تقرير وكالة «موديز» الائتماني والحرب الاقتصادية على تركيا

حجم الخط
2

اسطنبول ـ «القدس العربي»: فشل انقلاب تموز العسكري في تركيا الذي تزعمه فتح الله غولن من أمريكا، وفقد الغرب أكبر أدواته الداخلية في التأثير على سياسة الحكومة التركية الناهضة اقتصاديا، وكانت ردود الغرب الغاضبة على فشل الانقلاب العسكري واضحة وعلنية، وبعضها بلغ درجة الوقاحة والحقد الدفين، والتي بحثت عن حقوق المجرم القاتل قبل أن تواسي المقتول وتعزيه، فكان ذلك إشارة ودليلاً كبــيرا في نظـــر معــظم الشعب التركي على تورط الغرب في انقلاب تموز الفاشل.
فبعد فشل الانقلاب العسكري، وفشل الانقلاب الإعلامي الغربي الذي حاول تشويه تركيا في حقوق الإنسان، ذهب الغرب إلى الحرب الاقتصادية وجاء تقرير وكالة «موديز» الأمريكية بتخفيض تصنيف تركيا الائتماني إلى أقل من الدرجة الاستثمارية يوم 23 أيلول/سبتمبر في هذا الاتجاه، على الرغم من قرار الوكالة السابق في أعقاب محاولة الانقلاب الدموية في 15 تموز/ يوليو الماضي بأنها :»ستنتظر وترصد التطورات لمدة ثلاثة أشهر قبل إصدار قرارها النهائي»، ولكنها سارعت إلى إصدار هذا التقرير قبل المدة المقررة، وفي ذلك كشف عن أهداف سياسية تسعى إليها الدول أو الدولة المؤثرة على قرار وكالة «موديز» كشركة ائتمانية أمريكية خاصة.
لم تهتم الدولة التركية لهذا التصنيف لأنها تدرك أسبابه السياسية في سياق المشاريع الغربية الفاشلة في التصدي للنجاح الاقتصادي الكبير في تركيا، والتي كان الانقلاب العسكري أعلى درجاتها خطورة وأكثرها دموية على الشعب التركي، وبالتالي فإن مواجهة الأكاذيب الاقتصادية ستكون أقل ضررا على تركيا بالتأكيد، ولكنها لا ينبغي ان تمر دون ان تثبت الحكومة والشركات التركية كذبها وزيفها وتزويرها للحقيقة، ومما جاء في ذلك قول الرئيس رجب طيب أردوغان لوكالة «بلومبيرغ» ردا على تقرير موديز: «إنه لا يهتم على الإطلاق بقرارت وكالات التصنيف؛ لأنها قرارات تستند إلى السياسة وليس إلى معايير اقتصادية»، والمعايير السياسية الغربية واضحة ومفضوحة بعد الانقلاب العسكري الفاشل.
وكذلك رد مجلس الوزراء بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر على تقرير موديز الائتماني، فقال المتحدث باسم الحكومة نائب رئيس الوزراء نعمان كورتولموش:»هناك نقطة واحدة نجد صعوبة في فهمها، كيف تطور التقييم الذي وضعه محللو موديز في 21 من ايلول/سبتمبر في الاتجاه العكسي تماما في غضون يومين؟» مؤكدا :»أن الأرقام لم تتغير كثيرا منذ محاولة الانقلاب»، ففي يوم 21 من ايلول/سبتمبر قالت موديز لوكالة رويترز للأنباء:»إن الهزة التي تعرض لها الاقتصاد التركي جراء محاولة الانقلاب الفاشل قد تبددت إلى حد كبير» مضيفة أنها تتوقع أن تختتم مراجعة تصنيفها في غضون الشهر المقبل، لكن بعد ذلك بيومين خفضت وكالة موديز مستوى التصنيف الائتماني السيادي لتركيا إلى درجة غير استثمارية، مشيرة إلى مخاوف بشأن سيادة القانون، وضعف أساسيات الائتمان الداعمة، وخاصة النمو والقوة المؤسساتية»، وتساءل كورتولموش:»ما الذي يمكن أن يكون قد أثر في تقييم محللي موديز خلال يومين؟».
ومنذ ذلك التاريخ ذهب محللون وخبراء اقتصاديون إلى احتمالية تدخل غولن بالتأثير على وكالة موديز الائتماني، وهو صاحب الاستثمارات المالية الكبيرة والمقيم في أمريكا، وبالأخص بعد أن أقدمت الحكومة التركية على مصادرة ممتلكات الشركات والمؤسسات التي يشتبه في علاقتها بجماعة فتح الله غولن ووضعها تحت مسؤولية الجهات القانونية المختصة في الدولة التركية، بعد أن تم تصنيف التنظيم بمجلس الأمن القومي التركي منظمة إرهابية أولاً، وبعد ان مارست المنظمة الأعمال الاجرامية بالقتل والتدمير والاعتداء على مقرات الدولة ثانياً، واستتخدامها لفئة ضالة من الجنرالات وأسلحة الجيش التركي بغير حق ثالثاً، وبعض هذه الممتلكات والأراضي التابعة لمنظمة غولن كانت الحكومة التركية قد منحتها لها بوصفها جمعية خيرية في ذلك الوقت، وكان الهدف بناء المدارس والمراكز التعليمية عليها، وليس تحويلها إلى اوكار تآمر على الجيش والدولة والشعب التركي، ولذلك فإن استرداد الدولة لهذه الممتلكات من حق الحكومة مباشرته بالطرق القانونية، وهذا التصرف من الحكومة التركية لا يدلل على ضعف في الوضع الاقتصادي، لأن كل المؤسسات التي تم وضعها تحت إشراف الحكومة لم تكن لتؤثر على الاقتصاد التركي اولاً، وأضافت إلى خزينة الدولة أموالاً وممتلكات إضافية ثانياً، فبعضها عوض الكثير من الخسائر التي تسبب الانقلاب العسكري بها، فالتصريحات والتصرفات الحكومية بهذا الخصوص ليست حجة لوكالة موديز لتخفيض درجة التصنيف الائتماني لتركيا، إلا إذا كان القرار من خارج الوكالة نفسها.
وحيث أن موديز الأمريكية هي شركة واحدة من الشركات التي تقيم قدرات الدول التمويلية حول العالم، فإن إصدارها تقييمًا سلبيًا للقدرة التمويلية لتركيا لا يعني أنه صائب ولا يتخلله الخطأ كما أشار عدد من الخبراء الاقتصاديون، فهذه الشركات هي شركات خاصة تعرض آراءها حول القدرات التمويلية وحجم الثقة بالدولة المفترضة، ويطلق على آرائها اسم «التصنيف الائتماني»، ولكن تصنيفها غير ملزم لباقي شركات الائتمان المماثلة في العالم مثل شركة «فيتش إبكا» الإنكليزية و»نيبون» اليابانية أولاً، وبالتالي فإنها لا تؤثر سلبيا على درجة ائتمان الدولة حقيقة ثانياً، ومع ذلك فإن الحكومة التركية أقدمت على خطوة اقتصادية تعتبر الأولى في العالم الاقتصادي، فبينما دول عديدة في العالم تسعى لرفع نسبة الضرائب لديها لمعالجة مشاكلها الاقتصادية، أقدمت الحكومة التركية على إعلانها التنازل عن 112 مليار دولار من ضرائب في السنوات الثلاث المقبلة.
فقد أعنلت الحكومة التركية أنها تعتزم التنازل عن ضرائب تبلغ قيمتها 343.1 مليار ليرة تركية (112.4 مليار دولار) خلال السنوات الثلاث المقبلة، عن طريق استثناءات وإعفاءات وتخفيضات ضريبية، وبحسب تقرير صادر عن وزارة المالية التركية، فإن مبلغ 90 ملياراً و660 مليون ليرة (29.72 مليار دولار)، من ضرائب العام الحالي لن تستحصل لصالح صندوق الدولة، بسبب قوانين مختلفة تتعلق بإستثناءات وإعفاءات وتخفيضات، كما تعتزم وزارة المالية التنازل عن 102 مليار و216 مليون ليرة (33.51 مليار دولار) من فاتورة الضرائب العام المقبل، بينها 37.7 مليار ليرة ضريبة دخل، و15.1 مليار ضريبة مؤسسات، و23.5 مليار ضريبة قيمة مضافة، و14.7 ضريبة استهلاك خاص.، كما أن الدولة ستتنازل عن 114 مليار و264 مليون ليرة (37.463 مليار دولار) من ضرائب عام 2018، إلى جانب تنازلها عن 126 مليارا و584 مليون ليرة (41.502 مليار دولار) من ضرائب 2019، وبذلك، تكون تركيا قد تنازلت عن تحصيل 343 مليار و64 مليون ليرة تركية (112.480 مليار دولار)، كضرائب على مدى 3 سنوات.
وحسب التقرير فإن نسبة الضرائب التي ستتنازل عنها الدولة ستبلغ 4.25٪ من الناتج الإجمالي المحلي، عامي 2017 و2018، و4.24٪ عام 2019، وهذا يؤكد ان درجة الوضع الاقتصادي التركي في أفضل أحواله، وانه سيفشل الخطط الخارجية التي تستهدف تركيا في مشروعها الاقتصادي أيضاً، وان على الدول الغربية بما فيها أمريكا أن تعامل تركيا كدولة جديدة غير التي كانت تعرفها قبل انقلاب تموز الفاشل.

تقرير وكالة «موديز» الائتماني والحرب الاقتصادية على تركيا

محمد زاهد غول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية