القاهرة ـ «القدس العربي»: منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي لكرسي الحكم في مصر، أخذ نظامه على عاتقه غلق المجال الإعلامي وتقييد الحريات، بدلائل وإشارات صدرت منه شخصيا، موجها سهام النقد اللاذع لوسائل إعلام «معروف عنها الموالاة له». وتخطى الأمر تقييد الحريات والمصادرة والمنع والحجب والسيطرة، إلى تجفيف منابع العمل الصحافي بالتحديد.
حصلت مصر على المركز 159 من أصل 180 في مقياس حرية الصحافة في العالم طبقا لمنظمة «مراسلون بلا حدود» لعام 2016 وأصدرت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» قائمة بالصحافيين القابعين في السجون المصرية حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2016 حيث بلغ عددهم 63 صحافيا.
كذلك قبعت مصر في المرتبة 161 من أصل 180 في نسخة 2017 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي نشرته «مراسلون بلا حدود» في وقت سابق هذا العام.
يحدث ذلك في ظل انكار السلطات المشاكل التي تواجه الحقوق والحريات في مصر، وخصوصا حرية التعبير والإعلام والصحافة.
وأعلن مرصد «صحافيون ضد التعذيب» رصد وتوثيق 21 انتهاكا ضد الصحافيين والإعلاميين في بعض محافظات مصر أثناء تأدية عملهم خلال شهر آب/أغسطس الماضي، منها 20 انتهاكا بشكل مباشر عبر استخدام وسائل مختلفة، بينما تم تسجيل انتهاك واحد بطريق غير مباشر وفقا للجهات الصحافية التي غطت الواقعة.
ورصد التقرير الشهري 6 حالات منع من التغطية الصحافية أو حذف محتوى الكاميرا، و5 حالات تعدي بالقول أو التهديد، و3 حالات فرض غرامة مالية، و6 حالات بواقع حالتين لكل من «اتهام عبر بلاغ للنيابة، وتعدي بالضرب أو إصابة، وتحرش».
ورصد التقرير 13 انتهاكا ضد عاملين في جهات غير معلومة، نظرا للانتهاكات الجماعية التي تقع على الصحافيين في مختلف جهات عملهم، و6 انتهاكات ضد عاملين في صحف مصرية خاصة، إضافة إلى انتهاكين ضد عاملين في شبكات أخبار وصحف إلكترونية. وتصدر «المدنيون – رجال أمن بزي مدني» قائمة المعتدين على الصحافيين في آب/أغسطس 2017 حيث سجل المرصد 8 انتهاكات منهم، ويليهم 6 انتهاكات من جهات قضائية، و3 انتهاكات من جهات حكومية ومسؤولين، و3 انتهاكات من وزارة الداخلية، وانتهاك واحد من أمن مدني وحراسات خاصة.
وفي أيلول/سبتمبر الجاري، ندد «المرصد العربي لحرية الإعلام» بتحفظ السلطات المصرية على أموال 6 شركات إعلامية مصرية؛ بزعم تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين.
وقال المرصد في بيان، إن لجنة حصر وإدارة أموال الإخوان وضعت اليوم قائمة جديدة لشركات ومؤسسات قررت التحفظ عليها، وقد ضمت القائمة شبكة «رصد» الإخبارية و5 شركات للإنتاج الإعلامي هي «رد لاين للخدمات الإعلامية، والنهر للإعلام والنشر، والنور للإعلام، والضياء، والمركز الحضاري للدراسات المستقبلية».
تأميم الإعلام
وتأتي هذه القائمة الجديدة للتحفظ على شركات الإنتاج الإعلامي كخطوة جدية على طريق تأميم الإعلام الذي بدأته السلطات المصرية منذ تموز/يوليو 2013 بإغلاق عدة قنوات وصحف وبرامج، ثم إجبار عدد من ملاك القنوات على التخلص منها وبيعها لشركات مملوكة للأجهزة الأمنية العسكرية، ثم حجب مئات المواقع والصفحات، والتحفظ على بعضها مثل «مصر العربية» و»البورصة» و»دايلي نيوز إيجيبت» و»بوابة القاهرة»، حسب المرصد.
وأعرب المرصد العربي لحرية الإعلام عن استنكاره لهذا الإجراء الجديد ضد شركات الإنتاج الإعلامي، مؤكدا أنه وما سبقه من إجراءات لقمع حرية الإعلام في مصر يستوجب وقفة حازمة من الوسط الإعلامي المصري دفاعا عن مهنته وحريته ولقمة عيشه، كما يستوجب موقفا حازما من كل المنظمات المحلية والدولية المعنية بحرية الإعلام، ويناشد المرصد جميع هذه المنظمات العمل معا لمواجهة هذه الهجمة، وإنقاذ الصحافة والصحافيين والإعلاميين المصريين.
الشراء والسيطرة
منذ نحو 3 أعوام، بدأت مؤسسات تجارية مملوكة لرجال أعمال معروفين بتبعيتهم للنظام، في شراء وسائل إعلام كبرى قائمة، فضلا عن تأسيس منابر جديدة، وأبرز تلك المظاهر «شركة إعلام المصريين» المملوكة لرجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، واشترت قنوات «اون تي في» وصحيفة «اليوم السابع» وضمت لها تباعا صحف ومواقع «صوت الأمة» و»دوت مصر» و»الأسبوع» و»عين».
كل ذلك، عدا المؤسسات التي كانت قائمة وتتحدث باسم نظام السيسي قبل وصوله رسميا لكرسي الحكم، مثل صحيفة «الوطن» المملوكة لرجل الأعمال محمد الأمين. وتتناثر الأخبار حول تولي شقيق السيسي شخصيا منصب نائب رئيس مجلس إدارتها، فضلا عن ملكية الأمين لشبكة قنوات «سي بي سي» والتي اندمجت لفترة قصيرة مع شبكة قنوات «النهار» المملوكة لبعض رجال الأعمال المؤيدين للسيسي وأبرزهم الأخوان علاء وعمرو الكحكي.
وآخر عمليات الشراء التي جرت، كانت من نصيب قنوات «الحياة» في الصفقة التي تمت رسميا منتصف الشهر الجاري، حيث وقعت شركة «أصول» إحدى شركات «فالكون» التابعة لأجهزة الأمن المصرية عقد شراء القناة من المالك «سيجما للإعلام» التي يمتلكها رجل الأعمال السيد البدوي، رئيس حزب الوفد المعروف بموالاته للنظام الحالي.
وفي بدايات العام الجاري، أطلقت شركة «دي ميديا» مجموعة قنوات «دي ام سي» كشبكة فضائية خاصة، وسبق إطلاقها العديد من الأنباء والتكهنات حول ملكية أجهزة المخابرات المصرية لها، واختيار عناصر تشغيل القناة بالكامل من تلك الأجهزة بعناية فائقة، ممن معروف عنهم «التطبيل» والتبعية للنظام.
ولم تسلم أقرب وسائل الإعلام للنظام من التقييد، إذ صودرت جريدة «البوابة» اليومية المستقلة أكثر من مرة، رغم تولي رئاسة مجلس إدارتها وتحريرها النائب عبد الرحيم علي، المعروف عنه معارضته الشديدة لجماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي عموما، وموالاته لفلول نظام مبارك وجهاز أمن الدولة، وذلك بعد تطرق صحيفته لملف هروب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي من تنفيذ حكم قضائي بالسجن.
أساليب جديدة
منذ أيار/مايو الماضي، لجأ النظام المصري لأسلوب جديد في تقييد حرية الإعلام الالكتروني بالتحديد، عبر أداة الحجب، دون الإعلان رسميا عن الجهة المسؤولة عن ذلك الإجراء أو الأسباب القانونية، إذ وصل عدد المواقع الأخبارية الالكترونية المحجوبة في مصر إلى أكثر من 100 موقع، شملت مواقع إخبارية وحقوقية ومدنية ورياضية.
كما بدأت لجنة التحفظ وإدارة أموال الإخوان، التابعة لوزارة العدل، بصفتها القضائية، التوسع في استخدام أداة التحفظ على أصول وأموال وممتلكات عدد من رجال الأعمال ومؤسساتهم، بدعوى الانتماء للإخوان، وهو الإجراء الذي طال مؤخرا عددا من الشركات الإعلامية.
في آب/أغسطس الماضي، بدأت نقابة الصحافيين المصريين التي يسيطر عليها نقيب وعدد من أعضاء المجلس، موالين للنظام، ونصبوا في المناصب القيادية في المؤسسات الصحافية الحكومية، مناقشة مقترحات تتعلق بقيد المستجدين في جداول عضوية النقابة، مثل استبعاد قيد خريجي كليات التعليم المفتوح «الخاص» حتى الحاصلين على شهادات الإعلام، لكن بعد جدل كثير لم يتخذ قرار واضح في الأمر.
لكن عضو مجلس النقابة الذي جرى تعيينه مؤخرا رئيسا لتحرير بوابة «روزاليوسف» الحكومية الإخبارية، أيمن عبد المجيد، قدم مقترحا لعرضه على مجلس النواب لإضافته في قانون تنظيم الصحافة والإعلام المزمع إقراره مع بدء انعقاد الدور الثالث للبرلمان في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ويقضي المقترح باشتراط اعتماد الصحف الراغبة في الصدور حديثا على تشغيل 95 في المئة من قوتها من المحررين المقيدين بالفعل في جداول عضوية نقابة الصحافيين، على أن يكون الاعتماد على المحررين الجدد من غير أعضاء النقابة بنسبة 5 في المئة فقط.
المقترح فسره صاحبه على أنه حل لأزمة الصحافيين العاطلين عن العمل ممن توقفت صحفهم أو سرحتهم، لكن في المقابل كانت وجهات نظر ترى ذلك المقترح تجفيفا للعمل الصحافي في مصر، بتقليل نسب المنضمين حديثا للمهنة من الشباب الصحافيين أو خريجي الإعلام، وتضييق فرص انضمامهم لعضوية النقابة، التي تعد مسوغا رسميا للاعتراف بالصحافيين من الجهات الرسمية في مصر.
توصيات الإصلاح
أصدر المركز المصري لدراسات السياسات العامة، وهو منظمة غير حكومية، تقريرا عن أفق الإصلاح للإعلام المصري.
وأوضح التقرير أن «الإعلام في مصر يعاني من مشاكل عديدة، في الجانب التشريعي والسياسي والاقتصادي، والممارسة الإعلامية. وتأتي القوانين المتعلقة بالأداء الإعلامي والصحافي غير متماشية مع الضمانات الواردة في الدستور المصري، وتتدخل السلطة التنفيذية في العمل الصحافي والإعلامي بطرق مباشرة وغير مباشرة، كما يظهر تأثير مالكي الوسائل الإعلامية على المحتوى المقدم في هذه الوسائل».
ورصد التقرير انخفاض سقف الحرية المتاح لممارسي المهنة وملاحقة المخالفين لوجهة النظر الرسمية بالعقاب الذي يصل إلى حد المنع من السفر والحبس، ومحاولة تقنين المحتوى على شبكة الإنترنت وإخضاعه لسيطرة الدولة، ومنع طباعة الصحف واختيار محتوياتها.
يأتي هذا في ظل تأثير الأزمة الاقتصادية على الجميع، وفوضى الأداء الإعلامي مع غياب وعدم تفعيل مواثيق الشرف المهنية، والتأخير في إصدار القوانين المنظمة للصحافة والإعلام المكملة للدستور.
وشملت التوصيات التي اقترحها المركز لحل المشاكل «إلغاء المواد التي تضع عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، تماشيا مع نص الدستور» و»إلغاء المواد التي تنص على جريمة إهانة رئيس الجمهورية، والمؤسسات مثل الجيش والمحاكم والهيئات» و»إعادة النظر في نص المادتين 21 من قانون تنظيم الصحافة، و 185 من قانون العقوبات، وإعادة صياغتهما بحيث لا تتعارضان، وبحيث يتم توفير الحماية لمطلقي صافرات الإنذار أو المبلغين عن الفساد» علاوة على «سرعة الإنتهاء من القوانين المكملة للدستور ذات العلاقة بحرية التعبير، وهي قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وقانون الوصول للمعلومات وذلك بعد طرحهما للمناقشة المجتمعية واستشارة أصحاب الشأن والجمهور العام في نصوصهما».
وأوصى التقرير كذلك بإحالة سلطة الترخيص بإنشاء قنوات فضائية إلى هيئة مستقلة لا تتبع وزارة الاستثمار أو أي جهة تنفيذية أخرى، مع وضع معايير واضحة لرفض أو قبول أو سحب ترخيص القنوات، إضافة إلى تعديل القوانين التي تنص على سرية المعلومات والوثائق الحكومية بحيث تتماشى مع المعايير الدولية للحق في الوصول إلى المعلومات.
ودعا المركز لإلغاء الحد الأدنى من رأس المال المطلوب في حالة إنشاء صحيفة أو قناة فضائية في قانون تنظيم الصحافة والإعلام المقترح، وإلغاء شرط استخراج تصريح للصحف وقنوات البث الإذاعي والمرئي الإلكترونية، وكذلك إلغاء مشروع قانون الجريمة الإلكترونية، وتوقف أجهزة الدولة عن معاداة وسائل الإعلام خاصة وسائل الإعلام الإلكترونية والتي تستخدم من قبل كل فئات الشعب، وعدم توسع أجهزة الدولة ومسؤوليها في اتخاذ الإجراءات القضائية ضد وسائل الإعلام قبل اللجوء إلى حق الرد أولا.
وطالب كذلك بعدم التضييق على الصحافيين في متابعة أنشطة أجهزة الدولة وفي تغطيتهم الصحافية، وتسهيل أدائهم لعملهم، وعدم اتخاذ الإجراءات الانتقامية من الصحافيين والإعلاميين الذين ينشرون محتوى معارض لوجهة النظر الرسمية، وتهيئة المناخ لهم لممارسة دورهم الرقابي بحرية، وتعاون الشرطة مع الصحافيين وتوفير الحماية اللازمة لهم لأداء عملهم، والتوقف عن منع الصحف عن الطباعة، أو التدخل بتغيير المحتوى الصحافي.
وأوصى التقرير بعدم التوسع في قرارات حظر النشر، خاصة في القضايا التي تهم الرأي العام وقضايا الفساد، وتفعيل المادة 17 من قانون تنظيم الصحافة والتصدي لظاهرة الفصل التعسفي للصحافيين، والعمل على إيجاد حل للمشكلات المالية التي تواجه الصحف الورقية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
كذلك طرح خطة إعادة هيكلة اتحاد الإذاعة والتلفزيون للحوار المجتمعي وبالتشاور مع العاملين فيه أنفسهم لضمان حقوقهم المادية، والنظر إليها باعتبارها جزءا من خطة متكاملة لإعادة هيكلة وسائل الإعلام والصحف المملوكة للدولة، بدءا من تناولها في قانون تنظيم الصحافة والإعلام المطروح للنقاش حاليا، والعمل على توفير الاستقلالية لها بحيث تكون وسائل مملوكة للشعب، وليس للنظام وتعبر عن وجهة نظره.
مؤمن الكامل