لم يحظ التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة حول الحرب الأخيرة في غزة صيف عام 2014 باهتمام إعلامي واسع في الصحافة الغربية على الأقل الأمريكية والإنكليزية. والسبب معروف، لأن التقرير انتقد إسرائيل وحملها مسؤولية القتل والدمار الذي رافق الحرب التي شنتها على مدار 50 يوما ودمرت فيها معظم البنية التحتية للقطاع وقتلت أكثر من 2251 منهم 1461 مدنيا. وأكد التقرير على حجم المعاناة المتساوية التي مر بها كل من المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين. ففيه فقرة تقول إن «الأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين تأثروا بشكل وحشي بالأحداث. وعانى الأطفال من كلا الجانبيين من التبول في الفراش والإرتجاف في الليل والتعلق بالأبوين ومن الكوابيس ومستوى العدوانية الزائدة».
الثمن الإنساني
ومن هنا فجوهر التقرير يركز على الكلفة البشرية للحروب والتي عادة ما يروح ضحيتها أضعف الناس. وقد يرى في التقرير تحيزا وعدم منطق من ناحية مساواته بين دولة متقدمة عسكريا ومنظمة تشرف على القطاع وتعاني من الحصار الدولي منذ ثمانية أعوام. إلا أن معدي التقرير لم يكن أمامهم سوى انتهاج هذا المدخل على ما يبدو للتأكد من تمريره وصدوره بهذه الصيغة والديباجات التي تحمل الطرفين المسؤولية، إسرائيل على القتل والتدمير وتشريد الآلاف من أهل القطاع وحركة حماس لإطلاقها الصواريخ على التجمعات السكانية في داخل إسرائيل. ورغم هذه اللهجة «المتوازنة» إلا ان النقد الواضح في التقرير لإسرائيل لم يرض الكثيرين وبالضرورة أدى لرفض واضح من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي سارع وقال إن إسرائيل لا ترتكب جرائم حرب. والجدير بالذكر أن إسرائيل عملت جهدها طوال الفترة التي سبقت صدور التقرير وأعلنت عن تحقيقاتها الخاصة والتي توصلت لتبرئة الجيش الإسرائيلي من أي تجاوزات في حرب غزة. ففي 11 حزيران/يونيو الحالي أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن نتائج تحقيقها وقالت فيه إنها لم تنفذ هجمات متعددة على أهداف مدنية أدت لقتلى ولم يتم انتهاك القانون الدولي أيضا.
وأكدت إسرائيل بوضوح إنها لن توجه اتهامات أو تقوم بمحاكمة الأشخاص الذين شاركوا في الحالات المعروفة بما فيها الغارات الجوية التي قتلت أربعة أقارب شباب على شاطئ غزة وهي الغارة التي أدت لشجب دولي واسع. مع أن تقريرا لمنظمة إسرائيلية نشر في أيار/مايو من 237 صفحة وقدمت فيه شهادات لجنود إسرائيليين شاركوا في الحملة الأخيرة على غزة . ووصفت مجموعة «كسر الصمت» الدمار الكبير الذي ارتكبته القوات الإسرائيلية بعد غزوها ما تسبب «بأذى ضخم وغير مسبوق» للسكان وأثار شكوكا من أخلاقيات الجيش الإسرائيلي. ومع ذلك فقد شككت إسرائيل منذ البداية بالتحقيق خاصة أن مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية بدأ التحقيق ومن ثم سلم إلى قاضية مستقلة وهي ماري ماكغاون ديفز التي تسلمت التحقيق بعد إستقالة رئيس اللجنة السابق ويليام شبش، والذي تبين أنه عمل كمستشار للسلطة الفلسطينية في الماضي مما أثار أسئلة حول حياديته، مما لم يترك لإسرائيل أي عذر للتعاون مع لجنة التحقيق. ولهذا السبب ترى صحيفة «الغارديان» )22 حزيران/يونيو 2015) أن إسرائيل ستندم «عندما تكتشف أنها ربما أضرت بمصالحها بعدم التعاون مع اللجنة وسرد الجانب الإسرائيلي للقصة». وفي حيثيات تناولها للتقرير تشير الصحيفة إلى الطريقة المتعجلة التي تعاملت فيها إسرائيل معه ووصفه بالمسيس. وهو حكم تراه الصحيفة «متسرعا وخاطئا». مشيرة إلى أن اللجنة عملت كل جهدها لأن تكون عادلة. فهي تلوم الطرفين، الجيش الإسرائيلي والمنظمات الفلسطينية المسلحة بمن فيها حماس بسبب «الانتهاكات الخطيرة» للقانون الدولي والذي «قد يرقى إلى جرائم حرب». ومع أن الصحيفة ترى أن أعداد القتلى في الحرب الأخيرة غير متوازن بين الطرفين إلا أن التقرير الأممي يحاول فهم الرواية الإسرائيلية والفلسطينية وراء تلك الأعداد. ويتحدث التقرير مثلا عن «الشدة الهائلة» التي عانى منها الإسرائيليون الذين يواجهون الصواريخ المنطلقة من غزة. وكما تقول «الغارديان» «لم يكن هناك ما يمكن فعله لتجنب الإدانة التي توصل إليها التقرير. فقد وصف كيف شنت الطائرات الإسرائيلية أكثر من 6000 غارة جوية «أصاب الكثير منها البنايات السكنية». ولم يقتنع محققو اللجنة بالتبريرات الإسرائيلية وأن الجيش كان يقوم بتحذير الأهالي قبل شن تلك الغارات عن طريق الهواتف المحمولة أو الرسائل النصية، لأن تلك التحذيرات كانت تصل للناس كي يستطيعوا الهروب في العادة متأخرة ولم يكن عندهم مكانا يهربون إليه. ورغم هذا الوضع تعاملت إسرائيل مع كل من بقي في المنطقة المستهدفة كمقاتل واستمرت في استخدام هذه التكتيكات بالرغم من تنامي عدد الضحايا المدنيين. وهذه الحقيقة تشير إلى سياسة «موافق عليها ضمنيا على الأقل من أعلى مستويات الحكومة» كما جاء في التقرير.
شجب الفلسطينيين
ومن هنا فمن أجل بناء مستوى من التوازي في الإدانة شجب التقرير الفلسطينيين بسبب إطلاق الصواريخ واستهداف المدنيين الإسرائيليين بطريقة لا تميز، خاصة أن معظم الصواريخ الـ 4881 التي أطلقتها حماس والمنظمات المرتبطة بها على المناطق الإسرائيلية، لم تتمتع بمستوى من الدقة. ويتحدث التقرير عن 21 حالة من الإعدام خارج نطاق القضاء لفلسطينيين اتهموا بالتعامل مع الاحتلال. وإلى جانب التأكيد على الثمن الإنساني الذي عاناه المدنيون من الجانبين يحاول التقرير التأكيد على «غياب حس المسؤولية» من كليهما. ومن هنا فلا بد لتحقيق العدالة من تقديم من ارتكبوا جرائم لمحكمة الجنايات الدولية وهو واحد من المقترحات التي يقدمها التقرير مع أنه يعترف بأن «الإفلات من العقاب» سائد في القوات الإسرائيلية مع من يرتكبون المخالفات وهذا الخيار مرفوض من إسرائيل تماما كما رفضت قرار السلطة الوطنية التقدم بملفات للمحكمة الجنائية تدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب سواء من ناحية التضييق على الفلسطينيين والتوسع الإستيطاني في الضفة الغربية والدمار والقتل في غزة. وهي جرائم معروفة ولدى المحكمة الكثير من الملفات حولها. ولا غرو فمحكمة الجنايات ساحة جديدة للعراك بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدون نهايات واضحة في ظل التحذير الأمريكي للفلسطينيين وتحفظهم على الخطوة التي اتخذوها يوم الثلاثاء. وإن أردنا أن نأخذ الموقف من الولايات المتحدة على التقرير فنجده في افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» (23 حزيران/يونيو 2015).
جولة جديدة من الحرب
وترى»نيويورك تايمز» أن تقرير اللجنة هو «معركة أخرى قاتلة لا نهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين». مشيرة إلى أن اللجنة خطأت الطرفين مع أن «اللوم الأكبر وقع على إسرائيل». ومن هنا ترى أن الدائرة القاتلة من الحرب بين الطرفين ستتكرر إن لم يقم قادة الطرفين بمحاسبة من تجاوز القانون الدولي، كما أوصى التقرير بالتوصل إلى طريقة للعيش في سلام. وتعتقد الصحيفة أن حركة حماس التي رحبت «بأجزاء من تقرير الأمم المتحدة التي تنتقد إسرائيل وتجاهلت شجب التقرير لأفعالها لن تلتزم بالقانون الدولي». وتطرقت في هذا السياق لتقارير تحدثت عن اتصالات سرية مع إسرائيل عبر وسطاء لتمديد الهدنة في غزة وتخفيف القيود التي تشل غزة وشعبها. وتقول الصحيفة إن التوصل لصفقة مع حماس تبدو مؤكدة لإضعاف السلطة الوطنية التي تدير الضفة الغربية وأبدت استعدادا للتفاوض مع إسرائيل لتحقيق السلام. ومقابل رفض حماس الإلتزام تعتقد «نيويورك تايمز» أن من واجب إسرائيل تعديل سياسات جيشها لتجنب قتل المدنيين ومحاسبة من يفشل بالإلتزام بالقوانين من الجنود. وطالما غاب اتفاق من نوع ما بين إسرائيل والفلسطينيين «فحتما ستندلع حرب جديدة في غزة».
قاعدة لتحقيقات جديدة
وما يهم في التقرير الأممي أنه يشكل كما تقول قاعدة لتحقيق أشمل حول جرائم محتملة ارتكبت وتقوم به هذه المرة المحكمة الجنائية الدولية. ولعل هذا ما ذهبت إليه مجلة «إيكونوميست» في تقييمها المختصر للتقرير. وقالت إن إسرائيل عانت في أقل من أسبوع من حادثين الأول هو صدور تقرير الأمم المتحدة والثاني تقدم السلطة الوطنية لمحكمة الجنايات الدولية بملف رسمي مستفيدة من وضع الدولة الذي حصلت عليه في الأمم المتحدة العام الماضي، مع أن المحكمة الجنائية فتحت ملف تحقيق أوليا ضد إسرائيل إلا أن تحرك المحكمة نحو تحقيق شامل يحتاج إلى سنوات. وقالت المجلة إن التقرير لن يقدم مباشرة إلى المحكمة الجنائية إلا أنه «يمكن استخدام المواد التي يتضمنها وهو ما سيزيد شعور إسرائيل المتزايد بأنها تقف وحيدة». ويمكن فهم هذا الحس من الطريقة التي تعاملت فيها إسرائيل مع التقرير حكومة ومعارضة، حيث تعالت الأصوات من كل جانب تصف التقرير بالفضيحة والمهزلة. وكما قال موشيه يعلون وزير الدفاع الإسرائيلي «محاولة لتشويه صورة إسرائيل ونزع الشرعية عنها ومكافأة حماس». وتعد التصريحات جزءا من حملة دبلوماسية لرفض التقرير.
حماية إسرائيل
وكعادتها رفضت الخارجية الأمريكية الإقتراحات بعرض التقرير على مجلس الأمن. وتنسجم التصريحات الأمريكية مع محاولاتها الدائمة لحماية إسرائيل. ففي تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» (1 حزيران/يونيو 2015) كشفت عن طلب سامنثا باور، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة من الأمين العام بان كي مون شطب إسرائيل من قائمة تضم الدول المنبوذة وحركات المتمردين والمنظمات الإرهابية المتهمة بانتهاك حقوق الأطفال أثناء الحروب. وترى المجلة أن محاولة واشنطن التأثير على الأمين العام ما هي إلا محاولة لحماية حليف مهم للولايات المتحدة من الظهور في «قائمة العار» المخصصة للدول المنبوذة مثل سوريا والسودان وكذلك الجماعات الإرهابية مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية وحركة طالبان.
وكانت ليلى زروقي، المفوضة الخاصة للأمين العام بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة قد أعدت مسودة التقرير وقائمة مرفقة للدول والجماعات المسلحة غير الدول التي قامت بتجنيد وقتل وتشويه وانتهاك الأطفال أو قامت بهجمات على المدارس أو المستشفيات. كل هذا يجعلنا نشكك في إمكانية تحقيق العدالة لأهالي غزة رغم النبرة الناقدة التي أبداها التقرير الأخير تجاه إسرائيل. وسيضاف في النهاية لقائمة التحقيقات التي أجرتها الأمم المتحدة لترضي ضميرها وأنها قامت ولو بجهد تجاه النزاع على الأرض المقدسة.
إبراهيم درويش