تكريم التونسي عبد الوهاب المؤدب… ندوات فكرية وحفلات فنية على هامش مهرجان فاس للثقافة الصوفية

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: في أجواء صوفية حالمة، احتضن متحف البطحاء السبت المنصرم، فعاليات افتتاح الدورة التاسعة من مهرجان فاس للثقافة الصوفية، وذلك بحضور ثلة من الباحثين والفنانين والمفكرين في مجال التصوف وجمهور المهرجان من داخل المغرب وخارجه.
ولم يفوّت الدكتور فوزي الصقلي (رئيس المهرجان) الفرصة دون أن يستجلي دواعي تخصيص دورة هذه السنة لموضوع الحب لدى رجال ونساء التصوف، حيث أكد على المكانة الجوهرية التي يحظى بها مفهوم الحب في الديانة الإسلامية على وجه خاص والحضارية الإنسانية على وجه عام، واعتبر أن المحبة تعد أرقى إنجاز يمكن أن يصل إليه المؤمن سواء تعلق الأمر بمحبة الله أو بمحبة القريب أو بمحبة الآخر.
وأكد أن استحضار مفهوم الحب في تظاهرة ثقافية وفنية كمهرجان فاس للثقافة الصوفية، لم يكن ليكون ذي جدوى دون تكريم مجموعة من أعلام التصوف الذين اختبروا أسرار الحب وترجموها إلى مدونات شعرية أو فكرية خلدت تجربتهم الإنسانية الروحية، فرابعة العدوية ـ حسب توصيف فوزي الصقلي ـ جعلت من المحبة أمرا خالصا ومن حظ الجنة وطريقا للنجاة من النار، في حين أن ابن عربي استرعى انتباهنا إلى أن الحب سيبقى لغزا أبديا، ورغم ذلك فإنه لا مناص من أن نسلم لهذا الموجود غير المرئي مفاتيح أرواحنا ونتحسس فيه سر وجودنا.
كل هذه التجليات الروحية التي يتيحها لنا مهرجان فاس للثقافة الصوفية، يضيف الصقلي، تجعل من مدينة فاس وطوال مدة المهرجان مركزا للتصوف في العالم بأسره وفسحة فريدة تنصهر فيها كل اللغات والثقافات الصوفية العالمية، وذلك تحت عناوين كبرى أهمها التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية.
من جهتها، أكدت الدكتورة بارزة الخياري (نائبة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي) أن كل من يحضر المهرجان يأتي ومن مساعيه تقديم تجل من التجليات الحضارية الحقيقية للدين الإسلامي، الذي يجعل من الحب والإحساس بالجمال جوهرا له، وذلك في مقابل الصورة غير الحقيقية التي يقدمها الظلاميون عن الإسلام والتي لا تعبر إلا عن ميولاتهم الشخصية، بانتهاجهم لمسالك العنف ومعادتهم لحقوق المرأة وللأنظمة السياسية ومؤسساتها وللحرية.
واعتبرت بارزة الخياري أن الحضور إلى مهرجان فاس للثقافة الصوفية يندرج، لا محالة، ضمن دائرة الدفاع عن قيم التسامح والمحبة، خصوصا وأن محتضنه هو المغرب الذي يعد نموذجا للبلد المسلم المنفتح على العالم والقابل للآخر والغني بتنوعه الثقافي واللغوي الخلاق.
ومن جانبه، قال الباحث الصوفي الدكتور عبد الله الوزاني إن مهرجان فاس للثقافة الصوتية يستلهم روح الدين الإسلامي القائمة على المحبة والأخلاق. كما تحدث عن عرض الافتتاح «رابعة العدوية»، قائلا إنه يقوم على إبداع جديد في الجانب النغمي، وعلى أشعار صوفية لجلال الدين الرومي يُتغنى بها لأول مرة. ومن ثم، فهذا العمل مهدى إلى ذوق الجمهور وذكائه. وأوضع أن رابعة العدوي كانت أول امرأة مسلمة أصّلت لمفهوم الحب الإلهي.
يذكر أن الدورة الحالية لمهرجان فاس للثقافة الصوفية تتميز، وفي تجربة أولى من نوعها، بالانفتاح على فضاء باب المكينة، حيث من المنتظر أن يحتضن هذا الفضاء الفسيح حفلين صوفيين كبيرين: أولهما الجمعة القادمة وهو عبارة عن سماع صوفي من حلب تكريما لجلال الدين فايس، وثانيهما السبت القادم يحمل عنوان «دين الحب» وينتظر أن يحيه كبار أصوات السماع الصوفي والموسيقى الأندلسية بمعية فرقة المجموعة الأندلسية للأستاذ محمد التهامي الحراق.
وخصص اللقاء الفكري الأول الذي نظم الأحد الماضي، في إطار الدورة التاسعة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية، لتكريم أحد أبرز الوجوه التي اعتادت هذه التظاهرة الثقافية على استضافتها، يتعلق الأمر بالكاتب والمفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب، الذي توفي أوائل نوفمبر / تشرين الثاني من العام الماضي، بعد صراع طويل مع المرض.
وتطرق المشاركون في اللقاء إلى الجهود التي كان الكاتب الراحل يبذلها من أجل تعميق فهم الخطاب الإسلامي وتجديده، من خلال القيم بدور البيداغوجي، دون أن يغفل مواجهة أدعياء التدين الذين يزجون بأنفسهم في وضع تراجيكوميدي، من خلال ارتكاب حماقات متتالية، انطلاقا من فهم خاطئ للإسلام ولجوهر الحضارة الإسلامية.
وتوقف المتحدثون عند المساهمات الفكرية والإعلامية لعبد الوهاب المؤدب المتمحورة حول الأندلس والصوفية والفن والحضارة وفكر ابن خلدون وابن عربي، والإسلام في سيرورته اليومية؛ مشيرين إلى أن معركة المفكر الراحل كانت معركة من أجل الحق في التفكير ومن أجل القيم ورفعة الإنسانية ودوام المحبة.
وأبرزت بعض المداخلات الحيز الهام الذي كان يحتله الفكر الصوفي لدى الراحل، إذ ترجم مؤلفات بعض المتصوفة كشهاب الدين السهروردي وأبو يزيد البسطامي، إيمانا منه بأهمية الترجمة في تكريس التواصل الثقافي الخلاق ومناهضة التعصب الفكري.
يشار إلى أن المؤدب (68 سنة) درس الآداب وتاريخ الفن في جامعة باريس، واهتم بالكتابة والشعر، بالإضافة إلى تقديمه لبرنامج أسبوعي تحت عنوان «ثقافات من الإسلام» على أمواج إذاعة فرنسا الثقافية.
ومن أهم كتبه: «أوهام الإسلام السياسي» و«رهان الحضارات» و«ربيع تونس.. تحول التاريخ»، وترجمته لرواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى اللغة الفرنسية. وسبق له أن حاز جائزة الدوحة عاصمة للثقافة العربية عن مجمل أعماله، وجائزة فرانسوا مورياك عن كتابه «مرض الإسلام»، وجائزة ماكس جاكوب عن ديوانه الشعري «خامة العصافير»، وجائزة بنيامين فوندان عن كتابه «مواعظ مضادة».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية