكردي محمد شيلك، وفي مقال نشره قبل الانتخابات التركية، توقع ان يلعب الأكراد دورا هاما في تعضيد قوة اردوغان، واعتمد على استطلاعات للرأي عن خيار الأكراد حال انتقلت انتخابات الرئاسة لمرحلة ثانية، بين مرشحي حزبي العدالة والجمهوري بعد خروج مرشح حزب الشعوب الكردي ديمرتاش، إذ تشير هذه الاستطلاعات لتوجه معظم الأكراد لانتخاب اردوغان، بدلا من منافسه اينجي مرشح الحزب الجمهوري، ولكن في طبيعة الحال فان انتخابات الرئاسة حسمت في الجولة الأولى.   
وهكذا فان حزب العدالة، بات يمثل «حلا وسطا» بالنسبة لشريحتين متخاصمتين، من كتلتين انتخابيتين لحزبي الامة القومي والشعوب الكردي، بينما بقيت الكتلة الانتخابية للحزب الجمهوري الأتاتوركي، الحزب المعارض الرئيسي في البلاد، بقت كتلته انتخابية جامدة غير قادرة على جذب أي روافد جديدة لتيارها الراكد، ما أدى لخسران الحزب الجمهوري لنسبة من أصواته تصل لأربعة في المئة، على الرغم من تمكن مرشحه اينجي الذي جذب الأنظار بكاريزمته المميزة، من الحصول على ثلث أصوات الناخبين وهو ما يعني قدرته على جذب أصوات من خارج كتلته الانتخابية، كما يفعل حزب العدالة في انتخابات البرلمان مع القوى الأخرى، أما الرابح الجديد في الانتخابات الأخيرة فهو حزب ميرال اكشنار، المنشق عن حزب الامة القومي، وهو الحزب الصاعد بقوة في الحياة السياسية التركية، كمؤشر آخر على تعاظم الميول القومية التركية.

تفوق حزب العدالة يعود لقدرته على اجتذاب أصوات شريحتين متناقضتين   

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية