لندن ـ «القدس العربي»: اعترفت بريطانيا أخيراً وبعد 13 عاماً من الجدل بأنها أخطأت عندما انجرَّت وراء الولايات المتحدة في الحرب ضد العراق واحتلاله من أجل الاطاحة بنظام صدام حسين. وانتهى تحقيق بريطاني استمر سبع سنوات إلى خلاصة مفادها أن بلير أخطأ في قرار الحرب على العراق والمشاركة في احتلاله وأن الخيار العسكري في العام 2003 كان من الممكن تجاوزه.
وازدحمت وسائل الإعلام البريطانية فور صدور التقرير ونتائجه بالأخبار التي وصلت إلى وصف حرب العراق التي خاضها بلير بأنها «فضيحة»، خاصة وأن هذا التقرير يأتي في ظل تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية ووصول تهديداته إلى أوروبا، في الوقت الذي بات العراق اليوم مقسماً بين ميليشيات تابعة لإيران وأخرى تابعة لتنظيم الدولة، وكلاهما يشكل تهديداً للمصالح الغربية. وخلص تقرير السير جون تشيلكوت، رئيس لجنة التحقيق في الحرب على العراق، إلى أن «بلير أرسل قوات غير مهيئة للحرب في العراق، كما أنه لم تكن لديه أي خطط لمرحلة ما بعد الحرب»، في مؤشر واضح على أن الفوضى التي يشهدها العراق منذ 13 عاماً إنما كانت نتيجة عدم وجود أي رؤية أمريكية أو بريطانية لمرحلة ما بعد الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وأوضح التقرير أنه «في ظل عدم وجود غالبية تدعم العمل العسكري، فإننا نعتبر أن المملكة المتحدة عملت، في الواقع، على تقويض صلاحيات مجلس الأمن».
وأضاف: «استنتجنا أن بريطانيا قررت الانضمام إلى اجتياح العراق قبل استنفاد كل البدائل السلمية لنزع أسلحة البلاد، والعمل العسكري لم يكن حتميا آنذاك».
وأكد التقرير أنه «بات من الواضح الآن أن السياسة حيال العراق تقررت على أساس المعلومات الاستخباراتية والتقييمات الخاطئة. ولم يتم التشكيك فيها، كما كان ينبغي».
وأكد التقرير أنه «رغم التحذيرات الواضحة، فقد تم التقليل من العواقب المترتبة على الاجتياح. فالتخطيط والإعداد لعراق ما بعد صدام كان غير ملائم تماما».
واعتبر أن بلير «لم يتأكد من وجود خطة مرنة وواقعية متكاملة، من حيث المساهمات العسكرية والمدنية للمملكة المتحدة لمعالجة المخاطر المعروفة».
وتابع التقرير أنه «لا تزال آثار الفشل في التخطيط والتحضير لما بعد الاجتياح ماثلة»، وانتهى إلى القول أن «استعدادات الحكومة فشلت في أن تأخذ في الحسبان حجم مهمة تحقيق الاستقرار وإدارة العراق وإعادة إعماره».
اعتذار تاريخي
وفور صدور التقرير قدم زعيم حزب العمال جيرمي كوربن، وهو أحد الذين عارضوا الحرب على العراق بشدة في العام 2003، اعتذاراً تاريخياً اعترف فيه بخطأ بلير الذي ينتمي للحزب، وحكم بريطانيا باسمه.
وقال كوربن في تصريح مقتضب: «أريد اليوم أن أعتذر باسم حزبي عن القرار الكارثي بخوض الحرب في العراق».
600 ألف قتيل
ونشرت جريدة «الغارديان» البريطانية تقريراً قالت فيه إن الاعتراف البريطاني بخطأ الحرب على العراق يأتي بعد أن دفع العراقيون خسائر تتراوح بين ربع مليون و600 ألف قتيل خلال فترة الفوضى التي تلت الحرب، وإسقاط نظام الرئيس صدام، فيما يتراوح عدد الرجال والنساء والأطفال الذين نزحوا من أماكن سكناهم ما بين 3 إلى 5 ملايين نازح، ما يعني أن واحدا من بين كل عشرة أو من بين كل ستة عراقيين فقد مكان سكنه.
وتقول الصحيفة إن الفكر الأعوج لتغيير النظام «بدأ عقب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر من قبل الشوفيني، ذي التفكير المحدود، والذي يفتخر أحيانا بجهله، رجل البيت الأبيض جورج بوش وقد أدى كما كان متوقعا لنتائج عكسية. فالقوات الجهادية التي كان يحتويها صدام حسين لم تثبط عزيمتها بعد الإطاحة به، بل على العكس أصبحت أكثر جرأة وقوة».
وتقول «الغارديان» إن تغيير النظام كان الهدف الواضح للبيت الأبيض، وإن بلير رهن نفسه لواشنطن بدون أي استراتيجية للخروج، حيث وضع بلير نفسه في ذات المعسكر الهادف لتغيير النظام العراقي، وكان هذا خطأ مروع أولا وقبل كل شيء، كما ألزم البلاد بحرب اختيارية لم تكن هناك مبررات حقيقية لشنها إلا الشعور الغاضب للانتقام من تفجير البرجين في نيويورك ومن دون التفريق بين المتشدديين الإسلاميين وبين حزب البعث العلماني الحاكم في العراق.
وتشير الصحيفة إلى ان «بلير أبطل عمل المؤسسات الناقدة لسياسته وصم أذنيه عن سماع تحذيرات الخبراء حول الصعوبات التي يمكن أن تتبع الغزو، والشكوك حول الادعاء بأن العراق يشكل تهديدا وشيكا».