في مواجهة ازمة اقتصادية كارثية وخطيرة، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عزمه اجراء «تغيير وزاري جوهري»، والاستعانة بـ «وزراء تكنوقراط»، مؤكدا «الانتهاء من إعداد دراسة كاملة لهيكلة الوزارات وترشيقها (تقليصها)، وإلغاء الملحقات الزائدة فيها». وأوضح مساء الثلاثاء، أنه «تم اختيار الوزراء، على أساس الكتل السياسية، حسب ما ينص عليه الدستور العراقي، وضمن التمثيل السياسي».
ومن الصعب على المراقب تصور طبيعة الفارق الذي ستشكله التركيبة الوزارية الجديدة بالنسبة للاوضاع الصعبة التي يمر بها العراق على اكثر من صعيد، خاصة إذا كان العبادي سيختار الوزراء حسب المحاصصة الطائفية، ومن الكتل السياسية نفسها، التي رفضتها المظاهرات في العراق وحملتها مسؤولية انهيار الاوضاع.
ومن غير المفهوم أيضا ان يتوقع العبادي حصول أي تقدم سياسي أو اقتصادي على الأرض، بمجرد تغيير عدد من الوزراء، خاصة بعد ان فشل في استثمار زخم التفويض الشعبي لتحقيق اصلاحات حقيقية، وهو ما أقر به إذ قال أمس الأول «منذ استلام المسؤولية (رئاسة الوزراء)، وضعنا أهدافًا أساسية للإصلاح، وكان طموحنا أن تتضافر جهود جميع السياسيين معنا، إلا أن ذلك لم يتحقق».
وقد أطلق العبادي محقا امس ما يشبه «نداء استغاثة إلى العالم» من روما عندما أكد «أن اقتصاد العراق المتضرر بشدة من انهيار أسعار النفط العالمية، يواجه موقفا بالغ الصعوبة، ويحتاج إلى المساعدة الدولية لمواجهة الأزمة».
يذكر أن النفط يمثل أكثر من 90٪ من إيرادات الحكومة العراقية، وقد انخفض سعر النفط حاليا إلى حوالي 30 دولارا للبرميل مقابل حوالي 110 دولارات للبرميل منتصف العام قبل الماضي.
وبينما يشتعل أقليم كردستان العراق بالمظاهرات احتجاجا على خفض الرواتب (باستثناء رواتب القوات الأمنية)، لا يستبعد خبراء اقتصاديون ان تعجز حكومة بغداد عن دفع الرواتب لباقي موظفيها خلال شهرين مع استمرار التفاقم في الأزمة الاقتصادية.
وفي خطوة غير مسبوقة أعلن العراق قبل يومين إغلاق ملحقات تجارية في الخارج لتقليص النفقات، فيما يؤخر الضغط على الميزانية إزالة متفجرات زرعها تنظيم «الدولة» في الرمادي واستعادة الخدمات الأساسية اللازمة لعودة المدنيين النازحين إلى المدينة.
وليس من الانصاف تحميل حكومة بغداد مسؤولية انهيار اسعار النفط التي تؤثر على العديد من البلاد المجاورة، الا انه بعيدا عن طلب المساعدة الدولية العاجلة، واستبدال الوزراء، فقد فشل العبادي في تقديم رؤية سياسية متماسكة لانقاذ العراق الذي يبدو انه يقترب بسرعة من حافة الافلاس، فيما تستمر «مافيا الفساد» في الهيمنة على ما تبقى من مقدرات البلاد وثرواته.
وبالتوازي مع الأزمة الاقتصادية، تتصاعد أعمال القتل الطائفي والخطف والهجمات الإرهابية في تدهور أمني مروع، ما يفاقم معاناة المواطنين.
وفي غضون ذلك كشف تقييم أمريكي نشره البرلمان العراقي ان سد الموصل، أكبر سدود البلاد، يواجه «تهديدا» بالانهيار وهو ما يمكن ان يدمر مناطق تقع في الجنوب، وبالتالي كارثة إنسانية قد توقع آلاف الضحايا.
وبني السد على أسس غير ثابتة تتعرض للتآكل المستمر، وأدى نقص صيانة السد بعد سيطرة تنظيم الدولة عليه لفترة وجيزة في 2014 إلى اضعاف بنيته التي تشوبها عيوب.
وأكد التقييم الذي أصدرته كتيبة المهندسين في الجيش الأمريكي «ان سد الموصل يواجه خطر الانهيار بشكل أكبر بكثير مما كان يعتقد أصلا».
وفي ظل هكذا تحديات مصيرية، يحق للمراقب ان يتساءل حول «صمت» حلفاء العراق الذين يمدونه بالأسلحة والمستشارين تجاه هذه الظروف الاستثنائية، وان كانت مساعداتها الاقتصادية في الحقيقة تبقى مشروطة بالاستمرار في فرض معطيات سياسية وأمنية معينة، ربما كانت بين الأسباب التي أسهمت في تفاقم الأزمة في المقام الأول؟
رأي القدس