تقارب باريس والرباط يعكره اصرار فرنسا على دور الجزائر في حل أزمة الصحراء

حجم الخط
14

الرباط – «القدس العربي»: بعيد دخول الاشتراكيين الفرنسيين برئاسة فرانسوا ميتران 1981، وظهور تحولات فرنسية باتجاه سياساتها المغاربية وميل الرياح الفرنسية باتجاه الجزائر والابتعاد عن المغرب، سئل العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني عن التنافس بين الرباط والجزائر للاقتراب من باريس، فرد «ان باريس ليست عشيقة ننافس الجزائر على قلبها».
بعد ربع قرن تقريبا، يبدو ان باريس، في عهدد فرانسوا آخر (أولاند) دفعت برياحها مرة أخرى للابتعاد عن المغرب والاقتراب من الجزائر، لكن رد الرباط لم يكن هذه المرة التجاهل، بل كان موقفا متشددا دفعت فرنسا ثمنه باهظا، حتى وان كانت الرباط أيضا ساهمت بدفع ثمن التغيير الفرنسي.
كانت الرياح الفرنسية تحمل إشارات التغيير، في إطار سياسة اقليمية جديدة، لكنها سقطت بـ»اخطاء» لا ترتكب فرنسيا بالعلاقة مع الرباط، لكنها قوة الدفع باتجاه الابتعاد عن الرباط والاقتراب من الجزائر، وأيضا المواقف السلبية المسبقة، لفريق من المحيطين بالرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، من المغرب وقضاياه.
بدأت ملامح التغيير الفرنسي بالظهور سنة 2013 في قبول باريس بابعاد الرباط عن المساهمة في الملتقيات التي تعنى بالتوترات الاقليمية خاصة مالي وليبيا، لكنها ذهبت بعيدا في حادثة استدعاء النيابة العامة الفرنسية في شباط/ فبراير 2014 عبد اللطيف الحموش مدير المخابرات الداخلية المغربية (DST) للمثول أمام قاضي التحقيق للاستماع إليه في شكاوى تقدم بها فرنسيون من أصل مغربي تقول بتعرضهم للتعذيب بمقرات المخابرات المغربية.
الرباط فهمت الرسالة، التي وجهت لها مترافقة مع مجموعة رسائل أخرى، فقررت الذهاب باتجاهين، الأول اجراءات سريعة أولها وأكثرها ايلاما لباريس رسميا، وقف العمل باتفاقية التعاون القضائي، وبشكل غير رسمي وقف التنسيق الأمني وظهرت آثاره بعد عملية «شارلي ايبدو» وكيف ان التحقيقات بينت ان المسؤول عن الهجوم زار المغرب خلال الفترة الماضية وكان تحت أعين الأجهزة الأمنية المغربية.
ما ازعج الرباط أكثر سلسلة حوادث «عابرة» مثل تفتيش يدوي لوزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار أثناء عبوره مطار شارل ديغول أو تسريب رسائل بين مزوار ونظيره الفرنسي حول قضايا شخصية، أو تسريب سلسلة وثائق سرية مغربية قالت بعض الأوساط ان المخابرات الفرنسية هي التي قامت بها، وعبرت الرباط عن انزعاجها برسائل مماثلة فكشفت إعلاميا اسم وشخصية مسؤولة المخابرات الفرنسية بالسفارة بالرباط والغاء العاهل المغربي الملك محمد السادس زيارته الخاصة التقليدية لباريس.
لم تكن باريس تتوقع ان تذهب الأمور مع الرباط إلى هذا المدى، فرغم ما عرفته علاقات البلدين منذ الاستقلال المغربي 1955 من توترات أحيانا، في منتصف الستينيات بعد اختطاف الأجهزة المغربية للزعيم المعارض المهدي بن بركة من وسط باريس واغتياله على الأراضــــي الفرنسية، وأيضا بعد دخول الرئيس فرانسوا ميتران الايليزيه 1981 أو الحملات ضد المغرب حول حقوق الإنسان بداية تسعينيات القرن الماضي التي كانت تقودها عقيلة ميتران شخصيا، فان مظاهر الأزمة كانت تقتصر على المواقف والتصريحات وأحيانا الاقتصاد، لكنها ولأول مرة تصيب التعاون الأمني والقضائي لانه بالإضافة إلى مسه أمن البلدين فانه يهدد العلاقات التجارية (تعتبر فرنسا اول شريك تجاري للمغرب) ومصالح مئات الالوف من المغاربة في فرنسا والفرنسيين بالمغرب (60 و80 الف فرنسي، ومليون و300 الف مغاربي في فرنسا).
الهجوم على اسبوعية «شارلي ايبدو» عجل بانهاء الأزمة، لكن أيضا اقتراب دورة مجلس الأمن الدولي السنوية حول النزاع الصحراوي جعل الرباط تلين مواقفها، فاذا كانت باريس بأمس الحاجة لمعلومات المخابرات المغربية فان الرباط بأمس الحاجة لموقف باريس في مجلس الأمن الدولي حيث شكل التهديد الفرنسي باستخدام حق الفيتو ضد مشاريع قرارات 2013 و2014، الدرع الذي حصن الموقف المغربي في هذا الملف.
وزير العدل والحريات المغربي مصطفى الرميد تحرك إلى باريس لإجراء مباحثات مع نظيرته الفرنسية توجت باعادة احياء الاتفاقية مع تعديلات تضمن احترام القضاء المغربي وبعيد توقيع الاتفاق وصل العاهل المغربي الملك محمد السادس في زيارته الخاصة لباريس 9 شباط/ فبراير الجاري استقبله الرئيس فرانسوا أولاند في قصر الايليزيه، اعلانا عن طي صفحة الأزمة وعودة المياه إلى مجاريها.
ولتأكيد الانفراج صدر بيان مشترك عبر فيه الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند والعاهل المغربي الملك محمد السادس عن رغبتهما في «دينامية تعاون جديدة واثقة وطموحة بين فرنسا والمغرب في جميع المجالات».
وقال البلاغ انه خلال المباحثات «تطرق قائدا البلدين لمجموع القضايا الإقليمية والدولية وأكدا حيوية الشراكة المتميزة التي تربط المغرب بفرنسا وأعربا عن ارتياحهما للاتفاق الثنائي الموقع في 31 كانون الثاني/يناير المنصرم والذي خلق ظروف تعاون قضائي أكثر فعالية بين البلدين».
وأضاف ان الرئيس الفرنسي والعاهل المغربي أكدا عزم بلديهما «على مكافحة الإرهاب سويا، وعلى التعاون التام في مجال الأمن» وان برنامجا مكثفا من الزيارات الوزارية سيمكن من التحضير للاجتماع رفيع المستوى المقبل بين الحكومتين.
هل طويت صفحة التوتر وانتهت الازمة الفرنسية المغربية؟ سؤال يطرح لان سياسة الدول تبنى على رؤية مصالحها، وباريس التي ترى في المغرب ركنا أساسيا في استراتيجيتها الاقليمية، لا تستطيع أيضا الاستغناء عن الجزائر، ليس فقط نتيجة تشابك المصالح انما أيضا كون الجزائر فاعل أساسي في تدبير أزمات وأوضاع تهدد الأمن الاقليمي (تحديدا ليبيا ومالي) وتقترب باريس كثيرا من المقاربة الجزائرية لهاتين الأزمتين، وفي الميزان الجزائري كما الميزان المغربي، يكون الموقف من النزاع الصحراوي هو مقياس الابتعاد أو الاقتراب.
والمغرب يعتبر الجزائر طرفا بالنزاع الصحراوي ويحملها مسؤولية أساسية في اندلاعه واستمراره من خلال دعمها لجبهة البوليساريو عسكريا ودبلوماسيا وماليا وتبنيها مطالب الجبهة في فصل الصحراء عن المغرب واقامة دولة مستقلة عليها.
وفرنسا التي تبنت دائما في كل المحافل الدولية، المقاربة المغربية للنزاع وتسويته (منح الصحراويين حكم ذاتي تحت السيادة المغربية) اظهرت ميلا نحو موقف (حيادي) بل ان السفير الفرنسي بالجزائر وبعيد لقاء الايليزيه بين أولاند ومحمد السادس ذهب إلى (تأكيد) هذا الحياد بل وفي استخدام التعابير التي تستخدمها الجزائر.
لكن ما يثير الريبة في الرباط ان الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بعث رسالة إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، يعرب فيها عن دعم فرنسا لمجهودات الجزائر ووساطتها لحل النزاع الحاصل بشمال مالي، وقضية الصحراء، بين المغرب وجبهة البوليساريو، اي انه لم يخرج الجزائر من النزاع الصحراوي كطرف، بل أدخلها وسيطا لحله، وهو بالتأكيد لن يرضي الرباط.

محمود معروف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية