■ خيط دقيق يفصل بين الإنجاز الذي حققته المقاومة الفلسطينية من حيث نتيجة العدوان الأخير على القطاع، وبين تحقيق الانتصار على العدو. الأول يقود إلى الثاني، ولكن بمتطلبات (مواصفات) عديدة، أولها: الاستطاعة من فرض الشروط على العدو، فالحقيقة الاكيدة أن المنتصر في معركة هو المتحكم الرئيسي فيها، وليس باستطاعة العدو (الخصم) سوى الاستجابة التامة، وليس الجزئية لإملاءات الطرف الآخرالمنتصر، فهو والحالة هذه إن استمر في المكابرة والتعامي عن رؤية معطيات الواقع، يكون كمن يذهب إلى حتفه ونهايته بيديه. ثاني هذه المتطلبات: إجبار العدو على الاعتراف التام والكامل على ما كان ينكره قبلا من حقوق للآخر المنتصر، في ما يتعلق بما يحيط من ظروف للمعركة المحددة.
ثالثها: تحكم الطرف المنتصر في مسار مستقبل المهزوم، في ما يتعلق بالعلاقات وطبيعتها وتداعياتها بين الطرفين. رابعها: اعتراف المهزوم بالهزيمة في المعركة حتى إن ادعى وأجهزته المختلفة، خاصة الإعلامية، عكس ذلك.
المقاومة الفلسطينية في المواجهة الأخيرة مع العدو الصهيوني حققت إنجازا كبيرا، إن في صمودها في وجه العدو لواحد وخمسين يوما ومنعه من تحقيق أهدافه التي قصدها من اقتراف العدوان، وإفشاله في نزع سلاح المقاومة، وضرب روحها لدى الفلسطينيين، وتعميم تجربة الضفة على غزة، مرورا بمفاجأته بقدراتها التسليحية وإفشال هدفه في تدمير الأنفاق، وصولا إلى نقل نتائج المعركة إلى الداخل الإسرائيلي، وهذا يضرب بنودا رئيسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية المتمثلة في نقل المعركة إلى أرض الخصم، الحسم بطريقة سريعة وخلال أيام معدودة، تجنيب الجبهة الداخلية الإسرائيلية تداعيات مسيرة المعركة. نعم، حقق شعبنا الوصول إلى حالة من توازن الرعب مع العدو الصهيوني، تجعله يفكر كثيرا قبل اقتراف عدوان جديد. هذا لا يعني أنه لن يقوم بعدوان جديد فهذا لا يتماهى مع طبيعة الكيان وازدواجية وجوده مقترنا بالعدوان، كما لا يعني «أن إسرائيل أوهى من بيت العنكبوت» كما يصف البعض. بموضوعية نقول، ما تحقق هو إنجاز كبير وليس انتصارا على العدو، لأننا لم نتمكن من فرض أي من شروطنا التي تبلورت إبان المواجهة، ففتح المعابر لا يعني إنهاء الحصار، وتأجيل بحث المطالب إلى المفاوضات المنتظرة لا يعني موافقة إسرائيلية عليها. كما أن إسرائيل مصرة على بحث طلبين في المفاوضات: نزع سلاح المقاومة وإشراف دولي على الحدود مع القطاع من أجل ضمان عدم تهريب الأسلحة. كما ان الهدنة الطويلة الامد هي ايضا ما تطمح إليه إسرائيل، إضافة إلى أن الهدنة من الجانب الفلسطيني تتعارض مع بقاء وجود الاحتلال، والمقاومة حق دولي مشروع للمحتلة أرضه ضد مغتصبيها.
في ما يتعلق بفتح المعابر فان إسرائيل هي التي تشرف على دخولها وتتحكم في نوعياتها: تدخل هذه وتمنع تلك، لاحتمال استعمالها في تصنيع الاسلحة. هذا إن لم نحص حجم الخسائر الهائلة في الجانب الفلسطيني: ما ينوف عن 2200 شهيد و11000جريح، وتدمير عشرات الآلاف من المنازل والابراج السكنية، تدمير البنى التحتية في القطاع تدميرا كاملا، مقابل 5- 6 إسرائيليين، وبالطبع مئات الجنود من العسكريين وليس كما يدعي الكيان: 65 جنديا قتيلا! الأهم في التداعيات على الداخل الإسرائيلي: حالة الرعب التي عاشها الإسرائيليون، الاضطرار إلى النوم في الملاجئ، الخسائر المادية وتكاليف العدوان من 5- 9 – 12 مليار دولار (تتفاوت التقديرات). انعكاس ذلك سلبيا على الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، والهجرة العكسية منها. اهتزاز صورة الكيان على المستوى الدولي.
كل ما سبق يبرز تساؤلات وربما استنتاجات لدى البعض من نمط، ألا يقع الكاتب في تناقض إنكاره للانتصاروتسميته إنجازا! في الوقت الذي ترتفع فيه بعض الاصوات الإسرائيلية معترفة بهزيمة إسرائيل في المعركة… الخ. واقع الأمر ان غالبية الإسرائيليين 62٪ اعتبروا عدوان دولتهم على القطاع عادلا. كما ان 59٪ منهم يعترفون بان إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها. بالنسبة للقادة، نصف الحكومة المصغرة (ليبرمان، بينيت، أهرونفيتش وغيرهم) وقفوا ضد قرار نتنياهو، الذي أخذ فتوى من المستشار القضائي للحكومة بوقف إطلاق النار، ليس ذلك فحسب وإنما طالبوا ويطالبون بإعادة احتلال غزة. على هذا الصعيد فإن معظم الإسرائيليين يعترفون بفشل إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها، لكنهم لا يصفون ذلك بالهزيمة.
على صعيد آخر، الاهم بالطبع هو الاستثمار السياسي للصمود والإنجاز. الواقع يشي للاسف باحتمال انفجار المصالحة وحكومة الوفاق وعودة الانقسام إلى مربعه الأول، فحملة الاتهامات والأخرى المضادة والتصريحات والاخرى المضادة، وما كشفته صحيفة «الأخبار» اللبنانية من محضر اجتماع بين مشعل وعباس وامير قطر، تتصاعد وتائرها بشكل سريع بين كل من حماس والسلطة/ فتح. هذا رغم اعتراف الطرفين بأن أحد أهداف العدوان هو ضرب المصالحة! السؤال إذن، لماذا تقعون في فخ إسرائيل وتحققون هدفا مجانيا لنتنياهو؟ من جانب آخر فإن مظهر الاحتفالات نظمته حماس وحيدة! واضطرت فصائل المقاومة بعدها إلى ممارسة المسلك نفسه. يبرز التساؤل إذن: ألم يكن من الافضل تنظيم احتفال جماعي ولكل الفصائل؟ ثم أليس ذلك هو الافضل للمضي قدما في إفشال احد أهداف العدوان والسير بعيدا في تحقيق الوحدة الوطنية؟
في احتفالات حماس كنت ترى غابات من الأعلام االخاصة بحماس في ظل غياب ملحوظ للعلم الفلسطيني؟ باستثناء رفع هنية على المنصة للعلم الفلسطيني، وهذا مظهر ممتاز. ألا يتماهى ذلك بطريقة غير مباشرة في تقزيم إسرائيل للصراع والادعاء بأنه بين إسرائيل وحماس؟ وكأن إسرائيل لا تستهدف عموم الشعب الفلسطيني! ثم أيستحق هذا الإنجاز كل هذه الاحتفالات الحاشدة والتضخيمية للإنجاز؟ والإيهام وكأننا اصبحنا على شواطئ تل أبيب! ثم أكان من المقبول أخذ الريبورتاجات الصحافية للأنفاق وكيفية تصنيع الصواريخ، ألا يعتبر ذلك كشف معلومات مجانية للعدو؟ كل ذلك يشي بأن هناك نوايا لاستثمار الإنجاز في مشاريع سياسية بعيدة عن الاجماع الفلسطيني والبرنامج الفلسطيني والمطالب الفلسطينية الموحدة، لصالح المشاريع السياسية الفئوية الضيقة، التي من الممكن في ما بعد التطرق لدوافعها وخلفياتها وإلى ماذا ستؤدي.
كلنا يذكر فترات الهدنة السابقة بعد عدوان 2012 حين كان من يطلق صاروخا على الكيان يتعرض للاعتقال والسجن، ألا يوحي ذلك بان المشهد يمكنه أن يتكرر في الواقع الجديد؟ من ناحية أخرى ألم تكسب إسرائيل من جر بعض الفصائل الفلسطينية إلى نهج المفاوضات ولو غير المباشرة مع العدو الصهيوني، وهي التي وقفت وتقف ضد اتفاقيات أوسلو المشؤومة، والتي تقف ضد نهج المفاوضات شكلا ومضمونا؟
جملة القول ان التقييم الحقيقي لنتائج العدوان يتمثل في المقولة السائدة، إسرائيل لم تنتصر والمقاومة لم تهزم. التقييم يتوجب ان ينطلق من أن ما تحقق هو ليس اكثر من إنجاز لنــــا ونحن بحاجة إلى كفاح طويل من أجل تحقيق الإنجازات التراكمية على طريق تحقيق الانتصار النهائي على الكيان الصهيوني.
إننا بحاجة إلى استنزاف هذا العدو بشكل متواصل ولفترة طويلة من أجل إجباره على الاستجابة لشروطنا على طريق انتزاع حقوقنا الوطنية، وصولا إلى الانتصار النهائي الاكيد.. غير ذلك هو تقييم غير موضوعي لما جرى، ويصب في خانة خـــــداع الذات التي هي في غير مصلحة شعبنا وقضيته الوطنية وحــــقوقه المشــروعة.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد